لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢٤

((24))


إن الكبت قد بدأ من يومئذ‏.‏‏. والكبت يعني السيطرة على الشهوة، فلا تعبر عن نفسها في انطلاق بلا قيد، كما يفعل الحيوان‏.‏‏. وإنما تعبر عن نفسها من خلال شريعة الحرام، والحلال‏.‏‏. ويضعف عقل المعاش عن السيطرة على نزوة الشهوة، فيحتاج إلى التقوية وذلك بالتربية، وبالعقوبة، حين تعجز التربية عن بلوغ المرام‏.‏‏.
ولقد جاء التعليم، وجاءت شريعة العبادة، وجاءت شريعة المعاملة، في القرآن، جاءت لتروض الشهوة حتى تسير في مراقي الإنسان، وتتجافي عن دركات الحيوان، قال تعالى: ((أتل ما أوحى إليك من الكتاب، وأقم الصلاة‏.‏‏. إن الصلاة تنهي عن الفحشاء، والمنكر، ولذكر الله أكبر‏.‏‏. والله يعلم ما تصنعون‏.‏))‏.‏‏.
والفحشاء هنا تعني الزنا‏.‏‏. والمنكر يعني كل ما ينكره الشرع، ومن أعلاه القذف - قذف الآخرين بالزنا –
ومن أعلى المنكر أيضا السرقة، وقطع الطريق‏.‏‏. من انتفع بصلاته امتنع عن الفحشاء، والمنكر‏.‏‏. ومن لم ينتفع تعرض للحدود‏.‏‏.
وحد الزنا للمحصن الرجم بالحجارة على رأسه حتى يتهشم‏.‏‏. وللبكر الجلد مائة جلدة..
وحد السرقة اختلاسا، وخفية، قطع اليد اليمنى..
أما حد الحرابة، وهي الخروج على الحاكم، وقطع الطريق، وإخافة السابلة في الطريق العام، خارج المدينة، وقتل النفوس، وأخذ الأموال، فهو درجات: فإن أخاف الطريق، وقتل، ولم يأخذ المال، يقتل‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، وقتل، وأخذ المال، يصلب‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولكنه أخذ المال، يقطع من خلاف - اليد اليمنى والرجل اليسرى‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ المال، ينفى من أرض وطنه، لمدة يقررها القانون ‏.‏‏.
‏ولقد تبدو، لأول وهلة، هذه العقوبات قاسية، وعنيفة، ولكنها ليست كذلك، في حقيقة الأمر، وإنما هي حكيمة، كل الحكمة، حيث وفقت توفيقا تاما، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏.
ويجب أن يكون مفهوما بأن هذه الحدود لا تطبق إلا من أجل إصلاح الفرد، في المكان الأول، ثم إصلاح المجتمع في المكان الثاني، وذلك لأن، في الإسلام، الفرد هو محط نظر الله إلى الوجود- الفرد هو الغاية، وكل شيء عداه هو وسيلته لتكميل نفسه، وتطويرها، وترقيتها في المراقي لتلاقي الله‏.‏‏.
القرآن، والإسلام، وإرسال الرسول، وتشريع التشريع، الغرض منه الإنسان‏.‏‏. المجتمع وسيلة الإنسان‏.‏‏. ولقد رأينا، في أول النشأة، كيف أن الله قد هدى الإنسان لاختراع المجتمع‏.‏‏. ((وأنزلنا إليك الذكر، لتبيّن للناس ما نزل إليهم‏.‏‏. ولعلهم يتفكرون ‏.‏‏.)) لعلهم يتفكرون التفكير المستقيم الذي يخلصهم من جهالة عقل المعاش، ومن قلقه، ومن خوفه، ومن شطارته، ليصلوا إلى عقل المعاد، واتزانه، وشجاعته، وذكائه‏.‏‏.