English

الرسالة الثانية من الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
(( لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي .. فمن يكفر بالطاغوت ، ويؤمن بالله ، فقد استمسك بالعروة الوثقى ، لا انفصام لها.. والله سميع عليم .. ))
(( ومن يسلم وجهه إلى الله ، وهو محسن ، فقد استمسك بالعروة الوثقى .. وإلى الله عاقبة الأمور .. )) ..
صدق الله العظيم ..

مقدمة الطبعة الرابعة


هذه مقدمة الطبعة الرابعة من كتاب (( الرسالة الثانية من الإسلام )) .. وهو كتاب قد صدرت طبعته الأولى في يناير من عام 1967 ، الموافق لشهر الله المكرم رمضان من عام 1386.. ولقد لاقى رواجا عظيما ، ونجـد أن رواجه يزداد كلما تقادم عليه العهـد ، ذلك أن الناس قـد أخذوا يتفهمونه ، ويتقبلونـه ، ويقبلون عليه .. وهـذا الكتاب هـو ، بالنسبة للدعوة الجمهـورية ، الكتاب الأم .. ومع ذلك ، فانه موجز ، أشد الإيجاز ، ويتطلب شرحاً ، وتفصيلا ، وتبيينا ، ليس إليه اليوم من سبيل .. وسيطيب لذلك الوقت عما قريب إن شاء الله .. وما أريد في هذه المقدمة إلى شئ من تفصيل يتناول مواضيع الكتاب المختلفة ، وإنما أريد بها إلى تقرير أمر يهمني تقريره ، بادئ ذي بدء ، وذلك أن الإسلام رسالتان: رسالة أولى قامت على فروع القرآن ، ورسالة ثانية تقوم على أصوله .. ولقد وقع التفصيل على الرسالة الأولى .. ولا تزال الرسالة الثانية تنتظر التفصيل .. وسيتفق لها ذلك حين يجئ رجلها ، وحين تجئ أمتها ، وذلك مجئ ليس منه بـد .. (( كان على ربك حتماً مقضياً )) ..

العروة الوثقى


العروة هي المقبض .. أو هي اليد التي يحمل بها الإناء .. أو هي العقدة في طرف الحبل التي بها يستوثق القابض على الحبل من قبضة الحبل .. فالعروة الوثقى هي مقبض الحبل الوثيق .. والحبل هو الـدين .. قال تعالى : (( واعتصموا بحبل الله جميعا ، ولا تفـرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخواناً .. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها .. كذلك يبين الله لكم آياته ، لعلكم تهتدون )) .. فالحبل هنا هو الإسلام ، وهو القرآن ، وذلك معنى واحد .. وقد قال المعصوم ، في حديث يرويه علي بن أبي طالب : (( ألا إنها ستكون فتنة !! فقلت : ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله !! فيه نبأ ما كان قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم .. هو الفصل ، ليس بالهزل .. من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله .. وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو السراط المستقيم .. هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه .. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد .. من قال به صدق ، ومـن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعى إليه هدى إلى سراط مستقيم )) .. هذا قول المعصوم .. وهذا الحبل إنما تنزل من الله في إطلاقه إلى أرض الناس.. فأوله عندنا ، وآخره عنده تعالى ، في إطلاقه.. وهذه الصورة محكية ، أجمل حكاية ، في قوله تعالى ، من مطلع سورة الزخرف : (( حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم )) وهذا الحبل هو أيضا المسمى بالهدى في قوله تعالى ، مخاطبا إبليس ، وحواء، وآدم: (( قلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خـوف عليهم ولا هـم يحزنون )) .. فان هذا الهدى قد تنزل من الله في إطلاقه إلى المهبط الذي هبطه إبليس ، وحواء ، وآدم ، وهو الأرض .. ومن ههنا كانت صورة الهدى ، وصورة الحبل عبارة عن أمر واحد ، ذلك الأمر هو القرآن .. والعروة الوثقى التي قلنا عنها أنها مقبض الحبل الوثيق إنما هي طرف الحبل الذي لامس الأرض - أرض الناس -.. وهذا ما يحكيه ظاهر القرآن الذي تعطينا إياه اللغة العربية .. وقد عبر تعالى عنه بقوله : (( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون )) .. عبارة لعلكم تعقلون هي التنزل لأرض الناس ، وهذه هي الشريعة .. ولقد تنزل هذا الحبل الوثيق من الإطلاق ، وقد عبر تعالى عن نقطة متنزله من الإطلاق بقوله تعالى (( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم )) وقـد أشار إلى نقطة متنزله من الإطـلاق بقـوله تعالى : (( حـم )) أشار هنا إشارة فقط ، وهي إشارة في غاية الرفعة .. وعبر هناك عبارة ، وهي عبارة في غاية البلاغة .. وبين العبارة والإشارة اختلاف مقدار.. والمعبر عنه ، والمشار إليه ، أمر واحد ، هو الذات .. وإنما جاء اختلاف المقدار لضرورة التنزل إلى الافهام .
فالعروة الوثقى هي الشريعة .. والحبل الوثيق هو الدين .. وبين الشريعة والدين اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع .. فالشريعة هي القدر من الدين الذي يخاطب الناس - عامة الناس - على قدر عقولهم .. ولقد صدرنا هذه المقدمة بآيتين ، أولاهما: (( لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي . فمن يكفر بالطاغوت ، ويؤمن بالله ، فقد استمسك بالعروة الوثقى ، لا انفصام لها .. والله سميع عليم..)).. العروة الوثقى هنا الشريعة ، وهي (( لا انفصام لها )) من الدين لمن (( يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله )).. فإنها له موسلة ، وموصلة .. هذا شرط عدم انفصامها عن الدين - الكفر بالطاغوت ، والإيمان بالله .. وهذا يعني أنها منفصمة عن الدين لمن يستمسكون بها بغير كفر بالطاغوت ، وبغير إيمان بالله ، وهو ما عليه حال المسلمين اليوم .. هذه أولى الآيتين ..
وأخراهما (( ومن يسلم وجهه إلى الله ، وهو محسن ، فقد استمسك بالعروة الوثقى .. وإلى الله عاقبة الأمور..)).. وهذه الآية في معنى تلك ، ولكنها تذهب أكثر منها في توضيح توسيل الشريعة .. جاء في هذه بقوله : (( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن )) في مقابلة (( فمـن يكفر بالطاغـوت ، ويؤمـن بالله )) في تلك.. وجاء بالفاصلة : (( وإلى الله عاقبة الأمور )) ، ليدل على الرجعى بالصعود على الحبل المتنزل من الإطلاق ، حيث كان الإنسان ، قبـل أن يزل ، ويطـرد بسبب الزلة ، ويبـعد ، (( قلنا: اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون )).. وورد في نفس هذا المعنى ، قوله تعالى : (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، فلهم أجر غير ممنون )).. فالأجر (( غير الممنون )) يعني غير المقطوع .. وهو ، من ثم ، (( العروة الوثقى ، لا انفصام لها )) ..

السنة هي الرسالة الثانية


السنة شريعة وزيادة .. فإذا كانت العروة الوثقى هي الشريعة ، فإن السنة أرفع منها .. وإذا كان حبل الإسلام متنزلا من الإطلاق إلى أرض الناس ، حيث الشريعة - حيث مخاطبة الناس على قدر عقولهم - فإن السنة تقع فوق مستوى عامة الناس .. فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به .. هي مخاطبته هو على قدر عقله .. وفرق كبير بين عقله ، وبين عقول عامة الناس .. وهذا نفسه هو الفرق بين السنة والشريعة .. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس ، وإنما كان ذلك ممكنا ، بفضل الله ، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان .. وحين بشر المعصوم ببعث الإسلام إنما بشـر به في معنى بعـث السنة ، وليـس في معنى بعث الشريعة .. قال : (( بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بـدأ .. فطـوبى للغرباء !! قالـوا : من الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي بعد اندثارها )) .. ويجب أن يكون واضحاً أنه لا يعني إحياء الشريعة ، وإنما يعني إحياء السنة .. والسنة ، كما قلنا ، شريعة ، وزيادة .. السنة طـريقة.. والطـريقة شريعة موكدة ..

السنة ليست خاصة بالنبي


كثيرا ما نسمع الفقهاء يقولون : إن هذا العمل خاص بالنبي .. وهذا خطأ شنيع ، وقد كان له سود العواقب في تثبيط الناس .. والله تعالى يقول ، على لسان نبيه: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، يحببكم الله )).. ومن ههنا انفتحت الشريعة على السنة ، وأصبح مطلوبا من السالك أن يترقى من الشريعة إلى الطريقة .. (( السنة )) .. بيد أن هذا الترقي لم يكن فرضا مفروضا على عامة الناس ، وإنما كان أمرا مندوبا إليه .. وما منعه ألا يكون فرضا إلا حكم الوقت .. فقد كانت الفترة الأولى من الدعوة خاصة بأمة المؤمنين .. وكان عمل النبي ، في خاصة نفسه ، عملا في مستوى المسلمين .. فلم يكن في الأمة المسلمة غيره .. والإسلام مرتبة مترقية على الإيمان ، وقد ورد تفصيل هذا في متن الكتاب ، فليراجع في موضعه .. والذي يهمنا هنا أن نقرر أن وقتنا الحاضر وقت تتهيأ فيه الأرض لظهور أمة المسلمين .. وهذه الأمة هي أمة الرسالة الثانية .. وشريعتها هي سنة النبي ، لا شريعة الأمة الماضيـة ، بكل تفاصيلها ، وذلك بفضل الله ، كما أسلفنا القول ، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال هـذه المدة الطويلة ، مما جعله مستعدا لتفهم التشريع المتطور من الشريعة إلى السنة .. فكأن أرض الناس قد ارتفعت خلال هذه المدة .. وكأن طرفاً من الحبل قد انطوى من البعد إلى القرب .. وأصبحت بذلك العروة الوثقى الجـديـدة أقـرب إلى الإطـلاق من العـروة الوثـقى القـديمة .. وذلك لقرب أرض الناس – أعنـي مستوى فهمهم - من الإطلاق ، إذا ما قورن بمستوى الفهم القديم ..
والأمة المسلمة هي التي سماها النبي الكريم بالاخوان ، حين سمى الأمة المؤمنة بالأصحاب ، وفي ذلك ورد حديثه المشهور الذي قال فيه : (( واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد !! قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم أصحابي .. واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد !! قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم أصحابي .. واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد !! قالوا : من إخوانك ؟ قال : قوم يجيئون في آخر الزمان ، للعامل منهم أجر سبعين منكم !! قالوا : منا أم منهم ؟ قال: بل منكم !! قالوا : لماذا ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير أعوانا ، ولا يجدون على الخير أعوانا ..)) .. وعن الأخوان قال ، في موضع آخـر: (( الأنبياء أبناء أم واحدة )) يعني هم أخوان لأنهم جميعا يرضعون من ثدي واحد ، هو ثدي (( لا إله إلا الله )).. وفي ذلك إشارة إلى أن أمة المسلمين يكون الناس فيها ، لكمال معرفتهم بالله ، كأنهم أنبياء .. وليسوا بأنبياء ..
ومما يدحض القول بأن السنة خاصة بالنبي قول الله تعالى : (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رءوف رحيم )).. وروح هذه الآية في عبارة : (( من أنفسكم )).. يشير إلى أن ما اتصف به النبي من كمالات هو لكم ، إذا اتبعتم طريقه ، لأنه من عنصركم ، وليس من عنصر غريب عليكم .. والاختلاف بينكم وبينه اختلاف مقدار ، لا اختلاف نوع .. وقول من يقول بأن هذا العمل خاصية من خاصيات النبي يخطئ الحكمة في إرسال الرسل إلى البشر من البشر لا من الملائكة .. فإذا كانت الأرض اليوم ، بكل هذه الطاقة المادية الهائلة ، والتقدم البشري الرفيع في وسائل الدنيا ، ثم بكل هذه الحيرة المطبقة على عقول الناس ، وقلوبهم ، إنما تتهيأ لظهور أمة المسلمين عليها ، فقد أصبح واجباً على ورثة الإسلام - على ورثة القرآن - أن يدعوا إلى الرسالة الثانية ، تبشيرا بالعهد الجديد الذي أصبحت البشرية تشعر بالحاجة الملحة إليه ، ولكنها تخطئ طريقه ، وإنما طريقه في المصحف ، ولكن المصحف لا ينطق ، وإنما ينطق عنه الرجال .. قال تعالى في ذلك : (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون )).. ومما تنطق به صدور الذين أوتوا العلم أن طريق العهد الجديد - طريق المسلمين على الأرض - ترسم خط سيره آيات الأصول - الآيات المكية - تلك التي كانت في العهد الأول منسوخة بآيات الفروع - الآيات المدنية - وإنما نسخت آيات الأصول يومئذ لحكم الوقت .. فقد كان الوقت وقت أمة المؤمنين .. وآيات الأصـول تخاطب أمة المسلمين ، وهي أمة لم تكن يومئذ .. وإنما نسخت آيات الأصول في معنى أنها أرجئت ، وعلق العمل بها فيما يخص التشريع ، إلى أن يحين حينها ، ويجئ وقتها ، وهو الوقت الذي نعيش نحن اليوم في تباليج فجره الصادق .. وإنما من ههنا وظفنا أنفسنا للتبشير بالرسالة الثانية ..

الرسالة الثانية من الإسلام


الإسلام دين واحد .. وهو دين الله الذي لا يرضى غيـره .. قال تعالى فيه: (( أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات ، والأرض ، طوعا وكرها ، وإليه يرجعون ؟؟ )) وهو ، بهذا المعنى إنما هو الاستسلام الراضي بالله رباً .. وبالإسلام جاء جميع الأنبياء من لدن آدم وإلى محمد .. قال تعالى في ذلك : (( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه .. الله يجتبي إليه من يشاء ، ويهدي إليه من ينيب ..)) .. (( شرع لكم من الدين )) هنا لا تعنـي الشرائع وإنما تعنـي (( لا إله إلا الله )) .. ذلك بأن شرائع الأمم ليست واحدة ، وإنما هي مختلفة اختلاف مقدار ، وذلك لاختلاف مستوياتها.. وإنما (( لا إله إلا الله )) هي الثابتة ، وإن كان ثباتها في مبناها فقط ، وليس في معناها .. وإنما يختلف معناها باختلاف مستويات الرسل .. وهو اختلاف مقدار أيضا .. قال المعصوم في ثبات مبنى (( لا إله إلا الله )) .. (( خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي (( لا إله إلا الله ..)) واختلاف شرائع الأنبياء الناتج عن اختلاف مستويات أممهم لا يحتاج إلى طويل نظر .. ويكفي أن نذكر باختلاف شريعة التزويج بين آدم ومحمد .. فقد كان تزويج الأخ من أخته شريعة إسلامية لدى آدم .. وعندما جاء محمد أصبح الحلال في هذه الشريعة حراماً .. أكثر من ذلك أصبح التحريم ينسحب على دوائر أبعد من دائرة الأخت .. قال تعالى في ذلك: (( حرمت عليكم أمهاتكم ، وبناتكم ، وأخواتكـم ، وعماتكم ، وخالاتكـم ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ، وأخواتكم من الرضاعة ، وأمهات نسائكم ، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم .. وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم .. وأن تجمعوا بين الأختين ، إلا ما قد سلف .. إن الله كان غفورا رحيما )) فإذا كان هذا الاختلاف الشاسع بين الشريعتين سببه اختلاف مستويات الأمم ، وهو من غير أدنى ريب كذلك ، فإنه من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح ، بكل تفاصيلها ، للتطبيق في القرن العشرين ، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع ، عن مستوى مجتمع القرن العشرين ، أمر لا يقبل المقارنة ، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلا ، وإنما هو يتحدث عن نفسه .. فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين : إما أن يكون الإسلام ، كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف ، قادرا على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع ، وفي مضمار الأخلاق ، وإما أن تكون قدرته قد نفدت ، وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع القرن السابع ، والمجتمعات التي تلته مما هي مثله ، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه ، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات ، وهذا ما لا يقول به مسلم .. ومع ذلك فان المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة .. وهم يظنون أن مشاكل القرن العشرين يمكن أن يستوعبها ، وينهض بحلها ، نفس التشريع الذي استوعب ، ونهض بحل مشاكل القرن السابع ، وذلك جهل مفضوح ..
المسلمون يقولون إن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة .. وهذا صحيح .. ولكن كمالها إنما هو في مقدرتها على التطور ، وعلى استيعاب طاقات الحياة الفردية ، والاجتماعية ، وعلى توجيه تلك الحياة في مدارج الرقي المستمر ، بالغة ما بلغت تلك الحياة الاجتماعية ، والفردية من النشاط ، والحيوية ، والتجديـد .. هم يقولون ، عندما يسمعوننا نتحدث عن تطوير الشريعة ، يقولون : الشريعة الإسلامية كاملة ، فهي ليست في حاجة إلى التطوير ، فإنما يتطور الناقص .. وهذا قول بعكس الحق تماما ، فإنه إنما يتطور الكامل .. فالكمل من العارفين مثلهم الأعلى أن يتخلقوا بما وصف الله تعالى به نفسه حين قال عز من قائل: (( كل يوم هو في شأن )).. فهم يجددون حياة فكرهم ، وحياة شعورهم ، كل يوم .. واليوم عندهم هو يوم الله .. وليس هو هنا أربعاً وعشرين ساعة ، وإنما هـو وحـدة (( زمنية )) التجلي ، وتلك (( زمنية )) أصغر من الدقيقة ، بل أصغر من الثانية ، بل أصغر من الثالثة .. إنها (( زمنية )) قد تنقسم فيها الثانية إلى بليون جزء ، حتى أنها لتكاد أن تخرج عن الزمن ، في المفهوم الذي يتصوره العقل للزمن .. فهم قد ينطلقون ، أو قد يحاولون أن ينطلقوا ، مع الله في إبداء مظاهره لخلقه ، يجددون حياة فكرهم ، وحياة شعورهم بهذه الصورة المستمرة .. هذا هو الكمال .. وليس الكمال التزام صورة واحدة .. فالعشبة الضئيلة التي تنبت في سفح الجبل ، فتخضر ، وتورق ، وتزهر ، وتثمر ، ثم تلقي ببذرتها في تربتها ، ثم تصير غثاء تذروه الرياح ، أكمل من الجبل الذي يقف فوقها عاليا متشامخا ، يتحدى هوج العواصف .. ذلك بأن تلك العشبة الضئيلة قد دخلت في مرحلة متقدمة من مراحل التطور - مرحلة الحياة والموت - مما لم يتشرف الجبل بدخولها ، وإنما هو يطمع فيها ، ويطمح إليها ..
وبالمثل ، فإن كمال الشريعة الإسلامية إنما هو في كونها جسما حيا ، ناميا ، متطورا ، يواكب تطور الحياة الحية ، النامية ، المتطورة ، ويوجه خطاها ، ويرسم خط سيرها في منازل القرب من الله ، منزلة ، منزلة .. ولن تنفك الحياة سائرة إلى الله في طريق رجعاها ، فما من ذلك بد .. (( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه )).. وإنما تتم الملاقاة بفضل الله ، ثم بفضل إرشاد الشريعة الإسلامية في مستوياتها الثلاث : الشريعة ، والطريقة ، والحقيقة .. وتطور الشريعة ، كما أسلفنا القول ، إنما هو انتقال من نص إلى نص .. من نص كان هو صاحب الوقت في القرن السابع فأحكم إلى نص اعتبر يومئذ أكبر من الوقت فنسخ .. قال تعالى : (( ما ننسخ من آية ، أو ننسئها نأت بخير منها ، أو مثلها .. ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ؟ )) .. قوله : (( ما ننسخ من آية )) يعني : ما نلغي ، ونرفع من حكم آية .. قوله : (( أو ننسئها )) يعني نؤجل من فعل حكمها.. (( نأت بخير منها )) يعني أقرب لفهم الناس ، وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة .. (( أو مثلها )) يعني نعيدها ، هي نفسها ، إلى الحكم حين يحين وقتها .. فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت ، فهي مرجأة إلى أن يحين حينها .. فإذا حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت ، ويكون لها الحكم ، وتصبح ، بذلك هي الآية المحكمة ، وتصير الآية التي كانت محكمة ، في القرن السابع ، منسوخة الآن .. هذا هو معنى حكم الوقت .. للقرن السابع آيات الفروع ، وللقرن العشرين آيات الأصول .. وهذه هي الحكمة وراء النسخ .. فليس النسخ ، إذن ، إلغاء تاما ، وإنما هو إرجاء يتحين الحين ، ويتوقت الوقت .. ونحن في تطويرنا هذا إنما ننظر إلى الحكمة من وراء النص .. فإذا خدمت آية الفرع التي كانت ناسخة في القرن السابع لآية الأصل غرضها حتى استنفدته ، وأصبحت غير كافية للوقت الجديد - القرن العشرين - فقد حان الحين لنسخها هي ، وبعث آية الأصل ، التي كانت منسوخة في القرن السابع لتكون هي صاحبة الحكم في القرن العشرين ، وعليها يقوم التشريع الجديد .. هذا هو معنى تطوير التشريع .. فإنما هو انتقال من نص خدم غرضه .. خدمه حتى استنفده إلى نص كان مدخرا يومئذ إلى أن يحين حينه .. فالتطوير ، إذن ، ليس قفزاً عبر الفضاء ، ولا هو قول بالرأي الفج ، وإنما هو انتقال من نص إلى نص ..

من المأذون؟


ولكن رسول الله قد التحق بالرفيق الأعلى وترك ما هو منسوخ منسوخا ، وما هو محكم محكما .. فهل هناك أحد مأذون له في أن يغير هذا التغيير الأساسي ، الجوهري ، فيبعث ما كان منسوخا ، وينسخ ما كان محكما ؟؟ هذا سؤال يقوم ببال القارئ لما سلف من القول .. والحق أن كثيراً ممن يعترضون على دعوتنا إلى الرسالة الثانية من الإسلام لا يعترضون على محتوى هذه الدعوة ، بل إنهم قد لا يعيرون محتوى الدعوة كبير اعتبار .. وإنما هم يعترضون على الشكل .. هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة ، تقتضي رسولا ، يقتضي نبـوة ، وقد ختمت النبـوة ، بصريح نص ، لا مرية فيه .. وإنه لحق أن النبـوة قد ختمت ، ولكنه ليس حـقا أن الرسالة قد ختمت : (( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين .. وكان الله بكل شئ عليما )).. ومعلوم أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا .. ولكن النبوة ما هي ؟؟ النبـوة هي أن يكون الرجل منبأ عن الله ، ومنبئاً عن الله .. أي متلقياً المعارف عن الله بواسطة الوحي ، وملقيا المعارف عن الله إلى الناس ، على وفق ما تلقى ، وبحسب ما يطيق الناس .. فبمرتبة التلقي عن الله يكون الرجل نبياً ، وبوظيفة الإلقاء إلى الناس يكون رسولا .. هذا هو مألوف ما عليه علم الناس .. ولكن هناك شيئا قد جد في الأمر كله ، ذلك هو معرفة الحكمة وراء ختم النبوة بمعناها المألوف .. لماذا ختمت النبوة ؟؟
أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبـوة لم تختم حتى استقر ، في الأرض ، كل ما أرادت السماء أن توحيه ، إلى أهل الأرض ، من الأمر .. وقد ظل هذا الأمر يتنزل على أقساط ، بحسب حكم الوقت ، من لدن آدم وإلى محمد .. ذلك الأمر هو القرآن .. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة .. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك ، جبريل - أن يتلقوا عن الله كفاحا - ذلك أمر يبدو غريبا ، للوهلة الأولى ، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول ، ذلك بأن القرآن هو كلام الله ، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا ، ولكنا لا نعقل عنه .. السبب ؟ أننا عنـه مشغـولون .. قال تعالى في ذلك: (( كلا‍‍!! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا!! إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون )).. وإنما جاء القرآن بمنهاج شريعته ، ومنهاج طريقته ، وبأدبه في كليهما ، ليرفع ذلك الريـن ، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن ، فإذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذوناً له في الحديث عن أسرار القـرآن ، بالقدر الذي وعى عن الله ..

من رسول الرسالة الثانية ؟؟


هو رجل آتاه الله الفهم عنه من القرآن ، وأذن له في الكلام ..

كيف نعرفه ؟؟


حسنا !! قالوا أن المسيح قد قال يوما لتلاميذه : (( احذروا الأنبياء الكذبة !! )) قالوا: (( كيف نعرفهم ؟؟ )).. قال : (( بثمارهم تعرفونهم )) ..
Next PageIndexPrevious Page