((إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
إن غاية التوحيد أن تكون في سلام مع الله، لتكون في سلام مع نفسك، لتكون في سلام مع الأحياء، والأشياء.. فإذا كنت كذلك فأنت (الحر)..))

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

سلسلة تبسيط الدعوة - الحلقة الثانية

الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ حديثنا الثاني من سلسلة أحاديثنا في بعث الإسلام من جديد ..

حركتنا لبعث الإسلام ليست اجتهادًا، على الإطلاق .. ليست، كما هي مألوف العادة، اجتهاد في ما ليس فيه نص .. وهي، أيضًا، ليست اجتهاد في ما فيه نص .. وإنما هي فهم جديد للنصوص القديمة المألوفة .. هي ليست اجتهاد لأن الاجتهاد نحت .. هي، في الحقيقة، علم مفاض بفضل الله ثم بفضل التوجه والتوسل بالوسيلة النبوية لمفاتيح القرآن ..

حياة النبي هي مفتاح القرآن .. والمتوسل بها في تقليدها بإتقان، يُفتح لِهُ في القرآن، بفضل الله ثم بفضل هذا العمل وبركات النبي .. فعملنا دا ما هو اجتهاد، لكنه فهم للنصوص .. والقاعدة أنُّ، ما في نص، في القرآن أو في الحديث، هو غاية في ذاته .. النصوص وسائل .. وكل الوسائل مفضية إلى الإنسان .. الإنسان هو المكرم على جميع الخلائق .. وما أُرسل الرسل، وما أُنزل القرآن، وما شُرِّعت الشريعة، إلا من أجل الإنسان .. على هذا الأساس، دعوتنا قائمة إلى الرسالة التانية من الإسلام ..

وكنا في حديثنا الأول .. حديثنا الذي افتتحنا به هذه السلسلة .. تكلمنا عن السنة، وعن الشريعة .. وحاولنا باستقصاء وتطويل أن نبين الفرق بين السنة والشريعة .. وقلنا في آخر الحديث الأول، أن الرسالة التانية من الإسلام ما هي إلا سنة النبي .. وحاولنا أن نوضح هناك، أنُّ كانت هناك شريعتان معاشتان .. شريعة النبوة، وشريعة الرسالة .. وأنُّ شريعة النبوة ما عاشها غير النبي، ولا كُلف بها غير النبي وإن كانت الأمة نُدبت لِها .. والأمة ما كُلفت بشريعة النبوة .. ما كُلفت بالسنة .. إلا خوف المشقة على الناس .. الناس ما بطيقوها .. وتكلمنا عن مسألة المال لأنها بتبرز الفرق الكبير جدًا بين تكليف الأمة وتكليف النبي، ومبلغ المشقة الكبير لو كان الناس كُلفوا، في أمر المال، ما لا يطيقون ..

في الحقيقة أنُّ، الأمر المعروف أنُّ ردة المسلمين من الأعراب عن الإسلام عقب لحوق النبي بالرفيق الأعلى، الردة المشهورة، ما كان سببها غير المال .. مع أنُّ المال الكُلفوا بِهُ كان في مستوى الزكاة ذات المقادير .. وكان عُرفوا أنهم قالوا: «والله إنا مسلمون، وإنا نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصلي، ونصوم، ونحج، ولكنا لا نؤتي أموالنا .. إنها الجزية والله» .. ومن أجل دا ارتدوا عن الإسلام ..

فدا مع أنُّ التكيف في مستوى ما يطيق الناس، فكيف لو كان التكليف في مستوى ما يطيق النبي؟! دا أمر لا يخطر بالبال ولا يستقيم مع الحكمة .. والحكمة قائمة في: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» .. وقائمة في الحديث النبوي: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» ..

ومعلوم أنُّ، النبي كان مستواه بعيد جدًا من أرفع الأمة .. بعيد جدًا من أبو بكر، خل عنك الرجل من سائر الأمة .. وفي مرة كان الأصحاب أرادوا أن يواصلوا في الصيام .. الصيام المعروف بالصيام الصمدي .. كان النبي يصوم صيام المواصلة .. يعني كان يصوم النهار ويواصل صيامه في الليل، ويصوم النهار التاني ويواصل صيامه في الليل التاني، ويصوم النهار التالت ويفطر في آخر النهار .. تلاتة أيام وليلتين .. صيام متصل .. كان بعض الأصحاب رأوا أنهم يقلدوا النبي في هذا الأمر، فقال لِهم، أنتم تصوموا الصيام الشرعي وتفطروا عند الغروب، وقال لِهم، ما تواصلوا .. قالوا لِهُ: «فإنا نراك تواصل يا رسول الله! قال: إني لست كأحدكم .. فإني أبيت عند ربي، يطعمني ويسقيني» .. وهو، بطبيعة الحال، ما بيسقيه لبن ولا ماء .. ولا بيطعمه طعام، خبز ولا لحم .. وإنما هو اليقين .. الهوَ ثمرة للمعرفة الكبيرة بالله .. فالفرقة الكبيرة دي .. بين النبي وبين الأمة .. هي اللي جعلت هناك شريعتان معاشتان .. شريعة مكلف بها النبي، وشريعة دونها بكتير مكلفة بها الأمة ..

ونحن نبهنا إلى الخطر الكبير جدًا في أنُّ الناس لما يشوفوا الكمالات الكبيرة دي يفتكروا أننا نحن ما مخاطبين بالكمالات دي .. نحن ما مطالبين بها .. دي، طبعا، بيقولوها لِنا الفقهاء كتير .. بيقولوا أنُّ، «دي خاصية من خواص النبي، وأننا نحن ما نا مطالبين بها» .. ونبهنا إلى أنُّ دا خطر كبير جدًا قعد بالأمة عن أن تسير في مراقي نبيها، وثبط الهمم في أن تنهض .. ومع أنُّ، في الحقيقة، نحن مطالبين، حيث استطعنا، بالكمالات النبوية كلها .. نحن مطالبين بمعرفة الله .. لأنّ الدين ما جاء إلا ليعرفنا بالله .. ونرقى المراقي نحو الله .. وما في مراقي في هذا الباب إلا في الفهم والمعرفة والتخلق ..

تقريب صفاتنا من صفات الله هي السير لي الله .. الله ما عنده مكان بنسير ليه فيها .. في المكان ولا في الزمان .. وإنما الله في قلوبنا .. وبيننا وبينه قائمة حجب الجهالات والأوهام والغفلة اللي ضربتها علينا الحياة: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» .. فنحن سيرنا إلى الله، رفع حجب الجهل من بيننا وبينه .. رفع حجب العادات السيئة من العداوات والأحقاد والضغائن والحسد والبغض، المسائل البنعيشها في حياتنا اليومية وساقتنا ليها مخاوفنا من الرزق ومن خوف انقطاع الرزق، فـ «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» ..

فالمسألة، إذن، هي تخلق .. نحن مطالبين بأن نتخلق بأخلاق الله .. فالقول بأنه، «نحن ما نا مطالبين بأن نسير في مراقي النبي، وأنه دي خاصية من خواص النبي»، خطأ ضار وجهل كبير .. والأمر النحن مطالبين بِهُ أن نكون ربانيين .. ربنا قال: «كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون» .. ونبينا قال: «تخلقوا بأخلاق الله .. إن ربي على سراط مستقيم» .. فالأمر النحن مطالبين بِهُ أمر عظيم جدًا .. وزي ما بَقول أنُّ، قول الفقهاء بأنُّ، «دي خاصية من خواص النبي ونحن ما نا مطالبين بها»، خطأ ..

لكن نحن ما مطالبين بها عندما نقصر عنها .. درءا للمشقة عننا .. لكن، في مآل الأمر، نحن مطالبين بها .. وكلما استطعناها وجبت علينا .. والقرآن، زي ما قلت، بيطالبنا بها بأمر: «قل، إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» .. ولما كسلت هممنا، من النهوض بالأمر دا، قعدنا نتبعه في حركاته الشكلية .. نحن الآن، في الصور الشكلية، نصلي كما كان يصلي النبي .. لكن هل دا هو العمل المطلوب بالإتباع؟ ولا أنُّ دا قشرة للبة جواها؟! نحن يجب أن نصلي كما كان بيصلي بحركاته وهيآته .. لكن يجب أن يكون عندنا الاستعداد الداخلي اللي بيخلي قلوبنا كقلبه .. المطلوب، حقيقةً، هو إتباعه ظاهرًا وباطنًا .. وأن يكون القشرة اللي نحن بنقوم بها يكون ملآنة باللبة .. يعني عملنا يكون عنده محتوى ..

الرسالة التانية من الإسلام، زي ما قلنا، ما هي إلا السنة .. هي سنة النبي عائدة من جديد لتكون شريعة للأمة كلها .. السبب أنُّ الأمة في القرن السابع ما كانت بتستطيع أن تعقل عن النبي، وأن تعمل عمله .. ولذلك نُزل نزول كبير جدًا من عمله لمستواها .. وقال الحديث، اللي ورد ذكره قبل كدا: «نحن، معاشر الأنبياء، أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» .. ومن هنا جاء التنزل من شريعة النبوة إلى شريعة الرسالة .. ونحن ضربا المثل، في المعلم البنعده في كلية التربية، ليوضح لِنا كيف أنُّ النبي أعد إعداد كبير جدًا ليتحمل عبء الرسالة، وهي المقدرة على تبسيط الحقائق الكبيرة للناس ليعقلوها وليسيروا في مراقيها على قدر طاقتهن، «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» ..

وعندما جاء الحديث في بعث الإسلام من جديد، جاءت البشارة بِهُ بعد النذارة باختفائه وباضمحلاله وبموته في صدور الرجال والنساء .. جاءت البشارة لتقول: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء .. قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها» .. وفي الحقيقة، النبي بشّر بمجيء الأمة .. أمة الغرباء .. بيكونوا طلائعها الغرباء لكن غربتهم، بعد شوية عندما يكثر نوعهن، غربتهن بترد، وبيكونوا بيعيشوا في عنصرهن وفي شاكلتهن من الناس .. لكن هم، كطلائع، بيكونوا غرباء ..

قد يسال الإنسان، من وين جاءت مسألة الغربة للغرباء؟! الغربة دي شنو؟ والجواب أنُّ الغربة جاءتهم من التوحيد .. أصلو التوحيد ياهو هو الغريب على النفوس .. النفوس بتعيش في وسط التعدد .. هي بتعيش في وسط الكون المادي .. وأبوابها على الكون المادي متعددة، هي الحواس .. والحواس تعطي التعدد ..العنصر البتعيش فيه النفس التعدد .. العقل يدرك بالثنائية .. أيسر مراتبه أنُّ يدرك بالثنائية .. فالعنصر البتعيش فيه النفوس هو التعدد .. عندما تدعى النفوس إلى التوحيد تستغرب .. ودا جاء محكي في القرآن .. كان القرشيون في الكعبة وكان في الكعبة تلاتمئة وستين صنم، فطلع عليهن النبي، ذات يوم، وقال: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» .. فاستغربوا، وحكى القرآن عنهن استغرابهن: «قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إنّ هذا لشيء عجاب!» .. شيء عجيب، شيء غريب .. فعندما جاءهن النبي بالتوحيد أصبح غريب بيناتهن .. والغرباء بيصبحوا غرباء في المجتمع البيجيئوا ويعيشوا فيه في أخريات الأيام، وزي ما تحدث عنهم النبي .. وهم البيعيدوا الإسلام بعد أن يكون نصل من حياة الناس .. بيكونوا غرباء لأنهم بيجيئوا بالتوحيد ..

الحديث دا أهميته للبعث كبيرة جدًا .. بعث الإسلام ما بيكون بالشريعة، كما يظن كتير من الناس .. كتير من الناس يظن أننا نحن الآن بخير .. بنشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبنصلي، وبنصوم، وبنزكي، وبنحج .. ما في شيء ناقص لِنا إلا تطبيق شريعتنا .. بيفتكروا أنهم لو وجدوا إيدن .. لو وجدوا السلطة، يعيدوا الشريعة .. لكن دا فهم للدين ناقص جدًا .. الدين ما بيعود بالشريعة .. الدين بيعود بالتوحيد، لأنه ما بيعود في الجماعة، إلا من حيث أنها مكونة من أفراد .. القيم العرفانية قيم فردية ..

نحن، في الوكت الحاضر، إذا طبقنا الشريعة نطبقها منحرفة .. ونطبقها بعيدة من واقعها .. وهسع في البلاد البتتطبق الشريعة الإسلامية، هذه البلاد بعيدة جدًا من الدين .. بل هي أبعد من غيرها لأنها بتفتكر أنها بخير وأنها هي على الدين .. لكن هذه الشريعة تطبق في انحراف شديد .. يعني تطبق على الغفير ويُعفى منها الأمير .. تطبق على الضعيف وينجا منها القوي .. ليه؟! لأنُّ النفوس خربة .. النفوس ما تهذبت وما تربت .. ولا يمكن أن تطبق الشريعة، إذن، على قسط وعلى جد وعلى نزاهة وعلى استقامة .. التوحيد خطاب للنفوس، وشريعة للنفوس .. إذا أنت عائز تقيم الحكومة الإسلامية في الأرض، أقِم الحكومة في نفسك .. إن أقمتها في نفسك، توشك أن تقيمها في الأرض .. ولا تقيم الحكومة في نفسك إلا إذا أقمتها بالتوحيد، لأنُّ ميزان الشرائع، في النفوس، هو التوحيد ..

الغرابة، إذن، في التوحيد، «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» .. الغرباء هم الذين جلبت عليهم الغربة إدراكاتن القوية والسامية والغريبة على الناس في مدارج التوحيد .. وإذا كان ارتفع عمود التوحيد لي قامة جديدة، تُرى الأشياء رؤية جديدة .. النصوص نفسها، اللي كانت مدركة عند الناس على نحو من الأنحاء، تفهم فهم جديد عندما يرتفع عمود التوحيد ارتفاعه جديدة .. والأمر دا ما نحن داعون لِه اليوم .. نحن، دعاة البعث الإسلامي .. دعاة الدعوة الإسلامية الجديدة .. بنركز على التوحيد ليعود عندنا فهم جديد للقرآن على أساسه نفسر النصوص .. وقلنا، قبل كدا، أنُّ تفسير القرآن، بالغ ما بلغ، ليس هو القرآن، وإنما هو فهم المفسر للقرآن .. وفهم المفسر للقرآن رهين بأشياء كتيرة منها ثقافة عصره .. ما يمكن أنت تنتظر من المفسرين في القرون الأولى أن يخدموا أغراض جميع العصور في الفهم .. هم فهموا من القرآن ما خدموا بِهُ غرض وكتهن .. نحن علينا أن نفهم من القرآن ما نخدم بِهُ غرض وكتنا ..

وكتنا دا الحاضر مختلف عن الأوكات جميعها .. الحقيقة أنُّ البشرية في ماضيها السحيق كانت سائرة إلى مثل هذا اليوم .. تنزل مرحلة وتشد لتنزل مرحلة أخرى وهي ماشة، في جميع أوكاتها وفي جميع أمكنتها في هذا الكوكب، إلى أن تصل إلى حالة متل حالة مجتمعنا دا .. أن يكون مجتمع موحد كوكبي، يدرك أشياءه قريب من قريب، ويستقبل مصير واحد، ويحاول أن يوجد السلام والتعاون بينه وبين جيرانه ..

التطور البشري مشى ووصل إلى الحالة التي نحن عليها، حيث أصبحنا نعيش في مجتمع كوكبي .. قربت المواصلات الحديثة بين أطرافه حتى أصبحوا الناس فيه جيران .. ما كانت الحالة كدا، ببعيد .. مثلا، الناس الكانوا بيرحلوا بالدابة، يرحلوا بالناقة، لا يمكن أن تكون مشاكلن زي مشاكل الناس البيرحلوا بالصاروخ .. بيرحلوا بالطيارة .. الناس البيمشوا للقمر ويتطلعوا للكواكب في الفضاء .. وفي الوكت الحاضر النحن بنتكلم فيه في مركبات ماشة للمشتري وماشة لزحل .. ودي مقدر ليها أن تسير باقي سنة 77 وتسير سنة 78 وتصل للمشتري في منتصف سنة 79 .. مثل هذا المجتمع لا يمكن، عقلاً ولا دينًا، أن تُحل مشاكله على الفهم الفهموه أوائلنا في القرن السابع ..