((إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
إن غاية التوحيد أن تكون في سلام مع الله، لتكون في سلام مع نفسك، لتكون في سلام مع الأحياء، والأشياء.. فإذا كنت كذلك فأنت (الحر)..))

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

غزو أفغانستان
النذير العريان

غرابة موقف إيران والهند!!


يكفي لوصف الوضع السياسي المضطرب في إيران اتهام الرئيس بني صدر للطلاب الإيرانيين (بمحاولة العمل كحكومة داخل حكومة)- الأيام 11/2/1980.. وهناك حروب (الأقليات) الأهلية وجيش إيران ممزق، وقد وصل الإقتصاد الإيراني إلى شفا الهاوية حيث أن معدل النمو صفر، كما أن نسبة التضخم تجاوزت 40%، وهناك أكثر من مليوني عاطل، ولولا البترول لأعلن هذا البلد أفلاسه ( طهران، 18/1/1980، جريدة الشرق الأوسط).
ويستغل السوفيت هذا الوضع المضطرب، كما يستغلون حادثة إحتجاز الرهائن الأمريكيين، لتعميق الحركة الشيوعية في إيران، بقيادة حزب (تودا) القوي الذي أيد كتكتيك مرحلي، الثورة الإيرانية (الإسلامية)، كما أيد الدستور الإيراني الجديد الذي يعطي صلاحيات مطلقة للإمام الخميني!! وإستعمل السوفيت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروع قرار أمريكي بتوقيع عقوبات إقتصادية دولية على إيران، وذلك لتعميق الأزمة الإيرانية الأمريكية... حتى تنضج الظروف داخل إيران لإجتياح سوفيتي كامل لها من الخارج، مدعوما من الداخل!! فها هو المسئول عن قسم الشرق الأوسط في مؤسسة الدراسات التابعة للأكاديمية العلمية السوفيتية، يقول لمجلة الصياد، ديسمبر 1979: (ان الأوضاع السائدة في إيران حاليا تسير بعكس منطق التاريخ، ولذلك لا نعتقد بأنها ستطول) وقال (إن هذه الأوضاع لن تطول لأنها لا تسير وفق الحتمية التاريخية).. و(الحتمية التاريخية) عند السوفيت، هي ما تعبر عنه الإستراتيجية السوفيتية بالسيطرة على (أي مكان في العالم) على حد تعبير بريجنيف، وخاصة على (مناطق النفط الحيوية)- على حد تعبيره أيضا!! ومع ذلك يقع النظام الإيراني في غفلة تامة عن هذا الخطر السوفيتي الذي يقترب من الحدود الإيرانية، ويتهدد منطقة أذربيجان الإيرانية تهديدا مباشرا، فها هو آية الله الخميني يدين إحتلال إفغانستان دون أن يذكر الإتحاد السوفيتي!! ويشن هجوما عنيفا على الولايات المتحدة وإسرائيل مشيرا إلى أنه (ليس هناك فارق بين الشرق والغرب)!! وفي غضون ذلك أبلغ بريجنيف بني صدر (أن موسكو تتعاطف مع نضال إيران ضد مؤمرات الإمبريالية)- (الأيام 5/2/1980.. فالخميني مشغول بنزاعه الضيق مع أمريكا حول تسليم الشاه، وممتلكاته، بينما يعمق السوفيت هذا النزاع لتصبح أيديهم طليقة في توسيع نفوذهم، في أفغانستان، وفي باكستان، وفي إيران نفسها في الوقت المناسب.
أما الهند فتتورط في موقف غريب أيضا!! فقد رفضت السيدة أنديرا غاندي، عقب فوزها إدانة الوجود السوفيتي في أفغانستان صراحة، واكتفت بترديد توضيحات موسكو للغزو ("الأيام" 11/1/1980) وهي في ذلك متأثرة بعدائها التقليدي للصين، وباكستان، الذي عمل السوفيت على إذكائه بكل سبيل!! وهكذا إستغل السوفيت تناقضات هذه المنطقة في كسب ولاء دولة (ديمقراطية) كالهند، يشكل السوفيت خطرا مباشرا عليها بأكثر مما تشكله الصين، وباكستان، وبأمد بعيد!!