((إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
إن غاية التوحيد أن تكون في سلام مع الله، لتكون في سلام مع نفسك، لتكون في سلام مع الأحياء، والأشياء.. فإذا كنت كذلك فأنت (الحر)..))

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

غزو أفغانستان
النذير العريان

أهداف الغزو


تنقل بعض المصادر أن مولوتوف، وزير خارجية السوفيت، على عهد ستالين، قد أخبر الألمان أن (النقطة المركزية في تطلعات الإتحاد السوفيتي هي جنوب باتوم وباكو وفي الإتجاه العام نحو الخليج الفارسي)- الحوادث البيروتية 11/1/1980. ومفتاح هذه المنطقة هو أفغانستان!! فهي، من جهة، بوابة جنوب آسيا: إيران، وباكستان، والهند. وهي، من جهة أخري، بوابة الخليج الفارسي (العربي)، حيث المصدر الرئيسي لنفط منظمة الأوبيك، وحيث تسهل السيطرة على مضيق هرمز الإستراتيجي (تمتلك هذه المنطقة أكثر من 56% من الإحتياطي العالمي للبترول، وتنتج أكثر من 21 مليون برميل يوميا، وهو ثلث الإنتاج العالمي اليومي، والطريق الوحيد لتصدير هذا الإنتاج هو مضيق هرمز الذي يصل الخليج بالمحيط الهندي، ويقع بين أراضي جنوب إيران وشبه جزيرة تابعة لعمان) وحيث المياه الدافئة امام قطع الأسطول السوفيتي، في المحيط الهندي، وبحر عمان!! الهدف المباشر، للغزو فيما تقوله بعض المصادر، هو أحد موانيْ المحيط الهندي (كراتشي في باكستان) أو أحد موانيء منطقة بلوشستان الباكستانية، عن طريق السيطرة على أفغانستان، ثم على باكستان، أو أن الهدف المباشر هو السيطرة على إيران للإطلال مباشرة على الخليج!! (بلوشستان منطقة مشتركة بين باكستان، وإيران، وأفغانستان، وهي ذات نزعة إنفصالية دخلت في نزاع مع الحكومة الباكستانية، خصوصا بعد ان نما فيها الجناح اليساري الذي يجد تشجيع نظام كابول الشيوعي) ولذلك أسرع نظام كابول الجديد بتأييد (حق السكان الباكستانيين من البلوشستان في تقرير مصيرهم)!! وذلك لتشجيع النزعة الإنفصالية لديهم حتى تسفر يوما عن دولة مستقلة يجد فيها النفوذ السوفيتي امتيازات بحرية تضعهم على اعتاب بحر عمان، والخليج الفارسي!! والخطر الماثل الذي يتهدد باكستان هو الذي دفع الأمركان ليعلنوا في 30/12/1979 انهم ملتزمون بالدفاع عن باكستان إذا ما تعرضت لأي عدوان سوفيتي (و ذلك بموجب إتفاقية عام 1959)، وقد سيطرت القوات السوفيتية بالفعل على ممر (كوجاك) الذي يؤدي من افغانستان إلى بلوشستان الباكستانية!! وقد اخذ السوفيت يعززون وجودهم بأفغانستان بكثافة، فأقاموا ست قواعد عسكرية، وخمس مطارات عسكرية، وأنشأوا مراكز اتصال واسعة، ونشروا الأسلحة الثقيلة، والرادارات، والمراكز المحصنة في الجبال.. ونقل راديو ام درمان يوم 31/1/1980 أن السوفيت اقاموا جسرا جويا آخرا لتعزيز الوجود العسكري السوفيتي في افغانستان.. هذا الوجود السوفيتي إنما يدل على جدية الأطماع التوسعية في إيران، وباكستان، نحو الخليج.
و مما يذكر من أهداف الغزو اتخاذ افغانستان، البلد الجبلي الصعب عازلا أمنيا للسوفيت من جهة آسيا، وربما كان من أهدافه، ايضا، وقف تيار الحركات الإسلامية في إيران، وباكستان، وافغانستان من الإنتقال إلى الجمهوريات السوفيتية الإسلامية (يبلغ عدد المسلمون بها ستين مليون) وقد اشارت صحيفة (الأزفستيا) السوفيتية في 3/1/1980، في تبرير الغزو (بعدم السماح بقيام حركات تخريبية يقصد منها التشويش على بعض المناطق داخل اراضي الإتحاد السوفيتي)!! ومما يذكر، هنا، توجيه لينين للمؤتمر الثاني للكومنترن عام 1920: (ضرورة مكافحة فكرة الدولة الإسلامية الكبري!! ص 173- 178 من مؤلف لينين (حركة التحرر الوطني في الشرق).. وعلى اي حال فإن غزو افغانستان إنما هو في اتجاه تحقيق فكرة (حزام الأمن الآسيوي) التي وضع لبناتها لينين، ويعمل بريجنيف جاهدا لتنفيذها، كخطوة من استراتيجية كبري للسيطرة على العالم.
و مما يذكر هنا تطلع الروس نحو افغانستان منذ عهد القياصرة، حيث عقدت بريطانيا، وروسيا القيصرية عام 1907، اتفاقية جعلت شمال إيران، وشمال غرب افغانستان منطقة نفوذ روسية، كما جعلت جنوب إيران، وجنوب غرب افغانستان، وجنوب غرب باكستان منطقة نفوذ بريطانية، وأخيرا تم قبول افغانستان عالميا على انها منطقة محايدة، حتى اجتاحها النفوذ السوفيتي مؤخرا.