وثورة أكتوبر ثورة لم تكتمل بعد .. وإنما هي تقع في مرحلتين .. نفذت منهما المرحلة الأولى ، ولا تزال المرحلة الثانية تنتظر ميقاتها .. المرحلة الأولى من ثورة أكتوبر كانت مرحلة العاطفة المتسامية ، التي جمعت الشعب على إرادة التغيير ، وكراهية الفساد ، ولكنها لم تكن تملك ، مع إرادة التغيير ، فكرة التغيير ، حتى تستطيع أن تبني الصلاح ، بعد إزالة الفساد .. من أجل ذلك انفرط عقد الوحدة بعيد إزالة الفساد ، وأمكن للأحزاب السلفية أن تفرق الشعب ، وأن تضلل سعيه ، حتى وأدت أهداف ثورة أكتوبر تحت ركام من الرماد ، مع مضي الزمن .

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

قضايا كوستي

(4) استغلال حرمة المساجد


الشئون الدينية مسئولة، مسئولية قانونية ومسئولية أدبية عن استغلال حرمة المساجد في تشويه أفكارنا والتشويش عليها بواسطة وعاظها وأئمتها الذين لا يفهمون عنها شيئا، بل في الحق لا يستطيعون أن يفهموا عنها شيئا، لماذا؟ لأنهم يجهلون الدين، ولا يعرفون عن ثقافة الدنيا ما يكفي، الا ما يتعلق منها برواتبهم وترقياتهم، فحيثما وجدتهم تجسدت لك الدنيا بأنيابها الزرق ومخالبها الحمر... هذا الصنف من الناس على ما هو عليه من ضعف في مستوي التحصيل العلمي، تجده مفتقرا في ذات الوقت للثقافة العامة افتقارا تاما، فكيف اذن ننتظر من قبيل هذا وصفه أن يحسن قيادة الشعب ويحسن ترشيده وتوجيهه وتربيته؟ أليس عندنا مؤكدا ان فاقد الشيء لا يعطيه؟؟ بلي ان فاقد الشيء لا يعطيه، وعليه فإن الشئون الدينية ذاتها تنطبق عليها مواصفات موظفيها في عدم الكفاءة وعدم المسئولية، والا فكيف جاز لها ان تطلق ألسنة هؤلاء الجهلة يستغلون حرمة المساجد وامكانيات الدولة في التشويه والتشهير والاثارة؟ ثم كيف جاز لها كما سبقت الاشارة ان تشتري كتابا فاجرا بأموال الشعب، ثم تعمل على توزيعه وبيعه في بيوت الله التي اذن أن ترفع ويذكر فيها أسمه لتكون منارة للهدي والعرفان، لا بيوتا للشقاق والنفاق والبهتان، كما هي حالتها اليوم، أقال الله عثارها ورد غربتها ومكنها من رسالتها لتكون مأوي للصالحين الراغبين في الله الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، فهي لا بد سائرة الى هؤلاء أليس الله تعالي هو القائل ((ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين)) هذا وعد غير مكذوب وهو لا بد كائن، حيث يجعل الله عاليها سافلها على نحو ما جاء في وعيده للذين يحتكرون مساجد الله من دونه، فقد قال، وهو أصدق القائلين: ((ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها أسمه وسعي في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم))
ولكي نكون محددين أكثر، فلا بد من أيراد بعض الأمثلة التي تؤكد استغلال الأئمة والوعاظ لحرمة المساجد في التشويه والتشويش والاثارة لتعين الشعب على التصور الضروري لأبعاد هذه القضية التي نقيمها أمام حضرته ليحكم على الشئون الدينية، باستغلال النفوذ ضد طائفة من المواطنين وحرمانها من التمتع بحقها الدستوري في تعمير رسالة المسجد، وذلك بسبب من عدم كفاءتها وتقصيرها وسوء ادارتها مما جعل ويجعل المساجد مطمعا ومغنما لمرضى القلوب وضعاف العقول.

مساجد كوستي:


أثار عدد من أئمة المساجد بكوستي وعلى اتفاق بينهم، هجوما عنيفا جائرا على الفكرة الجمهورية وعلى شخص الأستاذ محمود محمد طه، وعلى الجمهوريين وقد تزعم هذه الفتنة الشيخ سعد الدين محمد سالمين، الذي خطب في جامع حي النصر بعد صلاة جمعة يوم 26/10/1973، وفي جامعي الأحمدين ((والديك أبوحبل)) في يوم الجمعة 2/11/1973 من بعد صلاة الجمعة في الأول ومن بعد صلاة المغرب في الثاني، كما تحدث في الجامع الكبير يوم 9/11/1973
وكان في كل تلك الأحاديث، داعية شؤم وفتنة وتحريض على الجمهوريين، وقد اشتهرت أحاديثه في تلك المساجد برواية حديث شريف يقول فيه صلى الله عليه وسلم ((سيخرج في آخر الزمان شباب حدثاء الاسنان، سفهاء الاحلام يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون، ويقولون من قول خير البرية، ويقرأون القرآن ولا يتجاوز حناجرهم فاذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)) أو كما قال... وقد صرح للمصلين مرات بأن هذا الحديث يعني الجمهوريين وانهم هم الفئة الضالة موضوع الحديث، كرر ذلك في خطبته الواحدة، كما كرره في عدد من أحاديثه، كما كني ولمح وأشار بما يفيد افادات واضحة أنه يعني الجمهوريين، فأثار بفعله الطائش هذا حفائظ بعض السذج من المواطنين للعنف بالجمهوريين، مما أوقع بهم في مخالفات القانون ومخالفات الأخلاق، مما سيرد تفصيله في غير هذا المكان من هذا الكتاب.. ولكن لا بد هنا من الاشارة الى أن سالمين بفعله الطائش هذا قد عرض الأمن العام للخطر وعلى نحو كان يمكن ان يعرض الأرواح للخطر، لولا لطف الله وعنايته بنا نحن الجمهوريين وبهذا البلد، المنكوب بأدعياء الدين..
مارس سالمين عمله هذا في تشنج واضح وعلى نطاق مساجد المدينة، فأثار وأغري ببعض المواطنين فلجأوا الى أساليب من العنف كانت غريبة على أخلاق هذا الشعب من غير أن يراعوا حرمة للمساجد التي مارسوا فيها هذا الفعل، حصل كل ذلك والبلد كلها تكاد تكون محيطة بالموقف ومتابعة للأحداث، ولكن مكتب الشئون الدينية لم يحرك ساكنا وكأن الأمر لا يعنيه، وكأن حرمة المساجد وسلامتها لا تدخل في دائرة اختصاصه، ما دام قد وجد بغيته في استغلالها واستخدامها ضد الجمهوريين! الاتهام على الشئون الدينية قائم، ونحن لا نلقي القول جزافا، وسيري القاريء الحقائق واضحة ومقنعة، فإلي ذلك الحين نكتفي بهذا الأنموذج عن كوستي..

ودمدني:


وفي مدني استغلت حرمة المساجد على نفس النحو الذي جرى في كوستي، ولكن في هذه المرة دخل مكتب الشئون الدينية في الصورة أكثر، حيث أن مثير الشغب وداعية الفتنة من أبرز وجوه المكتب بالمدينة، ومقدمهم في المناسبات المختلفة بالمدينة وضواحيها.. ذلكم هو الشيخ حسن عبد العزيز حمومة الواعظ بالشئون الدينية، وأحد المسئولين في ادارة أعمالها بمكتبها بالمدينة... كما أنه يتولي امامة مسجد الأمين عبد المجيد بدردق..
وفي يوم 1/2/1974 وفي خطبة الجمعة بالمسجد المشار اليه بدردق، وأمام مئات المصلين تحدث الشيخ حسن عبد العزيز عن زواج عقده الجمهوريون بحي مايو بدردق، قال الشيخ واعظ الشئون الدينية مخاطبا جمهور المصلين، ومعرفا لهم بأنه قد جرى زواج في هذا الحي، لم يقم فيه العقد على كتاب الله وسنة رسول الله وانما قام على شريعة نبي آخر الزمان! وعليه فإن ذلك العقد باطل وان الزواج الذي قام عليه زنا، وان الأولاد الذين يجيئون عنه أبناء سفاح، ثم ذهب يثير حمية الجاهلية في المصلين بفاحش من القول وساقط من الحديث، مما كان يمكن أن يعرض الأمن العام للخطر، لولا رحمة من الله سبقت.. ومن جانبنا، لم نعجب لصدور هذا الحديث من الشيخ حسن عبد العزيز فقد خبرناه دائما وفي كل المجالات مأفونا في الرأي سطحيا في التفكير، خاليا من الثقافة العامة، ثم هو بعد ذلك كله، متعد ومتهجم في غير ورع ولا حذر، شأنه شأن الجهل النشيط في كل مكان..
وبينة الأمر في هذه الفتنة التي أثارها أن عقد زواجنا الذي تحدث عنه، هو أكمل عقد زواج يمكن أن يتم على أساس الشريعة الاسلامية المطهرة، حيث قامت فيه أركان الزواج الأربعة (1) المهر (2) الولي (3) الشاهدان (4) خلو المحل.. ثم قد جرى فيه تفويض من الزوج لزوجته في عصمتها، لتكون صاحبة حق في تطليق نفسها منه، بعد شرط دخول الحكمين المشار اليهما في قوله تعالي ((وان خفتم شقاق بينهما فأبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا))
هذا العمل في التفويض وما اليه من دخول الحكمين شريعة وقضاء معمول به اليوم في هذا البلد، ثم جرى أيضا في عقدنا المشار اليه اقرار من الزوج لزوجته، الا يعدد عليها الا لضرورة ملجئة كأن تكون عقيما أو مريضة مرضا لا ينتظر الشفاء منه، ثم هو أي التعدد لا يتم حتى في هذه الحدود الضيقة الا بعد موافقة الزوجة.. وهذا ايضا شريعة وقد قام عليه مذهب الحنابلة، كما ندب السادة المالكية الوفاء به ((انظر فقه المذاهب الأربعة المجلد الرابع صفحة 87)).
وعليه فإن جهل الشيخ حسن عبد العزيز بالشريعة يجب أن يوضع عند عتبته هو، فإن الدين منه براء.. ولولا خوف الاطالة لفصلت في أمر زواجنا أكثر، لا سيما ما تعلق منه بالتفويض وشرط الحكمين، وشرط عدم التعدد، ولكني سأتركه عند هذا الحد لأعود اليه في هذا الكتاب مرة أخري حين الحديث عن عريضة كوستي..
هذه واحدة من واعظ الشئون الدينية وامام مسجد من مساجدها، دلت على أن هؤلاء القوم يجهلون ما يعرف من الشريعة بالضرورة، ثم هم بعد ذلك يملأون الدنيا ضجيجا وهوسا..
والثانية أنه في يوم الأحد 23/6/1974 ومن بعد صلاة المغرب بجامع البوشي، خطب المصلين الشيخ حسن عبد العزيز واعظ الشئون الدينية، مهاجما الجمهوريين، ومعاتبا المصلين على تقصيرهم عن واجب حماية الدين، وذلك بتركهم الجمهوريين الكفار يقيمون المعارض، ويجمعون الناس حولهم، ثم أردف منفرا ومثيرا، أنتم بفعلكم هذا قد فقدتم غيرتكم على الدين، والا لما قام بينكم مثل هذا المعرض، ثم تعجب كيف يغيرون على نسائهم، حتى أن الواحد منهم ليقتل الرجل في الحال لو وجده مع زوجته! فكيف بهم يتباطأون عن الغيرة على دين الله؟
وشاء الله أن يكون اثنان من أخواننا قد شهدا صلاة المغرب بالمسجد، وهما الشقيقان عصام الدين وعارف عبدالرحمن أحمد، فنهض منهما الأخ عصام في شجاعة المؤمن بحقه ليصحح الموقف ويهديء خواطر المصلين مما لحقها من هذه الفتنة العمياء التي أثارها واعظ الشئون الدينية جهلا وغباء، ولكن هجمت عليه في الحال جماعة من المصلين قبل أن يقول شيئا أو يبلغ ما يريد، ثم أعتدت عليه بالضرب ومزقت ملابسه حتى بقي على أسمال، كما ألحقت الأذي بأخيه عارف الذي حاول أن يحول بينه وبينهم... وحصل كل ذلك بوجود نذير الشؤم وداعية الفتنة حسن عبد العزيز واعظ الشئون الدينية، الذي لم يحرك ساكنا ليدفع عنهما أو ليوجه المعتدين لما هو أهدي سبيلا وانما ذهب مذهب من يتلذذ بنار الفتنة التي أشعلها!!
ونكتفي بهذين المثلين عن مدني لادانة الشئون الدينية عامة وادارتها بمدني خاصة حيث كانت على علم بما حدث، ثم هي لم تحرك ساكنا كأن الأمر لا يعنيها... أليس من المؤسف حقا أن تستخف الشئون الدينية بعقول المواطنين وأعراضهم فتقيم عليهم أمثال حسن عبد العزيز مرشدين دينيين! فيا ضيعة الدين! ويا ضيعة الحق ويا ضيعة الأخلاق بهذا البلد المنكوب الذي طففت فيه موازين القيم، فارتفع خفاف الأحلام ممن لا خلاق لهم يحدثون الناس عن الدين، ولكن لا ضير فإن الصبح قريب، ألم يبشرنا المعصوم صلى الله عليه وسلم حين قال ((إذا وكلت الأمور الى غير أهلها فانتظر الساعة))
ولفائدة القراء أسجل هنا بأني مع جماعة من الأخوان الجمهوريين، هم جلال الدين الهادي، والباقر الفضل، وعبد الرحمن أحمد وعز الدين ميرغني قد ذهبنا لمقابلة الشيخ حسن عبد العزيز بمنزله بدردق حوالي خمس مرات، وشاء الله الا نجده في كل تلك المرات بالمنزل، وبعد المحاولة الأخيرة ونحن في طريق عودتنا منه، التقينا به في الطريق، فنزلت أنا والأخ عز الدين من العربة التي كنا عليها، وبعد السلام والسؤال عن الأحوال، عرفته عن مسعانا المتصل للالتقاء به في اليومين الماضيين، ثم قلت له، يبلغنا عنك دائما انك تدخل في أعراضنا، وتنسب الينا أقوالا لم نقل بها مطلقا، وعندنا أن السبب في ذلك يرجع الى أنك تأخذ بيناتك من الشارع ثم تعارضنا على أساسها، كما أنك لا تقرأ كتبنا ولا تلتقي بنا لتستمع الينا حتى تكون على واضحة من أمرنا... وعليه فنحن من أجل استنقاذ أعراضنا وصونها ومن أجل اعانته لكي لا يقع فيها، اقترحنا عليه أن يجتمع بنا ليسمع منا ويتبين نزولا عند قول الله تعالي ((يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) فوافق على مبدأ اللقاء وطلبت اليه أن يحدد لنا موعدا، فاعتذر بمشغولياته الكثيرة اليومية بعد صلاة المغرب، والدرس بعدها في مناطق مختلفة بالمدينة، فاقترحت عليه أن نزوره غدا الساعة العاشرة مساء وبعد أن يفرغ من أعماله، فأعتذر أيضا بأن ذلك الوقت غير مناسب، فوافقته، ثم اقترحت عليه صونا للوقت ان نجتمع عنده في تناول الغداء، ثم ننصرف بعدها الى ما نحن بسبيله من الحديث، فصمت وقتا، فعدلت اقتراحي لأخرجه من حرج دعوتنا بمنزله، فقلت له انني أري ان منزل أخينا عزالدين ميرغني، مجاور له، ثم هو مناسب من كل الوجوه لنلتقي عنده في وجبة الغداء، ثم نبحث أمرنا، فوافق الشيخ ولكنه طلب أن يترك له تحديد الموعد مع عز الدين، فوافقت متمنيا أن يتم سريعا..
ومنذ ذلك اليوم والي الآن، وقد انسلخ من عمر الوقت ما يزيد على السنتين، ولم يتمكن الشيخ حسن، من الوفاء بوعده، لكنه برغم ذلك كله تمكن من أكل أعراضنا في مناسبة وفي غير مناسبة، وعلى نحو ما رأيتم في النموذجين أعلاه.

مدينة بورتسودان:


وفي مدينة بورتسودان، فقد قاد مكتب الشئون الدينية الحملة الجائرة على الدعوة الاسلامية الجديدة، وذهب في إلهاب حماس الناس واثارتهم، مما شكل حالة من حالات الاخلال بالأمن، ابان زيارة الأستاذ محمود محمد طه لمدينة بورتسودان، في مايو 1974، وعلى وجه التحديد في يومي الاثنين والثلاثاء 27، 28، من مايو 1974 قدم الاستاذ محمود محمد طه محاضرتين: الأولي بنادي المريخ، والثانية بنادي موظفي وعمال السكة حديد.. وقد شهدت المحاضرتين حشود ضخمة، من المواطنين، بينها مجموعات نقلت على البصات وعلى اللواري، لأمكنة المحاضرات خصيصا للتهريج، والشغب ومحاولة الارهاب في مكان المحاضرة، ولولا لطف الله، لوقع ما لا تحمد عقباه، وعلى أثر التدبير المنظم لاثارة الفتن، وازعاج الأمن، أستدعى السيد بلة عمر حامد، قمندان البوليس، السادة فتح الرحمن عمر، مساعد المحافظ للشئون الدينية وعبد الله الأمين، نائب مساعد المحافظ للشئون الدينية، وخلف الله كرم الله، أمام جامع الشايقية بديم كوريا، فأبدى لهم ملاحظاته عن الحشود، وعن ترحيلهم، المنظم، من أماكن بعيدة، ليس بغرض الاستماع لمحاضرات الأستاذ محمود محمد طه... وانما بغرض استغلالها للتهريج، والشغب، مما يجعل حالة الاخلال بالأمن ممكنة، في كل وقت، ثم حذرهم وحملهم مسئولية ما سيحدث في محاضرة الأربعاء 29/5/74 والتي كان مقررا أن تقوم بنادي الوحدة بديم كوريا... وعلى هذا، فقد لا يكون مستغربا أن يخرج أحد أئمة الشئون الدينية، على القانون، او يعرض الأمن العام للخطر، لأنهم في مجموعتهم لا يتصورون لأعراض الناس حرمة ترعي، وانهم يجهلون الحقوق الأساسية الواجبة للأفراد، ثم انهم لا يقدرون خطورة جهلهم بالقانون، وما قد يترتب عليه من الاخلال بالأمن، أو بأعراض الآخرين.
هذا في حق عموم الأئمة، والوعاظ، ليس بمستغرب لتواتر وقوعه منهم، كما سبقت الاشارات، ولكنه يجب أن يكون مستغربا أشد الاستغراب ومنكرا أشد النكر حين يصدر من كبارهم مثل مساعد المحافظ للشئون الدينية، ونائبه.
وبهذه المناسبة، فقد اتفق لي مع الأخ جلال الدين الهادي، مقابلة سريعة للسيد كرم الله العوض، محافظ البحر الأحمر، فحثناه عن استغلال جماعة الشئون الدينية، بمديريته، لنفوذهم في محاربة الدعوة الاسلامية الجديدة، حتى أصبحوا يشكلون خطورة على الأمن، بما ألحقوه بأعراضنا من الأذى، والتجريح، مما يمكن أن يغري بنا في أي وقت ضعاف النفوس، كما أكدنا له بأننا لا نمانع أن يعارضونا، لأن دأبنا الذي اشتهرنا به بين المواطنين، هو سعينا لالتماس المعرضة في كل مكان، بما يمكّن من تقديم وتوضيح فكرتنا للناس، على مختلف مستوياتهم حتى تعود واضحة ومفهومة.. هذا هو حالنا، وعليه فإننا نمانع أشد الممانعة، ان تستغل المساجد ضدنا ثم تقفل في وجوهنا، على نحو ما هو جار اليوم.. وعليه، فإننا نطالب بتصحيح هذا الموقف الخاطيء، فتزول حالة التوتر المفتعلة، القائمة اليوم، والتي ليس لها ما يبررها، لو أصبحت الفرص بيننا متكافئة.
استمع لنا السيد المحافظ، في اهتمام واضح، وبحضور السيد بلة عمر حامد، قمندان البوليس الذي كان هذا اللقاء بمكتبه.. هذا وقد أفاد السيد القمندان، بأنه شخصيا شهد وقوع مخالفات، في جانب الأمن، استهدفت الجمهوريين في بعض المساجد، وانه لا سبيل للتدخل لايقافها من جانب البوليس، ذلك أن لجنة أمن المديرية، قد جعلت مسئولية الأمن داخل المساجد من اختصاص الشئون الدينية!! فدهشنا وتسآلنا: كيف توضع مسئولية حساسة كمسئولية الأمن على جهاز، لا يعرف أبعادها، ولا يقدر خطورتها؟ ثم هو اول من يخرج عليها ويتعدي حدودها! وهنا طلب من السيد المحافظ امهاله، حتى يعود من ماموريته، بالخرطوم، ليبحث معنا هذا الأمر.. ثم ينظر ماذا يفعل، وودعنا وانصرف.
هذا وقد رأينا أن نستفيد من الوقت، وأن نبدأ عملا من جانبنا نستهدف به تصحيح الموقف، فقررنا دعوة الفقهاء، والوعاظ، وأئمة المساجد للالتقاء بالأستاذ محمود محمد طه في ندوة خاصة بهم، فتوجهنا إليهم بهذه الدعوة: -

حضرة السيد/
تحية طيبة وبعد،
يسر الأخوان الجمهوريين، دعوة سيادتكم، للاجتماع بالأستاذ محمود محمد طه في ندوة خصصت للفقهاء، والوعاظ، وأئمة المساجد، بهذه المدينة، بمنزل الأخ خيري أحمد خيري، بحي العظمة غرب الساحة الشعبية مساء الأحد الموافق 26/5/74 وفي تمام الساعة الثامنة، وذلك من أجل تصحيح الفهم الخاطيء الذي يذيعه عنا هذه الأيام، وحتي اليوم، الفقهاء والوعاظ، وأئمة المساجد، من غير أن يتبينوا حقيقة ما نقول أو حقيقة ما ندعو اليه، ثم بعد ذلك نلتقي على بينة من الأمر، أو نفترق على واضحة منه، والله المسئول ان يهدينا وأن يهدي بنا الى سواء السبيل
سعيد شايب
ع/الدعوة الاسلامية الجديدة


وبكل أسف فإن أحدا من هؤلاء المدعوين، لم يستجب لهذه الدعوة، التي كان يمكن أن توفر عليهم كثيرا، لو كانوا يطلبون في معارضتهم وجه الله، وذلك بما تتيحه من فرص التبيين لهذا الأمر، الذي يعارضونه، على غير هدى، أو بينة. ولكنهم آثروا – وهذا شأنهم دائما – طريق البعد والغواية، خوفا على ذواتهم الفانية من المواجهة العلمية، التي لا يملكون أسبابها.
ألم يسمع هؤلاء، قول الله تعالي: ((وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى، وآتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون)) ثم اين هم من وعيده، تعالي حيث قال جل من قائل: ((يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)).. تركوا هذه الفرصة السانحة، واقبلوا على المحاضرات العامة، ليس طلبا للفائدة، ولكن طلبا للتهريج والاثارة، ولتحريك الجماعات التي حشدوها ظلما وعدوانا يبغون بها الشر، والفتنة والقطيعة، فخرجوا بالمحاضرات من جو الفكر وجنته، الى جحيم الكذب، وهجير النفاق، فسلكوا طريقا مسدودا، آذن ليله بزوال، ويومها سيتبرأ الذين اتبعوا، من الذين اتبعوا، وتتقطع بهم الأسباب.
وبهذه المناسبة يسرني ان أنقل للقراء، هنا ما جرى به قلم الأستاذ محمود محمد طه يوما في ظروف مشابهة، حيث قال: ((أسيت للشعب السوداني، فانه شعب بلا قادة، أو قل انه شعب عملاق، يتصدره أقزام احترفوا السياسة في أخريات حياتهم، بعد ان أفنوا ضرامها في التمسح بأعتاب الأسياد، ولكنه لا ضير فإن الصبح قريب)). وقال أيضا في أول منشور أصدره الحزب الجمهوري 1945م بعنوان: لقد جاءكم نذير – ما يلي مخاطبا زعماء الأحزاب وزعماء الطائفية: -
((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مامون العواقب، كلا، فلتشهدن يوما تجف لهول سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة، اما بعد فهذا نذير بين يدي صاخة تمزق مسامع من أصمه الطمع))
وأخيرا وبعد انتهاء برنامج المحاضرات عاد السيد المحافظ، الى بورتسودان، فكتبنا اليه خطابا شاملا لكل الأحداث، اجتزيء منه في هذا المقام بعض الفقرات حتى يكون القراء على بينة من أمرنا مع الشئون الدينية: -
السيد محافظ مديرية البحر الأحمر
تحية طيبة وبعد
فلقد سبق ان اتصلنا بسيادتكم، قبل سفركم للعاصمة، بخصوص الهجوم المركز والقائم على الاثارة، والتضليل والتشويش على أفكارنا من منابر المساجد المختلفة، ومن قبل الوعاظ المسئولين، بمصلحة الشئون الدينية والأوقاف، وقد جاء اتصالنا بك في هذا الخصوص، مواصلة لاتصالنا بالمسئولين في مرافق الدولة المختلفة في العاصمة، للاستفسار عن موقف الدولة من نشاطنا وعن موقفها من استغلال جماعة الشئون الدينية لأجهزة الدولة ضدنا، وقد أظهروا جميعهم تفهما لطبيعة عمل الجمهوريين، وانه ليس هناك شيء ضدهم، وضد اعطائهم حقهم المشروع في مزاولة نشاطهم... ثم نحن لا نشك أنكم تتابعون النشاط الجم، الذي نقوم به في توعية المواطنين، في أمور دينهم ودنياهم، متخذين في سبيل ذلك الأساليب المشروعة، والوسائل القانونية، وأننا في عملنا هذا نتجه للحوار الموضوعي، ولا نتجه اطلاقا للاثارة والسباب، ونحن دائما، حريصون على اعطاء معارضينا فرصة مناقشة أفكارنا.. وقد رأينا أن معارضينا، يقومون بعمل مركز، وبصورة دائمة في التشويش على أفكارنا، وعرضها بصورة فيها كثير من عدم الأمانة، والنقل المخل.. وقد قمنا بدعوة جماعة الفقهاء والوعاظ، وأئمة المساجد، ليتبينوا حقيقة ما ندعو اليه في جلسة خاصة يلتقون فيها بالأستاذ محمود محمد طه شخصيا... حددنا لها مساء الأحد 26/5/74 فلم يلب الدعوة أي منهم))... ثم يمضي الخطاب في تقديم نماذج، لما جرى بمحاضرة نادي المريخ مساء الأثنين 27/5/74 من اثارة للجماهير، ومحاولة للاخلال بالأمن، باشرها الشيخ خلف الله كرم الله، امام مسجد بكوريا، وأيده في كل ما ذهب اليه، ومن غير تحفظ الشيخ الخواض الشيخ القاضي الشرعي، وقد ذهب الشيخ خلف الله، في التهريج، مذهبا فريدا اتصف بالكذب، والابتذال وسوء الأدب، وسوء الخلق، على نحو من ذلك لا يتصوره الا من شهده، هذا وقد ذكر في هذا الخطاب للسيد المحافظ، ان كل ما جرى في تلك الليلة مسجل على الشريط ومحفوظ..

ثم يواصل الخطاب يقص على السيد المحافظ ما جرى من تحرش، واخلال بالأمن في محاضرة نادي السكة حديد، باشره الشيخ الخواض، القاضي الشرعي، والشيخ عبد الله الأمين، نائب مساعد المحافظ للشئون الدينية، كما ذهب الخطاب بعد ذلك في تقديم نماذج حية، لما جرى من التشويه، والنقل المخل لأفكارنا بمساجد المدينة.. الى أن يقول:
هذه فقط نماذج على سبيل المثال للتشويه والتشويش والاثارة، المبنية، اما على سوء القصد، أو سوء الفهم، الذي يقوم به الوعاظ وأئمة المساجد، بجميع مساجد المدينة، وإنا الآن لنرجو منكم أن تتولوا تصحيح هذا الوضع وأن تواجهوا هذه الفئات التي تدعو للتحريض والفتنة، وتمارس من خلال أجهزة الدولة الرسمية مثل هذه الأعمال غير المسئولة، والمتعلقة بمنع مواطنين جادين في نشر الوعي، من ممارسة حرياتهم التي يكفلها لهم الدستور

ثم يمضي الخطاب الى أن يقول:
نحن نري أن في هذا العمل الذي تقوم به جماعة الوعاظ والفقهاء وأئمة المساجد، ومعهم القاضي الشرعي الخواض، تربية رديئة للمواطنين.. وخروجا صريحا على القانون، وافسادا كبيرا لأخلاق هذا الشعب، الذي اتصف بالتسامح، والعفو، واحترام النظام، ولولا لطف الله وكرم أخلاق هذا الشعب، لأدى عملهم هذا الى كارثة محققة، وفتنة كبيرة.. واننا نرجو من السيد المحافظ، أن يرد الأمور الى نصابها، وان يؤكد لمن عساه يحتاج لتوكيد، أن الدعوة، لأن يأخذ عامة الناس، القانون في أيديهم، لأمر جد خطير، كما نرجو أن نلفت نظر سيادتكم، الى أن الجهات التي كانت ترفع في وجهنا حجة الاخلال بالأمن، وتجعلها مبررا لايقاف نشاطنا مثل ذلك ما اعتمدت عليه جماعة الشئون الدينية، في حمل السلطات على منعنا من مزاولة حقنا الشرعي في المشاركة والاحتفالات بالمولد النبوي الشريف في كل أنحاء القطر، فإنه قد ثبت الآن خطأ دعواها بالدليل العملي، وقد وضح جليا من هو الذي يدعو ويتسبب فعلا في الاخلال بالأمن، ويعمل على الخروج على القانون، ومن هو الذي يلتزم بالقانون، ويحترم النظام.
امضاء
سعيد الطيب شايب
ع/ الأخوان الجمهوريين ببورتسودان
بورتسودان 30/5/74

وبعد مضي وقت ليس بالقصير، وصلنا الخطاب التالي من السيد محافظ البحر الأحمر بتاريخ 11/6/1974م
السيد سعيد الطيب شايب ع/الأخوان الجمهوريين ببورتسودان
أطلعت على شكواكم، بتاريخ 30/5/1974، عن حالات الاثارة، التي حدثت بنادي المريخ، ونادي السكة حديد.. أثناء المحاضرات التي ألقاها السيد/ محمود محمد طه، كما أطلعت على تقرير السيد القمندان، عما حدث خلال هذه المحاضرات.
أرجو أن كانت هناك اتهامات محددة، ضد أي من هؤلاء الأشخاص، أن ترفع لسلطات البوليس للتحقيق بشأنها واتخاذ الاجراءآت القانونية وشكرا
كرم الله العوض
محافظ مديرية البحر الأحمر
بصورة للسيد قمندان البوليس

وقد جرى منا على خطاب سيادته المنشور أعلاه الرد التالي: -
السيد كرم الله العوض
محافظ مديرية البحر الأحمر
تحية طيبة، وبعد
فبالإشارة الى خطابكم نمرة م ب ح/ سري 56/ ب/ 1 مجلد 1 بتاريخ 11/6/1974 في الرد على خطابنا اليكم بتاريخ 30/5/1974 والخاص بالعمل المنظم الذي باشره، مرؤوسوكم من موظفي الشئون الدينية، في اثارة الفتن، داخل المساجد... جاء في خطابكم المشار اليه التوجيه التالي:
((أرجو أن كانت هناك اتهامات محددة، ضد أي من هؤلاء الأشخاص، أن ترفع لسلطات البوليس للتحقيق بشأنها واتخاذ الاجراءآت القانونية))
ووجه الحق أننا نعرف طريقنا للقضاء، ولكننا لم نكن بصدده في خطابنا اليكم، وانما كنا بسبيل التماس مسئوليتكم، في حفظ الأمن، باعتباركم المسئول الأول، عن قضية الأمن بمديرية البحر الأحمر، كما وضعنا بين أيديكم معلومات وافية، عما جرى داخل المساجد، وعن الإثارة التي ترتبت عليها، وعلى الأشخاص الذين باشروا ذلك العمل.. وكنا ننتظر منكم أن تباشروا مسئوليتكم نحو استتباب الأمن، فورا، وأن تمنعوا كل الأسباب التي تؤدي الى انتهاكه، الآن، وفي المستقبل.. لا سيما ورجال الأمن بمديريتكم يحيطون بجملة الموقف... أما أن نُدعى منكم لرفع الأمر للقضاء، كأن الأمر لا يعنيكم، فذلك أمر منكر عندنا أشد النكر ومستغرب أشد الاستغراب... نحن نعلم كما تعلمون ان الشعب يصرف من عرقه على أمانة الشئون الدينية لتكون عونا له على حل مشاكله، لا أن تكون عقبة كأداء أمام تطوره كما هو الحال الآن، وعلى وجه الخصوص في عاصمة مديريتكم... ثم لعل السيد المحافظ يذكر المحادثة التي تمت بينه وبين السيد القمندان بحضورنا يوم 22/5/74 حيث طرقنا معه نفس الموضوع، وحيث أفاده السيد القمندان بوقوع مخالفات داخل المساجد، كما ذكره بقرار لجنة أمن المديرية القاضي بمنع البوليس من مباشرة مسئولياته في حفظ الأمن داخل المساجد، وجعل تلك المسئولية من اختصاص الشئون الدينية!! فعجبنا كيف توضع مسئولية حفظ أمن المواطنين داخل الجوامع على جهاز لا يعرف حدود مسئوليته، ولا يتحملها، بل يعمل ويتآمر على افسادها والاخلال بها.
وعليه فإننا بردنا هذا لسيادتكم انما نطلب منكم اعادة النظر في شكوانا آنفة الذكر، وتصحيح ذلك الوضع الخاطيء بما يحفظ لمسئوليتكم جلالها ووقارها واحترامها وبما يمكن للمواطنين من استقرار الحياة واستتباب أسباب الأمن.
ختاما تكرموا بقبول التحية مع انتظارنا أن نسمع منكم وشكرا.
مقدمه
سعيد الطيب شايب
ع/الأخوان الجمهوريين

رأينا فيما تقدم كيف استغل قادة الشئون الدينية بمدينة بورتسودان نفوذهم ومركزهم الرسمي، فأفسدوا من غير حساب، بما حرضوا علينا وبما جمعوا ضدنا.
وهذا ومن البديهي أن يشجع موقفهم هذا غير المسئول أئمة المساجد والوعاظ الذين طفقوا يستغلون حرمة المساجد للفتنة، بما يلهبون من مشاعر العامة وبما يحرفون به الكلم عن مواضعه ليبتغوا عرض الحياة الدنيا... من السمعة الزائفة والبطولة المدعاة...
وفيما يلي أنموذج لامام مسجد جمع بين سوء الفهم وسوء النية وسوء التخريج، ذلكم هو الشيخ محمد الحسن ابراهيم إمام مسجد مسعود.. قال الشيخ في خطبة الجمعة بتاريخ 24/5/74 في التعريض بنا "محمود يقول ابليس يدخل الجنة" وفي ايراد الموضوع بهذه الصورة ما يدل على سوء الفهم وسوء الغرض، وسوء النقل أيضا.. كما أنه يخل بالمعنى المقصود وراء الحقيقة المطروحة، واليكم فيما يلي النص الذي أخذت منه تلك العبارة التي أوردها هذا الامام لتتبينوا كيف يشوه ويشوش هؤلاء القوم عن سوء فهم حديثنا وعن سوء نية في أكثر الأحيان..
جاء في صفحة 137 من كتاب الأستاذ محمود محمد طه (القرآن ومصطفي محمود والفهم العصري) ما نصه: -
"والذي يجب أن يتقرر، في ختام هذا الفصل، هو أن سعة الرحمة الإلهية: (ورحمتي وسعت كل شئ)، إنما تعني: أن كل مخلوق مرحوم.. وأن كل من دخل النار، بما في ذلك إبليس، لايعذب انتقاما، تعالى الله عن ذلك، وإنما يعذب رحمة، وحكمة.. والحكمة تتجه إلى أن تجعل العذاب فرصة للتعليم.. والعلم، ههنا، هو معرفة الله، ومعرفة الله تطفئ النار الحسية، والنار المعنوية، وتتداعى بصاحبها إلى الجنة.. والخلق، في الخروج من النار، يتفاوتون في الميقات، حتى إذا خرج آخر من يخرج، وهو إبليس، أكلت النار بعضها، وفنيت، وانتهت، وصار الأمر كله إلى الجنة".

هذا ما ورد في كتابنا عن هذا الأمر فما رأي القراء الكرام في هذا الإمام وفيما نسبه الينا؟
ثم مثل آخر لهذا الإمام وهو ينقل في نفس ذلك اليوم عن الاستاذ محمود محمد طه نقلا مخلا اتسم بسوء القصد وسوء الفهم: -
قال الشيخ: "ويقول محمود ويكون الانسان عالما علم الله ومريدا ارادة الله وقادرا قدرة الله ويكون الله" ثم ذهب ليقرر "وبهذا ترون أن محمود كافر ومرتد ومهما بلغ الانسان من مقامات لا يكون الله" هكذا وبكل بساطة يقطعون في هذا الأمر الجلل على غير هدي ولا بينة ولا كتاب منير ليضلوا عن سبيل الله ويبغونها عوجا.
وبينة الأمر أن الأستاذ محمود محمد طه قد قرر في كتابه الرسالة الثانية من الاسلام الطبعة الرابعة صفحتي 90-91 ما نصه: -
"وحين تطلع النفس على سر القدر، وتستيقن أن الله خير محض، تسكن إليه، وترضى به، وتستسلم وتنقاد، فتتحرر عندئذ من الخوف، وتحقق السلام مع نفسها، ومع الأحياء والأشياء، وتنقي خاطرها من الشر، وتعصم لسانها من الهجر، وتقبض يدها عن الفتك، ثم هي لا تلبث أن تحرز وحدة ذاتها، فتصير خيرا محضا، تنشر حلاوة الشمائل في غير تكلف، كما يتضوع الشذا من الزهرة المعطار.
ههنا يسجد القلب، وإلى الأبد، بوصيد أول منازل العبودية. فيومئذ لا يكون العبد مسيرا، وإنما هو مخير. ذلك بأن التسيير قد بلغ به منازل التشريف، فأسلمه إلى حرية الاختيار، فهو قد أطاع الله حتى أطاعه الله، معاوضة لفعله.. فيكون حيا حياة الله، وعالما علم الله، ومريدا إرادة الله، وقادرا قدرة الله، ويكون الله.
وليس لله تعالى صورة فيكونها، ولا نهاية فيبلغها، وإنما يصبح حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين، وذلك بتجديد حياة شعوره وحياة فكره، في كل لحظة، تخلقا بقوله تعالى عن نفسه، ((كل يوم هو في شأن)) والى ذلك تهدف العبادة، وقد أوجزها المعصوم في وصيته حين قال ((تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم)) وقد قال تعالى ((كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون))"

أيضا ما رأي القراء في هذا الامام العجيب الذي قصد أن يضل عن سبيل الله على علم حين وقف عن مواصلة السياق عند عبارة: "ويكون الله" ليقيم الدنيا ويقعدها في الوقت الذي استمر فيه النص ليقول "وليس لله تعالى صورة فيكونها، ولا نهاية فيبلغها، وإنما يصبح حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين.." الى آخر ما جاء في النص سالف الذكر؟!
بهذا الخزي نصل الى ختام فصل الشئون الدينية، الذي كان يمكن أن يستمر أكثر في تقديم النماذج العجيبة مما جرى على ألسنتهم، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالجيد.