وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الديـن والتنمية الاجتماعية

محمود محمد طه


الديـن
والتنمية الاجتماعية


- الطبعة الأولى -
ذو الحجة 1394 – ديسمبر 1974

الإهـــداء:


إلى الناس !! كل الناس !!
و إلى العلماء منهم بشكل خاص ..
إن الزمان قد استدار ، استدارة كاملة ، فعاد كهيئته ، يوم خلق الله الإنسان ، دودة بين الماء والطين !!
يومئذ قام تحدي البيئة الطبيعية له بصورة حاسمة !!
التحدي ؟؟ أما أن يحدث تواؤماً بينها وبينه ، أو ينقرض !!
و الآن !! فإنه ، بتمام هذه الإستدارة الزمانية ، يعود هذا التحدي بكل حسميته ، بيد أن عنصراً جديداً قد دخل الميدان ، ذلك إنّا اليوم نعرف حقيقة هذه البيئة التي تواجهنا بكل هذا التحدي الرهيب ، بعد أن كنا نجهلها أمس ، كل الجهل !!
إن بيئتنا الطبيعية ليست بيئة مادية ، كما نتوهمها ، إلى اليوم !!
إنها ، في الحقيقة ، بيئة روحية ، ذات مظهر مادي !! إنها إرادة الله تجسدت !!
و التحدي الذي تواجهنا به هذه البيئة اليوم إنّما يتخذ صوراً عديدة !!
منها ، فيما نحن بصدده من الحديث عن التنمية الاجتماعية ، الانفجار السكاني ، الذي يتهدد أهل الأرض بالانقراض جوعاً ، إذا لم تتم المواءمة ، بين هذه الحياة الحديثة ، وبين هذه البيئة القديمة ، الحديثة!!
و لا تتم المواءمة بتحديد النسل ، كما يظن بعض العلماء !! لا !! ولا هي تتم بهذا ، وبالاعتماد على العلم المادي ، التجريبي ، وحده ، في زيادة إنتاج الغذاءت !!
و إنما هي تتم بالاعتماد على العلم المادي ، وبالاعتماد على العلم بالله الذي به سنملك القدرة على تجاوز العلم المادي !!
و بتجاوز العلم المادي هذا نصل إلى "العلم" ، ذلك العلم الذي ، بالحياة بمقتضاه يتم التواؤم بين حياة الإنسان الحديث ، وبين بيئته هذه القديمة ، الحديثة !!
يومئذ ، ويومئذ فقط ، يحيا الأحياء ، وكل نفس في سلام مع نفسها ، ومع بقية الأحياء ، والأشياء !!