((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٤

((4))


إن الإنسان المعاصر يرى أن الديمقراطية والاشتراكية، يمثلان معا الحقوق الأساسية له - حق الحياة، وحق الحرية‏.‏‏. ويرى أن الاشتراكية وسيلة لازمة لتحقيق الديمقراطية‏.‏‏. ففي حين أن الديمقراطية هي الحرية السياسية، فإن الاشتراكية هي الحرية الاقتصادية.. فمن غير المعقول أن يطلب إلى الإنسان التنازل عن حريته الديمقراطية لقاء تمتعه بالحقوق التي تكفلها له الاشتراكية، كما تريد الماركسيـة، أو يطلب إليه أن يحقق حريته الديمقراطيـة في ظل نظام اقتصادى تستأثر فيه القلة بالثروة كما تريد له الرأسمالية‏.‏‏.
أما النظام الماركسي فهو نظــام ديكتاتـوري، لا يمارس الديمقراطية أصلا، وإنما يزيّفها، فيسميها دكتاتورية البروليتاريا - العمال والمزارعين - وما هي في الحقيقة إلا ديكتاتورية المثقفـين على العمــال والمزارعــين‏.‏‏.
وأما النظـام الرأسـمإلى الغربـي فإنه يمارس الديمقراطية، ولكنه يتسـم بقصور الممارسة، حيث تسعى القلة الرأسمالية للسيطرة على السلطة، حتى تخدم مصالحها الرأسمالية ضد مصلحة طبقات الشعب الأخرى،‏ فلا تتحقق الديمقراطية مع الرأسمالية‏.‏‏.
وفي أمريكا، أقوى، وأغنى دول العالم، فإن تجربة الديمقرطية النيابية تعتبر فاشلة، إذا ما قورنت بالمرجو منها، وما ذاك إلا لأن القلة التي تتولى السلطة لا تستطيع أن ترتفع فوق أنانيتها، وطمعها، وإثرتها، فهـي تحكم الشعـب لمصلحتها هي، لا لمصلحته هو، وآية ذلك ما جرى في السبعينات من رئيس الجمهورية – ريتشارد نيكسون – فيما سمي بفضيحة ووترقيت‏.‏‏. فقد مارس الرئيس الأمريكي مع كبار موظفي إدارته: مثل جون ميتشل النائب العام، وعن طريق أعوانهـم، عملية تجسس، وسطو على مقر الحزب الديمقراطي، بفندق ووترقيت، وذلك لجمع معلومات عن هذا الحزب لمعركة انتخابات الرئاسة‏.‏‏. فلما كشف أمر النائب العام، وكبار الموظفين المتورطين في العملية، بادرت الإدارة الجمهورية باتهام صحيفة الواشنطن بوست، التي كشفت العملية، بالعمل لحساب الحزب الديمقراطي، ووصفت الاتهامات بالسخف‏.‏‏. ثم أخذت خيوط المؤامرة تتكشف، حيث أثبتت تحقيقات المحكمـة العليا، أن النائب العام، وبعض معاوني الرئيس، قد أعدوا، وأشرفوا على العملية ‏.‏‏. ثم اتُّهم بعض هؤلاء المعاونين بتعطيل العدالة‏.‏‏.
وخاطب الرئيس نيكسون الشعب الأمريكي بأن هناك تقدما ملحوظا نحو كشـف الحقائق حول القضية!! ثم قبل استقالة أعوانه المتورطين معه في القضية‏، ‏‏وخاطب الشعب الأمريكي، مرة أخرى بأن هناك محاولات لإخفـاء الحقيقة عنه هو، وعن الشعب!! وأخــذ تـورط الرئيس يتضـح جليـا مـع استمرار التحقيقات فلما طلبت المحكمة منه الشرائط التي سجلت عليها محادثاته في مكتبه، سلم بعضها وأخفى بعضها‏.‏‏. فلما كشف عن التسجيلات المفقودة وجد أنها مُسحت‏!! فاستقال الرئيس نيكسون، تجنبا للمحاكمة، وخلفــه أحد أعوانـه في البيت الأبيـض - الرئيس جيرالد فورد- فأعلن عفوا عاما عنه‏.‏‏.
وهكذا حاول الرئيس نيكسون ممارسة الكذب، وتضليل الشعب، حتى انكشف أمره، وحوصر، واضطر إلى الاستقالة، من أقوى منصب تنفيذي في العالم‏.‏‏. وقد حاول نائب الرئيس نيكسون، اسيرو اقنيو، الكذب والتضليل للشعب، من قبل، وهو يواجه الاتهام باستغلال النفوذ وسوء استخدام المال العام، أثناء توليه منصب حاكم ولاية (ميريلاند)، حتى انكشف أمره، واضطر إلى الاستقالة، من منصب يعتبر المنصب الثاني في تلك الدولة ‏.. ‏ولقد استطاع أن يتجنب المحاكمة حتى قاضاه أحد مواطني تلك الولاية مؤخرا على تلك المخالفات‏.‏‏.
لقد كان هذا في أمريكا في السبعينات، والآن، وفي الثمانينات، فقـد لاحظ المعلقــون السياسيون أن مناظرات الرئيس ريغان، ومنافسه على الرئاسة، المستر مونديل، قد كانت تتجه نحو المواقف المسرحية، أكثر مما كانت تتجه نحو تنوير الشعب‏.‏‏. وقالوا إن هذه المناظرات ستربـك الشعب أكثر مما تنوره، وتوعيه‏.‏‏. وقالوا إنه لمن الغريب أن يختلف المرشحان حول حقائق تاريخية كل هذا الاختلاف، حتى لكأنما قد حضر أحدهما من كوكب الزهرة، والآخر من كوكب المريخ‏.. ولقد أوردت مجلة الحوادث 2 نوفمبر1984م أن بين السكرتير الصحافي لنائب الرئيس "بوستن" وبين فريق الإعلام الذي يقوم بتغطية حملة "بوستن" أزمة شديده سببها موقـف هذا السكرتير من التصريحات المنافية للحقائق التي يطلقها المرشحون في مناظراتهم التلفزيونية‏.‏‏. فقد استفسر الصحافيـون من السكرتير عن عــدة وقائـع منافيـة للحقيقـة سردها "بوستن" في مناظرته مع منافسته جيرالدين فيرارو‏.‏‏. فكان رد السكرتير: وماذا يهم؟ يمكن الإدلاء بأي شيء في مناظرة تلفزيونية ويستمع إليك 80 مليون مشاهـد‏.‏‏. وإذا ثبت عدم صـدق ذلـك، فمـن سيقرأ التصحيح؟؟ ألفان، أو ربما عشرون ألفا، لا أكثر!! وعلقت صحيفة واشنطن بوست على ذلك بقولها: "لا نذكر في تاريخ الولايات المتحدة أن صدر مثل هذا الاحتقار، والاستهزاء بالشعب الأمريكي!!"..