((إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
إن غاية التوحيد أن تكون في سلام مع الله، لتكون في سلام مع نفسك، لتكون في سلام مع الأحياء، والأشياء.. فإذا كنت كذلك فأنت (الحر)..))

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

غزو أفغانستان
النذير العريان

الغزو السوفيتي لأفغانستان


بدأ النفوذ السوفيتي في التغلغل في أفغانستان منذ أن أطاح محمد داؤود بالملك محمد ظاهر في ابريل 1973، بإتفاق الحزبين الشيوعيين: حزب خلق (الشعب) بزعامة محمد نور تراقي، وحزب برجم (العلم) بزعامة برباك كارمال.. وبدأت المقاومة الشعبية تحمل السلاح منذ ذلك الوقت.. وفي أبريل 1978 قام الحزبان الشيوعيان بإنقلاب عسكري أطاح بداؤود فتولي تراقي رئاسة الجمهورية، وعين كارمال نائبا له، ثم وقع الخلاف بين الحزبين، وأبعد كارمال، فعين سفيرا لدي تشيكوسلوفاكيا، ثم عزل، واستدعي، فلم يستجب، وظل ببراغ، وكان حفيظ الله أمين، أحد كبار زعماء حزب تراقي، نائبا لتراقي، ووزيرا للخارجية.. وعقدت في ديسمبر 1978 معاهدة الصداقة مع الإتحاد السوفيتي فزاد الوجود السوفيتي في أفغانستان حتى بلغ 5 آلاف خبير في الشئون العسكرية، والإقتصادية، والإدارية.. هذا بينما اشتدت المقاومة الشعبية للنظام الشيوعي، حتى قام حفيظ الله امين بالإطاحة بتراقي في سبتمبر 1979، بإنقلاب عسكري لاقي فيه تراقي مصرعه.. وزادت حدة المقاومة الشعبية حتى أسفرت، وقتئذ، عن 300 ألف لاجيء إلى باكستان (بلغوا الآن حوالي المليون)، ولكنه لقي ما لقيه سابقه من فشل في قمع هذه الثورة، مما عجل بالغزو السوفيتي!! ويقال ان كارمال كان بموسكو قبيل الغزو، فلم يجيء إلى افغانستان الا مع الطائرات الغازية، كما يقال أن الكلمة التي اذيعت بصوته من راديو كابول كانت تبث من محطة طشقند بالإتحاد السوفيتي!!
و قد جرت عملية (تعتيم) تامة لأحداث الغزو، فبعد أن كان يتردد أن حفيظ الله امين قد طلب مساعدة السوفيت لوضع حد للتدخل الأجنبي في افغانستان عن طريق الثوار، حتى يوم الغزو 27 ديسمبر 1979، انقطعت جميع وسائل الإتصال بكابول فجأة، وجرت المعارك في المواقع الإستراتيجية بها، وأعلن رسميا أن حفيظ الله أمين قبض عليه، وحوكم، وأعدم!! ولكن بعض المصادر تذكر أنه قتل أثناء المعارك!! وذلك لإخفاء معالم التآمر ضده، ثم احتلت القوات السوفيتية العاصمة، وأغلقتها في وجه الصحافة الأجنبية.. هذا (التعتيم) لأحداث الغزو كان مقصودا لإخفاء أهدافه الحقيقية، وإيجاد مبررات زائفة له!!
أما عن حجم الغزو فتؤكد كافة المصادر أن السوفيت قد أقاموا جسرا جويا نقل لكابول 10 ألف جندي بمعداتهم خلال 150 طلعة جوية لطائرات (أنطونوف 22) و(أنطونوف 12) خلال أيام قليلة، وأجتاحت أفغانستان فرق كاملة من المشاة تدعمها الدبابات، والمدافع الثقيلة، و800 طائرة مقاتلة.. حتى بلغت قوة الغزو البشرية حوالي 120 ألف جندي، بينما لا تتجاوز عددية الجيش الأفغاني نفسه ذلك!!
و قد تم حشد عسكري سوفيتي كثيف على الحدود الباكستانية بلغ 20 ألف جندي سوفيتي أخذ يضرب الثوار في المقاطعات الشرقية المحازية لباكستان، كما تم حشد 25 ألف جندي سوفيتي على مسافة 30 كيلومتر فقط من التخوم الإيرانية!! وقد ذكر راديو إيران أن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية اكد امس الأنباء الأمريكية عن تحركات القوات السوفيتية قرب الحدود الإيرانية ("الأيام" 11/2/1980).. كما ذكر أن تصفيات جسدية واسعة تجري لمعارضي النظام في كابول من الزعماء الدينيين، والسياسيين، والقادة العسكريين، كما ذكر أن العملة الأفغانية قد أستبدلت بالعملة السوفيتية!! وهذه أول مرة يتم فيها غزو سوفيتي كامل لدولة خارج نطاق حلف وارسو، وخارج أوروبا!!