في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الديـن والتنمية الاجتماعية

التنمية الإقتصادية:


ولكن هل نترك الأسباب ، والتدبير ، والتخطيط ، وإستعمال الآلة ، والأيدي ، في زيادة الإنتاج ؟؟ هل نترك الأسباب التقليدية إتكالاً على هذه الأسباب التي سبق ذكرها ، والتي قد يظنها بعض الناس أسباباً وهمية ؟؟ كلا !! ثم كلا !! وإنما يجب أن ندبر ، وأن نحسن التدبير ، وأن نقدر ، وأن نحسن التقدير ، وأن نخطط بعلم وبإتقان ، وأن ننفذ بقدرة وبإحسان ، وأن نستخدم ، في كل أولئك ، كل وسائل العلم الحديث ، في مجال علم الإقتصاد ، وفي مجال التكنولوجيا ، وفي جميع المجالات التي أخصب بها العلم الحديث حياتنا ، وأن نتطلع ، في هذا الباب ، إلى المزيد من معطيات العلم التجريبي .. ولكن يجب أن تكون عندنا المقدرة ، العلمية ، والفكرية ، على تخطي معطيات العلم التجريبي الحديث ، من إنتاجات هذا العلم ، ومن فلسفة هذا العلم ، إلى ما هو وراءها من الغايات .. بتعبير آخر: يجب أن نستعمل جميع معطيات العلم التجريبي لنجعل الدنيا خير وسيلة إلى الآخرة .. ألم يقل المعصوم: "الدنيا مطية الآخرة" ؟؟ ونحن ، على التحقيق ، لا نستطيع أن نتخطى المادة إلى ما وراء المادة إلا إذا علمنا هذا "العلم" الذي هو ، في حقيقة الأمر ، سبب الرزق .. وإنما من أجل ذلك أسهبنا ، بعض الشئ ، في ذكره بهذه المقدمة ..
سبق أن قررنا أن "التنمية الإقتصادية" هي العمود الفقري "للتنمية الاجتماعية" .. وقررنا أيضاً أن "التنمية الإقتصادية" لا تكون إلا بالإشتراكية .. ولا تتحقق الإشتراكية إلا بالديمقراطية .. فالديمقراطية والإشتراكية جناحان لطائر المجتمع ، ولا ينهض طائر بجناح واحد ..
و لقد فصلنا الحديث عن الإشتراكية العلمية ، وعن الديمقراطية ، في العديد من كتبنا ، وبخاصة في كتابنا: "الرسالة الثانية من الإسلام" ، مما يغني عن الإعادة هنا.

السودان والتنمية الاجتماعية


أول ما نبدأ به هو تقرير الحقيقة الكبرى وهي أن التنمية الاجتماعية في السوادان لن تتم إلا على هدى "العلم" .. ولقد أسلفنا الإشارة إلى أن "العلم" إنما هو العلم بحقيقة البيئة التي نعيش فيها ، وهي بيئة روحية ، ذات مظهر مادي .. والعلم بها إنما هو ثمرة اللقاء ، واللقاح ـ الزواج ـ بين العلم "المادي" التجريبي الذي يعنى بظواهر الأشياء والعلم ”الروحي" التجريبي الذي يعنى بالظواهر ، وبما وراء الظواهر ـ بالمادة وبما وراء المادة ـ وإن كانت عنايته بما وراء المادة أساسية ..
إن طريق السودان إلى "التنمية الاجتماعية" ليس طريق الحضارة الغربية ـ ليس طريق العلم التجريبي وحده .. فإن هذا طريق مقفول ، لأنه أهمل القيمة ـ أهمل الأخلاق ـ ونحن السودانين ، بفضل الله ، ثم بفضل كوننا مسلمين ، وورثة المصحف الكريم ، نستطيع أن نقدم النهج الجديد ، الذي ، بما يملك من القيمة ، يستطيع أن يجعل الإنسان سيد الآلة ، وموجهها ، بدلاً من خادمها ، وتابعها ، كما هي الحالة في الحضارة الغربية اليوم .. قال المعصوم: "الدنيا مطية الآخرة" .. يعني أن الحياة الدنيا وسيلة إلى الحياة العليا .. يعني أن حياة المعدة والجسد وسيلة إلى حياة الفكر والشعور .. وهذا يوجب أن ننظم حياة المعدة والجسد بكل الحذق ، والمهارة ، والعلم ، والمقدرة ، التي تجعلها وسيلة واسلة إلى الغاية المبتغاة منها ، ومن ههنا يدخل "التخطيط الإجتماعي" المرشد بالعلم الحديث ، بكل معطياته ، وبكل مقدراته .. إن هذا التنظيم الرشيد لحياة المعدة والجسد يكون البناء التحتي الذي هو وحده الدعامة للبناء الفوقي ـ حياة الفكر والشعور ـ وبقدر كفاية وكفاءة البناء التحتي ينتج لنا المنهاج التربوي الإسلامي ـ العلم الروحي التجريبي ـ البناء الفوقي ذا الكفاية والإقتدار والكمال ..