((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

اتجاه الجمهوريين العام - وحدة الفكر

اتجاه الجمهوريين العام


في ذلك الوقت وفجر الحركة الوطنية يرسل خطوط ضوئه الأولى وضع سفر الجمهوريين الأول هذا ، يدنا على الخطوط العريضة لاتجاههم فلنتابع الأستماع اليه ، اذا يقول : ((نحن اليوم بسبيل حركة وطنية ، تسير بالبلاد ، في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة ، الى فجر حياة جديد على هدى من الدين الاسلامي وبرشد من الفحولة العربية ، وبسبب من التكوين الشرقي ، ولسنا ندعو ، أول ماندعو ، الى شيء أكثر ، ولا أقل من اعمال الفكر الحر في مانأتي ، وماندع من أمورنا – الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد ويسأل عن قيمة كل شيء ، وفي قيمة كل شيء ، فليس شيء بمفلت عن البحث ، وليس شيء بمفلت من التشكيك فلايظنن أحد أن النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر ، ولايظنن أحد أن النهضة الاقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر ، ولايظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة ممتعة بغير الفكر الحر ..
ان الحزب الجمهوري لايسعى الى الاستقلال كغاية في ذاته ، وانما يطلبه لأنه وسيلة الى الحرية ، وهي التي ستكفل للفرد الجو الحر الذي يساعده على اظهار المواهب الكمينة في صدره ورأسه . ويؤمن الحزب الجمهوري ايمانا لاحد له بالسودان ، ويعتقد أنه سيصبح من الروافد التي تضيف الى ذخر الأنسانية ألوانا شهية من غذاء الروح وغذاء الفكر ، اذا آمن به أبناؤه فلم يضيعوا خصائصه الأصيلة ، ومقوماته ، بالاهطاع نحو الغرب ، ونحو المدنية الغربية في غير روية ولاتفكير .))

وحدة الفكر


فالدعوة الاسلامية الجديدة التي تقوم ، أول ماتقوم ، على الفكر الحر ، والتي يتعلق بها أمل الأنسانية للخلاص من افلاس الحضارة الغربية قد جاءت قوية ، مفجرة لطاقة الفكر ، مذكية لحرارة الوجدان ،منذ اليوم الأول لميلاد الفكرة الجمهورية .. لم يجد فيها جديد ، اللهم الا زيادة تفصيل ، ودقة تبيين .. وانه لمما يدعم هذا التقرير ، الذي نقرره ، ان تقويم الجمهوريين للحضارة الغربية الذي برز في كتبهم الأخيرة ، هو هو ، رأيهم ، وتقويمهم لهذه الحضارة ، منذ نشأتهم فقد جاء في السفر الأول الذي صدر في أكتوبر 1946م ، هذا القول:
(( ورأي هذا الحزب في المدنية الغربية هو أنها محاولة انسانية نحو الكمال ، وهي ، ككل عمل انساني خطير ، مزاج بين الهدى والضلال ، وهي لهذا جمة الخير ، جمة الشر .. وشرها أكبر من خيرها وهي كذلك بوجه خاص على الشرقي الذي يصرفه بهرجها ، وبريقها ، وزيفها عن مجال الخير فيها ، ومظان الرشد منها .. ويرى هذا الحزب أننا ماينبغي أن نتقي هذه المدنية بكل سبيل كما يريد المتزمتون من أبناء الشرق ، ولاينبغي أن نروّج لها بكل سبيل ونعتنقها كما يريد بعض المفتونين المتطرفين من أبناء الشرق .. وانما ينبغي أن نتدبرها وأن ندرسها وأن نتمثل الصالح منها . وهذه المدنية تضل وتخطيء من حيث تنعدم فيها معايير القيم ، وتنحط فيها اعتبارات الأفكار المجردة ، فليس شيء لديها يبلغ فتيلا ، اذا لم يكن ذا نفع مادي يخضع لنظام العدد والرصد فهي مدنية مادية ، صناعية آلية ، وقد أعلنت افلاسها وعجزها عن اسعاد الأنسان لأنها كفرت بالله وبالانسان . ويعتقد الحزب الجمهوري ان الشرق عامة والسودان خاصة يمكنهما أن يضيفا عنصرا الى المدنية الغربية هي في أمس الحاجة اليه ، وذلك هو العنصر الروحي)) .. أليس هو ، يكاد يكون بحروفه ، نفس ماورد في رسالة الصلاة الصادر عام 1966م ، اذا يقول : ((على ان الاسلام لايمكن أن يتحقق بغير مدنية جديدة أو قل روح مدنية جديدة ينفخ في هيكل المدنية الغربية الآلية الحاضرة فيوجهها وجهة جديدة ويعطيها قيما جديدة)) ((ان المدنية الغربية الآلية الحاضرة عملة ذات وجهين : وجه حسن مشرق الحسن ، ووجه دميم . فأما وجهها الحسن فهو اقتدارها في ميدان الكشوف العلمية ، حيث أخذت تطّوع القوى المادية لاخصاب الحياة البشرية ، وتستخدم الآلة لعون الانسان . وأما وجهها الدميم فهو عجزها عن السعي الرشيد الى تحقيق السلام))
وجاء عن المدنية الغربية في كتاب الرسالة الثانية من الاسلام الصادر عام 1967م مايلي : ((وهذه المدنية الغربية الآلية الحاضرة فقد بلغت نهاية تطورها ، وقد فشلت فشلا نهائيا وظاهرا في أن تنظم حياة المجتمع البشري المعاصر)) ((وسبب فشل المدنية الغربية الآلية الحاضرة في تنظيم المجتمع الحاضر هو أنها بلغت نهاية تطورها المادي الصرف في هذه المرحلة الحاسمة من مراحل تحولات المجتمع البشري المعاصر ، وأصبحت تفتقر الى عنصر جديد تشفع به عنصرها القديم وتلقحه به وتزيد بذلك من طاقتها على التطور ومن مقدرتها على مواكبة وتوجيه حيوية المجتمع الحديث .))