English

كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

الأستاذ محمود

وليد معروف

بسم الله الرحمن الرحيم
الذكرى السنوية لاعدام شهيد الفكر الاستاذ محمود محمد طه ، طالما حاولت ان اكتب عن هذه الذكرى فمن المؤكد ساجد نفسى مكررا لجوانب تناولتها قبلي اقلاما ذهبية، قوية رصينة شامخة؛ كما ان مجرد محاولة الكتابة عن بطل مثل الأستاذ محمود؛ فهو امر اشبه بمحاولة التجوال في حقل للالغام لجسامة المسؤولية لاقلامنا المتواضعة جدا في تسطير ما يمكن أن يكون جديدا وذو قيمة إضافية في حق بطل عظيم كهذا.
في حالة الأستاذ محمود؛ بما إنني مفرط الإعجاب به خلقا وفكرا ونهجا، اجد نفسى منجرف وغريق فى بحر الانحياز، والعاطفية المطلقة عند الكتابة عنه، فاخشى ان يخل ذلك ببعض الموضوعية في حق شخصية الأستاذ الجليل، التى اريد ان اكتب عنها بتجرد وصدق.
والذي شجعنى في الكتابة هذه المرة في ذكراه؛ هو سؤال ظل يدور فى خاطرى، وربما يدور فى خاطر الكثيرين من ابناء جيلى والجيل الاصغر من جيلى(جيل العصيان)؛ ما هو النموذج الفكري المثالى لقيادة سودان المستقبل والخروج به من كبوته الآسنة؟.
اجتررت في ذهني اسماء ونماذج كثيرة عبر شريط تاريخنا السياسي السوداني القديم والمعاصر لاجد بعض المؤشرات التى قد تعيننى فى بحثى المرهق.. مررت بنموذج؛ محمد احمد المهدي، إسماعيل الازهري، المحجوب، عبدالخالق محجوب، الشريف حسين الهندى وجون قرنق كما قفز بخاطرى الصادق المهدى وحسن الترابى، ولكن مؤشري البحثي لم يتوقف إلا عندما وصلت الى اسم الاستاذ محمود محمد طه (غاندى افريقيا) كنموذج .. وجدت في نهج وفكر الأستاذ محمود النموذج العصري، الأوفر حظا لتولى امر ازمات السودان بالحسنى، والأخذ بيده إلى طريق السلام والاستقلال والنماء والحرية. كل ذلك اعتمادا على حرية الفرد المنضبطة سلوكيا بأسمي القيم والمثل الإنسانية العالية التي ترسخ لقيم المساواة في الحقوق والواجبات في الوطن وتحقق العدالة الاجتماعية الحقيقية بين أبناء الشعب.
هذا بالطبع هو خلاصة فكر الاستاذ الذى مات من اجله وهو مبتسما في وجه شانقه. مات الاستاذ وهو يتدفق ثقة وإيمانا وثباتا لما يؤمن به ويعتقد أن فيه الخير لامته.
مات الاستاذ محمود وبموته اكتملت حلقات الفكرة تماما لان القول الذي اتي به بعد تفكير عميق وبحرية كاملة؛ صدقه العمل عندما دفع حياته ثمنا رخيصا له.
جاء فكر الاستاذ متشبثا بالمنطق القويم، ومتحلي بالعلم الغزير، ومستنداً على المبادئ الثابتة والقوية ذات اللون الواضح الفاقع والتى لا تعرف التكتيك والتدليس؛ ارتكزت أفكاره على مبادئ من الثبات لا ترتجف من امن الدولة لارتباطها الصادق الوثيق بنهح من خلق الدولة ..
عندما قال الزعيم الوطنى الليبى عمر المختار ان حياته ستكون اطول من حياة جلاده، لم يكن مخطئا، بل انه ببصيرة وحكمة؛ اكد على حقيقة تاريخية صادقت عليها الايام وتواتر الاحداث لاحقا. وبنفس القدر حينما عجز نميري وجوقته المافونة من هزيمة الاستاذ محمود بالفكر والمنطق؛ ذهبوا الى الخيار الاسهل والاغبى فى نفس الوقت؛ فهم توهموا انهم بقتل الاستاذ محمود سوف يتخلصون منه ومن اي إثر له، دون ان يعلموا ان روحه من سماءها ستطاردهم بعد اعدامه، وان مقتله سيكون آخر جرائمهم قبل ذهابهم النهائي الغير مأسوف عليه. تماما كما كان الحال عند ما قتل الحجاج بن يوسف الصحابي الجليل سعيد بن جبير فلم يهنأ بساعة حكم واحدة بعد قتله لجبير.
فإن رحل الاستاذ محمود جسداً الا ان معاني الحرية العالية التى ترجمها بفداءه لروحه وقيم الوطنية الفاضلة التى جسدها عبر كل مواقفه، جعل منه رمزا وطنيا يلهب حماس كل سودانى بصير؛ ليهب مقاوما للظلم ومطالبا بالحرية للجميع..
هذا الرجل صدقت عليه مقولة عمر المختار؛ فكانت حياته اطول من حياة جلاديه الذين قتلوه، ماتوا هم دون سيرة طيبة وظل هو باقياً خالداً فى التاريخ وفى قلوب المستنيرين بسيرته العطرة والملهمة.. قليلون هم الرجال الذين لا تنساهم ذاكرة الناس ، ومن هؤلاء الاستاذ محمود محمد طه .
ان حياة الاستاذ جديرة بالقراءة والتوقف امامها طويلاً لناخذ منها العبر والعظات، ولنتعلم منها كيف يكون الثبات على المبادىء، وكيف تكون مقاومة الظلم والطغيان بصورة مدنية حضارية لا تعرف العنف ولا تعرف المساومة والنكوص، وكيف يكون الانحياز لحقوق البسطاء المظلومين الفقراء البائسين، والعيش مثلهم وفي وسطهم، وكيف تكون الوطنية الحقة، وقمة معاني نكران الذات عبر نموذج يصارع السلطان دون أن تكون لديه مجرد خاطرة للوصول إلى السلطة واستئثار المال والجاه له ولمن معه من اهله والنخب.
هكذا يجب ان تكون المؤشرات لقائد السودان فى المستقبل والذي يلتف حوله الجميع من كل الجهات والاعراق.
الأستاذ محمود نموذجا رائدا للمقاومة المدنية في تاريخ امتنا لذلك نريد استلهام هذا الفكر في عصياننا المدني ضد سارقي قوتنا باسم ديننا وديننا بريء منهم.

وليد معروف – بلجيكا.
من موقع حريات
January 15, 2017