لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢٣

((23))


وأشد القوانين انضباطا قوانين الحدود، والقصاص‏.‏‏. وآية انضباطها مقدرتها على التوفيق بين حاجة الفرد، وحاجة الجماعة‏.‏‏. هذه المقدرة عجزت عنها جميع الفلسفات البشرية القديمة، والمعاصرة‏.‏‏.
وأظهر ما يظهر هذا العجز في الفكرة الماركسية‏.‏‏. وهي عندما عجزت عن التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية، وحاجة الجماعة إلى العدالة، اتخذت من عجزها فضيلة، فادّعت أن الجماعة أهم من الفرد، فهزمت بذلك الغاية بالوسيلة‏.‏‏.
وعجز الرأسمالية في هذا المجال ظاهر أيضا‏.‏‏. ويمكن القول بأن إفلاس الحضارة الغربية، الآلية المادية الحاضرة، إنما يرجع إلى انعدام المذهبية التي تملك القدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏.
إن حاجة الفرد، بدون أدنى ريب، إنما هي إلى الحرية الفردية المطلقة‏.‏‏. وفي النظم السياسية التي تقوم عليها الحضارة الغربية الحاضرة، بشقيها، فإن الحرية الفردية المطلقة تعتبر فوضى، وما ذاك إلا لانعدام التربية التي ترتفع بالإنسان فوق مستوى القوانين - ترتفع به إلى مستوى الأخلاق التي هي قمة القوانين‏.‏‏.
الحرية الفردية، عندنا، في الإسلام، على مستويين: الحرية النسبية، وهي أن يفكر الإنسان كما يريد، وأن يقول كما يفكر، وأن يعمل كما يقول، على شرط أن يتحمل مسئولية قوله، وعمله، أمام القانون الدستوري‏.‏‏. والحرية المطلقة، وهي أن يفكر الإنسان كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول على شرط أن يكون فكره، وقوله، وعمله، برا، وخيرا، بالأشياء، والأحياء‏.‏‏. والقانون الدستوري، هو الذي حين يطبق، يحقق، في آن معا، حاجة الفرد، وحاجة الجماعة‏.‏‏. فلا هو يضحي بالفرد لمصلحة الجماعة، ولا هو يضحي بمصلحة الجماعة في سبيل الفرد‏.‏‏.
ولأن المعلم واحد، كما سبق أن قررنا، فإن الأعراف البدائية، الساذجة، البسيطة، التي نشأ عليها المجتمع البشري، حين نشأ، بتقييد القوة الجنسية، وبتقييد شهوة التملك، والتي هي بدايات الحدود عندنا، في الزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، قد كانت دستورية، في معنى التوفيق، بين حاجة الفرد، يومئذ، وحاجة الجماعة‏.‏‏.
لقد كانت عقوبات المخالفة لهذه الأعراف عنيفة، أشد العنف، وأقساه، ولكن هذا العنف، وهذه القسوة، قد كانت حاجة الفرد، في المكان الأول، ذلك لأن الفرد قد كان حيواني النشأة، غليظ القلب، جافي الطبع، ضعيف العقل، لا يكاد عقله يسيطر على نزوته، ورعونة نفسه، فكان غرض هذا العنف به، والقسوة عليه، أن تقوى إرادته فيسيطر على نفسه، ويكبح جماحها‏.‏‏. وبهذا يسلك مسلك البشر، ويتجافى عن مسلك الحيوان‏.‏‏. هذه حاجة الفرد، في المكان الأول، وإن لم يدركها‏.‏‏. ثم إن المجتمع قد كفل له حقه في الأمن، وفي التماسك، في معنى ما كف أفراده عن مخالفات أعرافه، أو كادوا‏.‏‏.