((إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
إن غاية التوحيد أن تكون في سلام مع الله، لتكون في سلام مع نفسك، لتكون في سلام مع الأحياء، والأشياء.. فإذا كنت كذلك فأنت (الحر)..))

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

الاستاذ محمود في الذكرى الثلاثين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (7)

خالد الحاج عبد المحمود

يناير 2015

حكم الوقت:


تتحدث بعض مدارس الفكر الغربي، عن النظرة التاريخية أو التاريخانية .. وهي تعني في تبسيط، تأثر الفكر والحياة، بالظروف التاريخية، فلا يمكن مثلاً، أن تسبق الاشتراكية الرأسمالية، ولا أن تسبق الرأسمالية الإقطاع .. فظروف التاريخ، وما يحدث فيه هي التي تحدد طبيعة المرحلة.. وفي الغالب، تقوم هذه النظرة على مفهوم تطوري.. ما يقابل هذه النظرة من الإسلام هو مفهوم "حكم الوقت" وهو، وإن كان يسير في نفس اتجاه النظرة التاريخية إلا أنه أكمل منها بما لا يقاس.. وإنما يجئ الاختلاف الجذري، بين النظرتين، من أن مفهوم "حكم الوقت" يقوم على "الغائية الكونية" وهي بدورها، تقوم على أن وراء أحداث الكون، إرادة مدبرة حكيمة، تضع كل شئ في موضعه .. ويمكن فهم مرامي هذه الإرادة المتفردة، وحكمتها عن طريق العمل بالمنهاج الذي وضعته للبشر وهو منهاج، في جملته، يعمل على خلق الصلة بمصدر هذه الإرادة، والتلقي عنه ومعرفة حكمته، وراء فعله، والعمل وفق هذه المعرفة وهذا ما يعرف في الدين ب- "أدب الوقت" .. فعن طريق العمل بالمنهاج، والتأدب بأدب الوقت نعرف حكم الوقت، فتظهر لنا حكمة الله الباطنة وراء فعله الظاهر، ونكون على بينة من الأمر، في الفكر وفي السلوك .. وهذا لا يوجد له أي مقابل، في الفكر الغربي .. بل ان مجرد، مفهوم "الغائية الكونية" في هذا الفكر غائب .
جل ما نريد أن نقرره هنا، هو أن قراءة الواقع، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، لا يمكن أن تعرف في وقتها، إلا بمعرفة حكم الوقت، وهو ببساطة: الحكمة وراء ما أظهره الله في الوقت.. وهذا لا يتم إلا عن طريق العقول المؤدبة بأدب الوقت (فالعقل، إذا روّض، وأدّب بأدب الشريعة، وأدب الحقيقة "أدب الوقت"، أصبح شديد القوى، دقيق الفكر، نافذه).. فهذا العقل هو الذي يدرك القراءة الصحيحة للواقع، فيعرف ما هو باطل حسب حكم الوقت، فهو زائل .. وما هو حق حسب حكم الوقت، فهو باق، ونام .. وبذلك يقوم، بتصفية الرضا من الإرادة ..
والواقع بالطبع درجات، فهنالك الواقع الذي يمثله التجلي اللحظي، والواقع بالنسبة لكل فرد، في كل جزيئات حياته.. والواقع بالنسبة للمجتمع المعين، أو الدولة المعينة، والواقع للحضارة ككل.. وكل هذه المستويات متداخلة، ومتكاملة.. ونحن ما يعنينا هنا هو الواقع الحضاري بالذات، وهو مؤثر على جميع صور الواقع الأخرى .. ولمزيد من البيان، وحتي تكتمل الصورة، سنعرض نماذج من قراءة الأستاذ محمود للواقع، وهي بالطبع قراءة تقوم على تطبيق منهج الإسلام الذي يدعو له..