والخوف، من حيث هو، هـو الأب الشرعي لكل آفات الأخلاق ومعايب السلوك، ولن تتم كمالات الرجولة للرجل وهـو خائف، ولا تتـم كمالات الأنوثـة للأنثى وهي خائفة، في أي مستوى من الخوف، وفي أي لـون من ألوانه، فالكمال في السلامة من الخوف.
ولن يتم تحرير الفرد من جميع صور الخوف الموروث إلا بالعلم.. العلم بدقائق حقيقة البيئة الطبيعية التي عاش، ويعيش فيها، والتي كانت سببا مباشرا لترسيب الخوف في أغوار نفسه، فإن الخوف جهل والجهل لا يحارب إلا بالعلم.. ومن أجل ذلك وجب الاهتمام بإعطاء الفرد صورة كاملة، وصحيحة، عن علاقته بالمجتمع، وعن علاقته بالكون، وهو ما نحن بصدده منذ حين.

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)

menu search

الديباجة

11) فـي الحقيقـة ليـس في الوجـود الحـادث غير الانسان‏.‏‏. وجـود الإنسان وجـود أزلـي أبدي - سرمدي - فهو ينزل المنازل في البعد من الله، وفي القرب‏.‏‏. هو مغترب، وراجع من الاغتراب إلى وطنه، الأصلي، إلى الله في إطلاقه‏.‏‏. وليس لهذا السير نهاية، وإنما هو سير في السـرمد، لأنـه سير إلى المطلـق: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافليـن * إلا الذين آمنوا وعملـوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنـون))‏..‏
خـلق الإنسان في أحسـن تقويـم في الملكـوت عند الله، ثم جـاءه التكليف فعصى أمـر الله بإغـواء إبليـس إياه، فأُبعـد، هـو وزوجـه، وأُبعـد إبليس‏.‏‏. أُبعـدوا إلى أسفل سافلين، وهـو مستوى ذرة غـاز الهايدروجين، ثم ظـل إبليـس في منزلـة أسفل سافلـين لإصـراره على المعصية، والحكمة أن يمثـل النقيـض لأحسن تقويـم، حتى يتحرك البندول بين النقيضيـن، فيكون بذلـك رجـوع الإنسان، مـن اغترابـه في أسفل سافلين، إلى وطنـه، في أحسن تقويم، وإنما كان ذلك لمجيء الإيمان إليه، ولهدايتـه بعمـل الصالحـات، حيـث هـداه الله إلـى التوبـة، والنـدم‏.‏‏. والإيمان وعمــل الصالحات، إنما هـو الإنابة إلى الله‏.‏‏. ولقد أتى على الإنسان دهر دهـير، قبل أن ينزل منزلة العقل، فيكون مذكورا في ملكوت الله - قبل أن يكون مكلفا بشرع الحرام والحلال، ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا!!))‏.‏‏. ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)) ولا تكون ملاقاة الله في الزمان، ولا في المكان، وإنما هي معرفته‏.‏‏. ولقد علّم الله الإنسان، وهو في منزلة العناصر الصماء، عن طريق مباشر، وهو طريق القهر الإرادي للعناصر، وبالعناصر، فكانت نتيجة هذا التعليم الطاعة المطلقة للإرادة الواحدة: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا‏.‏‏.))
ولقد علّم الله الإنسان وهو في منزلة المادة العضوية - الحياة البدائية- وفي مرتبة الحياة العليا، دون الإنسان، عن طريق شبه مباشر وذلك بإرادة الحياة‏.‏‏. ثم سير الله الإنسان - أو قل علّمه - وهو في منزلة الإنسان، عن طريق غير مباشر، وذلك بإرادة الحرية‏..‏ فإرادة الحياة معنى زائد عن حياة العناصر قبل ظهور المادة العضوية‏.‏‏. وإرادة الحرية معنى زائد عن إرادة الحياة، منذ ظهور المادة العضوية‏ - الحياة السفلى‏.‏‏. إرادة الحرية ظهرت بظهور الانسان‏.‏‏. ‏ والاختلاف في جميع المستويات إنما هو اختلاف مقدار.‏‏. الاختلاف بين الإنسان، في ((أحسن تقويم)) فــي الملكــوت، وبين الإنسان في ((أسفل سافلين)) - أدنى مستويات التجسيد في الملك - إنما هو اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع، فان التوحيد يمنع أن يدخل في الوجود اختلاف النوع‏‏.‏‏.

12) بإيجاز نُعَرِّف التعليم بأنه اكتساب الحي للقدرة التي بها يستطيع أن يوائم بين حياته، وبين بيئته‏‏.‏‏. وهذه المقدرة على التواؤم هي مقاس ذكاء الحيوان، سواء أكان في مستوى الحيوات البدائية، أو في مستوى الحيوانات العليا، أو في مستوى الإنسان‏. ‏‏. والمشكلة هي دائما في معرفة ما هي البيئة؟؟ ذلك بأن العنف العنيف الذي لقيناه، منذ نشأة الحياة، من القوى الصماء، التي تذخر بها البيئة، قد رسب في صدورنا الخوف بصورة عميقة، حتى لقد بدت لنا البيئة في صورة المخالب الحمر، والأنياب الزرق‏.‏‏. ولقد كان الخوف على اجتثاث حياتنا صديقا، في أول الطريق، إذ لولاه لما برزت الحياة من الماء، والطين في المكان الأول، ولما برزت العقول من الجسد الحي، في المكان الثاني، ولما تطورت، وترقت، العقول عند العقلاء، في المكان الثالث‏.‏‏. وبترقي العقول أصبحنا ندرك البيئة إدراكا أدق كل حين‏.‏‏. وكلما أدركنا البيئة إدراكا دقيقا، كلما اطمأنت نفوسنا، وانتصرنا على الخوف‏.‏‏.

13) إنما من أجل التواؤم بين حياة الحي البشري، وبين البيئة، نشأ الدين، ونشأ العلم المادي، ونشآ كتوأمين، في وقت واحد، كما سبقت إلى ذلك الإشارة‏.‏‏. ثم نشأ المجتمع، فعمق معنى الدين، وطور العلم المادي‏.‏‏.
ولقد ظلت البشرية، في طول عمرها، تسير على رجلين من روح، ومن مادة‏.‏‏. وهي لم تستغن، في أي وقت من أوقاتها، عن أي رجل من هذين الرجلين‏.‏‏. وكل ما هناك أنها كانت، في سيرها، تقدم رجل الروح تارة، ورجل المادة تارة أخرى‏.‏‏. كما يفعل الإنسان حين يسير على رجليه من يمين وشمال‏.‏‏. والآن فإن البشرية قد قدمت رجل الروح في القرن السابع‏.‏‏. ثم أخذت تتهيأ لتقديم رجل المادة، من ذلك الوقت البعيد‏.‏‏. اليوم العالم مادي‏.‏‏. وحتى المتدينون من يهود، ومن نصارى، ومن مسلمين، ومن غيرهم من الملل، والنحل، إنما يظهرون التدين، ويبطنون المادية‏.‏‏. أسوأ من ذلك، فإن أغلبية المتدينين إنما يتوسلون بالدين، ويستغلونه، للمادة‏!! ولقد تطور، بفضل الله، ثم بفضل الصراع بين الأحياء البشرية، السلاح، من مستوى السلاح الحجري، حتى وصل القنبلة الذرية، على يد علماء العلم المادي التجريبي المعاصرين‏.‏‏. وبمحض الفضل الإلهي، فإن العلم المادي التجريبي قد أعان البشرية على مزيد من التعرف على البيئة التي نعيش فيها، وظللنا، طوال حياتنا الطويلة، نتوق إلى التعرف عليها‏.‏‏. لقد أظهر العلم التجريبي، بانفلاق الذرة، أن المادة، بصورها المتعددة، كلها وحدة‏.‏‏. بل لقد أظهر أن المادة التي نعرفها فيما مضى، ونلمسها، ونحسها بحواسنا، أو ندركها بعقولنا، ليست هناك، وإنما هي طاقة، تدفع، وتجذب، في الفضاء‏.‏‏. ويعرف العلم المادي التجريبي خواص هذه الطاقة، ولكنه يجهل كنهها‏.‏‏. بل إن كنهها لا يدخل في نطاق تجاريبه‏.‏‏. ولا هو يدّعي أنه سيدخل، يوما ما، في نطاق تجاريبه‏.‏‏. وحين تطور العلم التجريبي المادي حتى رد المادة في جميع صورها إلى أصلها الأصيل في الوحدة - في الطاقة - تطور توأمه الدين، حتى لقد وصل بتصعيد التوحيد إلى رد كل المناشط البشرية، والطبيعية، في العوالم المنظورة، وغير المنظورة، إلى أصل واحد‏.‏‏. إن العالم جميعه، ماديه، وروحيه، إنما هو مظهر الله الذي خلقه، وقدره، وسيره‏.‏‏. على ذلك اتفق إنجاز العلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التوحيدي‏.‏‏. بإيجاز فان البيئة التي نعيش فيها اليوم، وظللنا نعيش فيها في عهودنا السحيقة، ونحاول التعرف عليها، بكل وسائل البحث، والتقصي، قد انكشفت اليوم، بفضل الله علينا وعلى الناس‏.‏‏. إنها ليست بيئة مادية كما توهمنا - بمعنى المادة التي نألفها - وإنما هي في الأصل بيئة روحية ذات مظهر مادي‏.‏‏. هي ذات الله متنزلة إلى حياته، ثم متنزلة إلى علمه، ثم متنزلة إلى إرادته، ثم متنزلة إلى قدرته‏.‏‏. فبعلمه الإحاطة، وبإرادته التخصيص، وبقدرته التجسيد‏.‏‏. وبالتجسيد جاء المظهر المادي، بمعنى ما اصطلحنا عليه من معنى المادة‏.‏‏.
فلما فتّت العلم المادي التجريبي المادة، فردها إلى طاقة معروفة الخصائص، مجهولة الكنه، وصلنا إلى الإرادة الإلهية التي قهرت الوجود، وسيرته إلى الله‏.‏‏. إن العلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التجريبي - التوحيدي‏.‏‏. اتحدا اليوم في الدلالة على وحدة الوجود‏.. لقد انفلقت نواة المادة فأحدثت دويا عظيما، وتوشك أن تنفلق نواة الدين وسيُسمع لها دوي أعتى، وأعظم، من ذلك الذي أحدثته الذرة حين انفلقت‏.‏‏.

14) إن البيئة التي نعيش فيها إذن، إنما هي بيئة روحية، ذات مظهر مادي‏.‏‏. وهذه الحقيقة ستحدث ثورة في مناهج التعليم الحاضرة، التي ظهر قصورها، وإليها يرجع فساد الحكم، وقصور الحكام، والمحكومين‏.‏‏. ما هي الروح؟؟ هي الجسد الحي الذي لا يموت!! وفي المرحلة، قبل ظهور الجسد الحي، الذي لا يموت، فإن الروح هي الطرف اللطيف من الجسد الحاضر.. الروح هي العقل المتخلص من أوهام الحواس، ومن أوهام العقل البدائي الساذج‏.‏‏. الروح هي العقل المتحرر من سلطان الرغبة - الهوى‏.‏‏. ونحن لا نصل إلى الروح إلا بالإيمان، وبتهذيب الفكر، ومن أجل ذلك قال النبي الكريم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به‏.‏‏.)) وما جاء به هو الشريعة، والطريقة، والحقيقة‏.‏‏. هذا شرط أول الطريق‏.‏‏.

15) يسمي كارل ماركس اشتراكيته: الاشتراكية العلمية‏.‏‏. في حين يسمي اشتراكية روبرت أوين: الاشتراكية المثالية‏.‏‏. والناس يتحدثون، في الوقت الحاضر، عن العلمية بتأثر كبير برأي كارل ماركس عن اشتراكيته، ولكنهم غير دقيقين في هذه التسمية‏.‏‏. اشتراكية ماركس علمانية، وليست علمية‏.‏‏. وكذلك كل ما يتحدث عنه الناس الآن، إنما هو علماني، وليس علميا‏.‏‏. الفرق بين العلمية، والعلمانية، أن العلمانية علم ناقص‏.‏‏. وتجيء العبارة عنه في القرآن: ((وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون () يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون!!)) سماه، ونفي عنه، أنه علم‏.‏‏. قال ((لا يعلمون)) ثم قال ((يعلمون ظاهرا))‏.‏‏. وهذا الظاهر إنما هو المادة كما تتبادر إلى حواسنا‏.‏‏. العلمانية تتعلق بالحياة الدنيا - الحياة السفلى - حياة الحيوان، وتغفل عن الحياة الأخرى‏.‏‏. الحياة العليا، وهي حياة الإنسان‏.‏‏. كارل ماركس ينكر الغيب، وينكر الحياة الأخرى، وتتعلق اشتراكيته بالسعي في الحياة الدنيا، وفي، ظاهرها، ومن ثمّ فهو علماني، وليس عالما‏.‏‏. العالم هو الذي ينسق بين الحياة الدنيا، والحياة الأخرى، على غرار العبارة النبوية: ((الدنيا مطية الآخرة))‏.‏‏. العالم ذكي، والعلماني شاطر‏.‏‏. والفرق بين الذكي والشاطر أن الذكي يملك ميزان القيمة، ويقيم الوزن بالقسط‏.‏‏. والشاطر لا يملك هذا الميزان، فهو يخبط كحاطب الليل‏.‏‏. الذكي يعرف الوسائل والغايات، وينسق بينها، فلا يصرف، في سبيل الوسيلة، من الجهد، ما ينبغي أن يصرف في تحصيل الغاية‏.‏‏. والشاطر قد يفني حياته في سبيل الوسيلة، لأنه لا يملك التمييز الدقيق بين الوسائل، والغايات‏.‏‏. الدنيا وسيلة الآخرة، فيجب أن تنظم بذكاء، وبعلمية لتتأدّى إلى الغاية المرجوة منها‏.‏‏. ولا يستطيع ذلك العلمانيون وإنما يستطيعه العلماء‏.‏‏.