في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

مقاومة التقسيم


لم يمض غير يومين على اتخاذ قرار التقسيم حتى شبَّت الحرب بين العرب واليهود في فلسطين.. وعقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً في القاهرة في الثامن من ديسمبر عام 1947م، حضره رؤساء وزارات الدول العربية، وأصدر بياناً استنكر فيه قرار التقسيم.. ولم يتخذ قراراً ايجابياً بالمقاومة.. ولكن أهل فلسطين من العرب قد دخلوا في مقاومة مسلحة، وأمام هذه المقاومة أوشكت اللجنة الدولية التي عهد إليها بالإشراف على تنفيذ قرار التقسيم أن تعلن يأسها، وفشلها في مهمتها.. وعندها سارعت بريطانيا والولايات المتحدة إلى دعوة مجلس الأمن للانعقاد لبحث الحالة المضطربة في فلسطين.. وحين انعقد المجلس أدلى رئيس اللجنة الدولية أمامه بشهادة أكد فيها استحالة العمل وسط العنف القائم يومئذ في فلسطين، واقترح إحدى خطتين لمعالجة الحالة: إحداهما إرسال جيش دولى لتنفيذ التقسيم بالقوة.. أو، ثانيتها، إهمال مشروع التقسيم إهمالاً نهائياً.. وهنا بادرت أمريكا على لسان مندوبها في مجلس الأمن، فقررت أنها لم تعد ترى التقسيم ممكناً وعملياً، وأنها تقترح الآن وضع فلسطين مؤقتاً تحت الوصاية الدولية.. وأما القضية فإنها ترى إعادتها إلى الأمم المتحدة.. وتبعاً لذلك فهي تقترح دعوة الفريقين إلى هدنة لتمكين الأمم المتحدة من معالجة القضية الفلسطينية على أسس جديدة، وقد كان ذلك من أمريكا في اليوم التاسع عشر من شهر فبراير عام 1948م..
وفى اليوم الخامس من شهر مارس عام 1948م، قرر مجلس الأمن دعوة أعضائه الخمسة الدائمين للتشاور وتقديم توصياتهم لمجلس الأمن بكامل هيئته في ظرف عشرة أيام.. وعاد المجلس، فقرر، في اليوم الأول من شهر أبريل، دعوة الهيئة العربية العليا، والوكالة اليهودية، إلى إيفاد مندوبين عنهما إلى المجلس لتنظيم عقد هدنة بينهما كما طلب من قوات الفريقين إيقاف أعمال العنف فوراً..
ثم انصرف المجلس للنظر في توصيات أعضائه الخمسة الدائمين فقرر، بناء عليها، دعوة الجمعية العامة إلى جلسة استثنائية لإجراء دراسات أخرى فيما يخص مستقبل الحكم في فلسطين..
وفى اليوم السادس عشر من شهر أبريل، انعقد شمل الجمعية العامة بنيويورك في دورة استثنائية استمرت حتى اليوم الرابع عشر من شهر مايو، وقد كان يبدو أن أمريكا قد انصرفت عن مشروع التقسيم لاستحالة تنفيذه، واستبداله مؤقتا بفكرة الوصاية الدولية، وأغلب الظن أنها كانت تتظاهر بذلك لتستطيع فرض الهدنة على العرب وتوقف أعمال العنف.. وكانت بريطانيا، وهي دولة الانتداب، تعين شريكتها أمريكا في هذه المحاولة بنفوذها في فلسطين، وبنفوذها على الجامعة العربية.. وقد استلم اليهود في هذه الأثناء المراكز الاستراتيجية، وتسلحوا، واستعدوا لفرض وجودهم بقوة السلاح..
وفى السابع عشر من شهر أبريل اتخذ مجلس الأمن ((قراراً بدعوة جميع المنظمات والأشخاص في فلسطين إلى وقف أعمال العنف والإرهاب والتدمير والحيلولة دون وصول مسلحين، وقوات غير نظامية إلى البلاد، ووقف استيراد الأسلحة، والتوقف عن أيِّ نشاط سياسي حتى تتم إعادة النظر في مستقبل البلاد السياسي، والتعاون مع السلطات البريطانية المنتدبة في الحفاظ على القانون، والنظام، وفى تمكينها من أداء الخدمات اللازمة للآهلين في البلاد))..
وفى اليوم الثالث والعشرين من نفس الشهر، أتخذ المجلس قراراً بتأليف لجنة للهدنة بفلسطين تضم قناصل الدول الأعضاء في المجلس، على أن يكون مركزها في القدس، وقد اعتذرت سوريا، وكانت يومئذ عضوا بالمجلس، عن القيام بهذه المهمة.. وطلب من هذه اللجنة أن تقدم تقريراً لرئيس المجلس في غضون أربعة أيام..
وفى اليوم السادس والعشرين من نفس الشهر اتخذت الجمعية العامة قراراً بتكليف مجلس الوصاية أن يتخذ الإجراءات المناسبة، بالتشاور مع حكومة الانتداب، والفرقاء المعنيين، لحماية مدينة القدس، وسكانها، ثم يتقدم بتقرير لمجلس الأمن، في أقرب فرصة ممكنة..
ثم حل اليوم الرابع عشر من شهر مايو عام 1948م، فأنهت فيه بريطانيا انتدابها على فلسطين، وأعلنت فيه دولة إسرائيل قيامها رسمياً، واختتمت الجمعية العامة دورتها الاستثنائية، وأعلنت الولايات المتحدة على لسان رئيسها ترومان، اعترافها بقيام دولة إسرائيل على الجزء الذي يخصها، حسب قرار التقسيم، من أرض فلسطين.. وهذ المبادرة بالاعتراف بدولة إسرائيل من جانب الولايات المتحدة هي من الدلائل على أن أمريكا لم تكن إلا مراوغة حين ادَّعت أنها تفكر في الإقلاع عن تأييد القرار الذي اتخذ بالتقسيم، واتجهت نحو الوصاية الدولية على فلسطين مؤقتاً.. وأغلب الظن أن غرض المراوغة هو فرض الهدنة بين العرب واليهود، كما قلنا آنفاً، ثم إتاحة الفرصة لعامل الزمن ليعمل في إعداد اليهود ليقوموا بالدور المطلوب إليهم القيام به في وجه العنف العربي.. وقد كان اليهود منظمين وكانوا مسلحين، ولكنهم ازدادوا بمساعدة بريطانيا، وبمساعدة أمريكا، تنظيماً وتسليحاً، واستعدوا ليوم يفرضون فيه وجودهم بعد جلاء قوات الانتداب..
ومها يكن من الأمر، فإن الجمعية العامة لم تختتم دورتها الاستثنائية تلك، في اليوم الرابع عشر من شهر مايو عام 1948م، إلا بعد أن اتخذت قراراً يقضي بتأكيد الهدنة، وبتعيين وسيط للأمم المتحدة (أسند أمر أختياره إلى لجنة مكونة من الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن) تكون مهمته الأساسية تأمين الخدمات المشتركة في فلسطين، وضمان حماية الأماكن المقدسة، وإيجاد وضع سلمى في البلاد.. وقد وقع اختيار اللجنة المذكورة هذه على الكونت فولكه برنادوت رئيس جمعية الصليب الأحمر السويدى ليتولى دور الوسيط..

الحرب بين العرب واليهود


وفى اليوم التالي، وهو الخامس عشر من شهر مايو عام 1948م، دخلت الجيوش العربية إلى أرض فلسطين، ودارت معارك، ووقع قتال، وكان العرب من أهل المدن التي احتلها اليهود، أو التي تعرضت لخطر احتلالهم ((قد خرجوا منها هائمين على وجوههم ينشدون الأمان في الدول العربية المجاورة، وقد خلفوا كل شئ وراءهم، من الهلع والفزع، بعد أن رأوا ما حاق بإخوانهم من فظائع الصهيونيين، وإرهابهم في أماكن كدير ياسين وصلاح الدين وغيرهما)).. ومن هؤلاء تشكلت جمهرة اللاجئين الذين لا يزالون إلى يوم الناس هذا يهيمون على وجوههم في أرض الله، ويبلغ عددهم المليون بل يزيدون.. ويقطنون الخيام، فكأنهم يمثلون الدور الذي مثله، من قبل، بنو إسرائيل، في تيه سيناء، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولكنهم بلا منٍّ، ولا سلوى، وإنما هم يعيشون على ما تجود به عليهم أريحية دول المنظمة العالمية، تحت إشراف وكالة الإغاثة الدولية..
على كل حال فإن القتال استمر بين الجيوش العربية واليهود، وفى اليوم الثاني والعشرين من شهر مايو اتخذ مجلس الأمن قراراً بدعوة جميع الدول المعنية إلى التوقف عن الأعمال الحربية في ظرف ست وثلاثين ساعة، ولكن أحداً لم يستجب، فعاد المجلس ثانية، واتخذ في التاسع والعشرين قرارا ثانياً بإعلان الهدنة المؤقتة في فلسطين، لمدة أربعة أسابيع ((على أن يراعى في هذه الفترة الحفاظ على الوضع العسكري الراهن عند إعلانها بالنسبة إلى القوات والسلاح.. وأن يقوم الوسيط الدولي، بمساعدة مراقبين يعينون لهذه الغاية، بالإشراف على تطبيق الهدنة واحترام نصوصها، وهدد المجلس بأتخاذ الإجراءات التي ينص عليها الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة))..
فاستجابت إسرائيل والعرب للنداء، وأعلنت الهدنة في اليوم الحادي عشر من شهر يونيو.. وبالطبع قد كانت هذه الهدنة في مصلحة إسرائيل.. فإنها استطاعت في أثنائها، بعد أن عرفت قوة الجيوش العربية المحدقة بها، أن تأخذ للأمر أهبته في حالة عودة القتال من جديد، وليس هناك شك في أنها استطاعت، بمساعدة أصدقائها، أن تسد النقص في سلاحها، رغم الرقابة المفروضة على دخول الأسلحة..
وفى اليوم السابع من يوليو، وقبل انتهاء الهدنة بيومين اثنين، اتخذ مجلس الأمن قراراً جديداً يطلب فيه من الفرقاء المختصين تمديد الهدنة، بصورة مبدئية، إلى أيِّ مدى قد يتم الاتفاق عليه بالتشاور مع الوسيط الدولي، ولكن الدول العربية لم تستجب لهذا القرار، فاستؤنف القتال في اليوم التاسع من يوليو عام 1948م، ولكن الدائرة بدأت تدور على العرب، وتقدمت إسرائيل، وأخذت تحتل عدداً من المناطق الخارجة عن الرقعة التي كانت مخصصة لها حسب قرار التقسيم..

الهـدنة


وفى اليوم الخامس والعشرين من شهر يوليو اجتمع مجلس الأمن، وأصدر قراراً فرض فيه الهدنة بموجب المادة السابعة من الميثاق، وأمر جميع الحكومات والسلطات المعنية، بوقف العمليات الحربية، ووقف إطلاق النار فوراً.. وأعلن المجلس في قراره أنّ رفض الإذعان لهذا الأمر يعتبر خرقاً للسلام، وسيوجب ردعاً فورياً للمعتدي، على مقتضى الإجراءات التي نص عليها الميثاق..
وفى نفس الشهر أصدر المجلس قراراً آخر أبلغه للدول المعنية، وهو ينص على أن كل خرق للهدنة، من قبل الأفراد، أو الجماعات، من نظامية، أو غير نظامية، سيعتبر خرقاً من الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد، أو الجماعات، أو يعملون من أرضها..
وفى اليوم السابع عشر من شهر سبتمبر، وفى الجزء التابع لإسرائيل من مدينة القدس، أطلقت النار على وسيط هيئة الأمم المتحدة الكونت برنادوت، وعلى رئيس المراقبين الفرنسيين العقيد أندريه سيرو فقتلا في الحال، واتخذ المجلس في اليوم التالي قراراً أعرب فيه عن أسفه لهذا الحادث، وانتدب الدكتور رالف بونش ليقوم بأعمال الوسيط.. وكان الدكتور رالف بونش من رجال الأمانة العامة للأمم المتحدة، ولا يزال.. وفى النصف الثاني من شهر أكتوبر استؤنف القتال في منطقة النقب على أثر عدوان من جانب إسرائيل، واستمر إلى فترة، ثم توقف في شهر ديسمبر بعد عدة قرارت اتخذها مجلس الأمن دعا فيها إسرائيل ومصر إلى اصدار الأمر بوقف إطلاق النار، والتوصل إلى اتفاق.. وفى هذا الوقت كانت إسرائيل قد احتلت قسماً كبيراً من الأراضي العربية التي أفردها مشروع التقسيم الأصلي للعرب مثل الجليل الغربي والنقب.. وتمت الهدنة والأمر على ما هو عليه، وقد سوغت إسرائيل هذه الأرض العربية.. فقد جرت مفاوضات الهدنة بين مصر وإسرائيل في رودس، وقد تم توقيع شروطها بينهما في الرابع والعشرين من شهر فبراير عام 1949م، ثم في رأس النافورة، وفى الثالث والعشرين من شهر مارس من تلك السنة، تم التوقيع على شروط الهدنة بين إسرائيل ولبنان، ثم الأردن مع إسرائيل في رودس في اليوم الثالث من أبريل، وقد تمكنت إسرائيل، بموجب اتفاق هذه الهدنة مع الأردن، من الحصول على نحو من أربعمائة كيلو متر مربع من أخصب الأراضي العربية، وأجودها، وتضم فوق ذلك بعض المواقع الاستراتيجية التي كانت تهدد كيان إسرائيل.. ثم في العشرين من يونيو تم التوقيع على شروط الهدنة بين سوريا وإسرائيل، وذلك على الحدود بينهما.. ثم إن مصر تسلمت قطاع غزة، وتحركت الأردن في فلسطين الشرقية، حتى وصلت إلى القدس، وكانت إسرائيل تحتفظ بجزء من هذا الإقليم.. ومن يومئذ رسخت الهدنة إلا قليلا..