((إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
إن غاية التوحيد أن تكون في سلام مع الله، لتكون في سلام مع نفسك، لتكون في سلام مع الأحياء، والأشياء.. فإذا كنت كذلك فأنت (الحر)..))

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

غزو أفغانستان
النذير العريان

هل يصمد الإتحاد السوفيتي حتى النهاية


من رأينا أن الإتحاد السوفيتي الآن إنما يتوسع على حساب مقومات وجوده الأساسية، من حيث أراد أن يؤمن هذا الوجود!! فهو ينفق على التسلح ما يخل بميزان مدفوعاته إخلالا شديدا!! وقد نسب لتشاوسيسكو، الرئيس الروماني، تعليق على سياسة التسلح السوفيتي جاء فيه: (هل يريد السيد بريجنيف أن يطعم شعبه قنابل وصواريخ؟؟)، وهناك بجانب الإنفاق على التسلح، الإنفاق العسكري، والمساعدات المالية للدول الشيوعية، خارج أوربا الشرقية ككوبا، وأثيوبيا، ونفقات الحروب الإقليمية، والغزوات العسكرية التي يشنها، الى جانب الإنفاق الثابت على الأحزاب الشيوعية خارج الستار الحديدي!! ومن جهة أخري أخذت حاجة الإتحاد السوفيتي لإستيراد المواد الغذائية، كالقمح، والحبوب، والموالح، والخضروات في إزدياد مضطرد برغم تمتعه بأرض زراعية شاسعة!! فقد إنخفض مثلا إنتاج الحبوب في الإتحاد السوفيتي عام 1979 بمقدار 56 مليون طن عن عام 1978، فصار عليه أن يستورد 32 مليون طن عام 1980، 25 مليون طن منها من الولايات المتحدة الأمريكية.. وقد دخل الحظر الجزئي على القمح في قائمة الإجراءآت الإنتقامية التي فرضتها أمريكا على السوفيت بسبب غزوهم لأفغانستان، ويصبح الموقف أكثر صعوبة عليهم بعد إنضمام أستراليا وكندا إلى أمريكا في هذا الحظر.
يقول (صمويل بيصار) الخبير الإقتصادي الأمريكي في شئون الكتلة الشيوعية، عن الإقتصاد السوفيتي، وهو يرسم صورة قاتمة له: (يمر الإتحاد السوفيتي بأزمة أقتصادية خطيرة. ولولا أن الإتحاد السوفيتي يمثل شعبا كبيرا، ويمتلك مصادر غنية بالطاقة، وبالمواد الأولية، لقلت إن هذه الأزمة لا بد أن تتحول إلى كارثة) ومضي ليقول: (فبالنسبة للزراعة يمكنني أن أؤكد أن قسوة الطبيعة ليست السبب الأول والوحيد وراء تأخرها، وتدهورها، وقلة إنتاجها. فهناك أسباب كثيرة أخري، أهمها العجز في الأسمدة، والنقص في المعدات الزراعية الحديثة، كذلك هناك الفشل في الإدارة والإداريين.. وبالنسبة للصناعة: فإن لدي الإتحاد السوفيتي الكثير من العلماء والمخترعين.. كما أن الصناعة السوفيتية متقدمة تكنلوجيا في بعض المجالات، ولكنها متأخرة جدا في المجالات الأخري.. وأخيرا جدا تنبه قادة الإتحاد السوفيتي إلى ضرورة الأخذ بالإسلوب الحديث في الصناعة، وبالإسلوب الرشيد في الإدارة، وبالإسلوب المتطور في التسويق، وفي التجارة.. وهذا كله لن يتحقق إلا إذا تعاون الإتحاد السوفيتي مع خبراء الإقتصاد الغربي، وبالذات مع خبراء الولايات المتحدة) إنتهي.. (عن كتاب "الروس قادمون" لإبراهيم سعدة).. وتدل قائمة الحظر لتصدير التكنلوجيا الأمريكية المتطورة للسوفيت، التي تشمل العقول الإلكترونية، ومعدات التنقيب عن البترول، كإجراء تأديبي نتيجة للغزو السوفيتي لأفغانستان.. تدل هذه القائمة على مبلغ التخلف النسبي في الصناعة السوفيتية!!
هذا ويقدر الدارسون المتخصصون أن السوفيت سيضطرون إبتداء من سنة 1985 إلى إستيراد البترول من (دول الأوبيك) بما يترواح بين 17 و25 ألف مليون دولار، بعد أن أنهكوا آبار البترول في سيبريا، في سبيل الحصول على العملة الصعبة منها لمقابلة نفقات الغذاء، والتكنولوجيا المتطورة، والتسلح، والمعونات العسكرية والمالية!! ولذلك إضطر السوفيت مؤخرا لرفع سعر البترول الذي يبيعه لجيرانه من دول شرق أوربا.. وقد إستوردت الدول الست الشيوعية الأعضاء في الكوميكون، في العام الماضي، من دول الأوبيك حوالي 50 مليون طن من البترول، وعليها أن تستورد في العام القادم من دول الأوبيك، وبصفة خاصة من الدول العربية حوالي سبعين مليون طن من البترول الخام (وكالة الأنباء الفرنسية 3/1/1980).
وعن تدهور الإقتصاد السوفيتي، وإتجاهه لدعم قاعدته إلى الغرب واليابان، يشير مصدر (هارولد برنس رفيو) عدد نوفمبر- ديسمبر 1978 إلى أن هناك 24 شركة أمريكية تعمل اليوم في مجال الإستثمار في الإتحاد السوفيتي، كما تعمل في في هذا المجال أيضا شركات أوربية من فرنسا، وأيطاليا، وتبلغ هذه الإستثمارات بلايين الدولارات. ويوضح المصدر أن حجم مشتروات الإتحاد السوفيتي، من الولايات المتحدة، من الموارد الغذائية، عام 1978 بلغت بليون دولار، ومن المواد غير العذائية بليون دولار أيضا!! أما بالنسبة لقروض وديون دول الكوميكون فتذكر (الإهرام الإقتصادي- 15 نوفمبر 1977) الزيادة في حجم مديونية هذه الدول من العملات الصعبة إلى البنوك الغربية، حيث وصل إجمالي هذه الديون في عام 1976، بما في ذلك الإتحاد السوفيتي، إلى حوالي 47 مليار دولار..) وجاء في(الإسبوع العربي) – 29 يناير 1979: (وافق بنك الصادرات والواردات الياباني على منح الإتحاد السوفيتي قرضا قيمته 300 مليون دولار..)
هذا الضعف الإقتصادي الشديد الذي بنتاب قاعدة الإقنصاد السوفيتي، إنما يقابله، من جهة أخري، ضعف سياسي مريع في تكوين الشعب السوفيتي بأكمله.. فقد ظل هذا الشعب طوال 63 عاما، هي عمر الثورة الروسية، حتى الآن وهو مسلوب الحقوق الدستورية.. ويحدثنا كتاب (ليونيد إيفانفوتشي) العالم السوفيتي الشهير في الرياضيات الذي حبس، وأتهم بالجنون ثم أطلق سراحه عام 1976 وأنتقل لفرنسا، وذلك لإهتمامه الشديد بقضية الحقوق الدستورية للشعب السوفيتي، يتحدث عن إنتهاكات هذه الحقوق، والمحاكمات الصورية، وتعذيب المسجونين السياسيين بأبشع الضغوط النفسية، وعن إضطهاد المفكرين والعلماء والفنانين الأحرار، وعن سلب الحقوق الشرعية في الإجتماعات، والتنظيمات، والنقابات، والتعبير...
وقصة أندرية زخاروف التي تناقلتها الصحف والإذاعات قبل أيام أقرب الأمثلة.. فهو يعتبر والد القنبلة الذرية في الإتحاد السوفيتي، وقد نال جائزة ستالين، وجائزة لينين، كما نال جائزة نوبل للسلام.. وهو مؤسس (جمعية المحافظة على حقوق الإنسان في الإتحاد السوفيتي) عام 1970، وقد طالب عام 1975، بعد توقيع الإتحاد السوفيتي إتفاقية هلسنكي، التي تعطي الضمانات لممارسة بعض الحريات، طالب القيادة السوفيتية بتطبيق بنود هذه الإتفاقية!!.. وفي يناير 1980 أصدر بريجنيف قراره بتجريده من كل الألقاب، وجوائز الشرف، وحددت إقامته في (جوركي).. وقد ذكر زاخاروف (أنه هدد بخطوات أخري ضده إذا إستمر في إعداد بيانات لنشرها في الخارج) (الأيام 6/2/1980) هذا هو مستوي الضعف السياسي المريع في تكوين الشعب السوفيتي.. وقد بلغ التبرم من إنتهاك الحقوق الدستورية أن صار اللجؤ السياسي لدي الدول الغربية، من المواطنين الروس،ظاهرة روسية عامة!! فقد أشارت الأخبار مؤخرا إلى أن عدد اللاجئين السوفيت من راقصي الباليه، وحدهم بلغ خمسة، منذ الصيف الماضي فقط (الإهرام 7/2/1980) وشعب هذا هو ضعف تربيته السياسية لا يمكن أن يشكل جبهة داخلية متماسكة وراء حكومة ذات أطماع توسعية خطيرة كحكومة الإتحاد السوفيتي!!