في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
لقاء الأستاذ محمود محمد طه
بمندوبي معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية

منزل الأستاذ محمود بالمهدية - الحارة الأولى
22 نوفمبر 1975

الجزء السادس

س: في أشياء أنت مريت فيها شوية سريع ونحن عايزين فيها وقفات شوية لو سمحت.. الجزء الأول مسألة السجن، عدد من الناس بيفتكروا، يمكن أنا منهم، أنها كانت فترة بتاعة ملء فراغ الفكر برضو.. أنا خاتي أسئلتي كالآتي:
ما هو موقف الحزب الجمهوري من:
أ- الاستعمار - اللهي الفترة الحصل فيها الصراع بينكم وبين الاستعمار.. بعدين حتى حادثة رفاعة أنا في رأيي هي تعبير عن شيء معين بعد الصورة بتاعت.. يعنى مش الحادثة بتاعة الخفاض في حد ذاتها لكن الحادثة كجزء من شيء كبير ليبني الحركة الوطنية..
أول سؤال عن حادثة رفاعة لو فصلت لينا فيها يكون كويس لأنه بتورينا العلاقة بينكم وبين الاستعمار وبعض الأشياء الموجودة في المجتمع السوداني..
المسألة التانية اللهي مواقفكم من الأحزاب السياسية والاتجاهات السياسية الأخرى في الفترة دي..
المسألة التالتة دا طبعا الحديث عن مؤسسات الدستور.. حدثنا عن نشأتها وتطورها وكيف دايرين نعرف رأيك في المجلس الاستشاري، الجمعية التشريعية وبعد داك البرلمان الأول اللي وضع الدستور..


شوف بقى.. هو الحقيقة نشأة الحزب الجمهوري يمكن أن يكون كلو منصب على مسألة الخفاض الفرعوني والجنوب.. على اعتبار أنو ديل النقطتين الحساستين اللي يمكنك إنت أن تحرك بيهم الناس.. في مسألة الجنوب خرج سفر شديد اللهجة، حتى في مقدمته واردة عبارة زى "هذا نذير من النذر الأولى، ستليه أخر، تتنزى بالدم وتتطاير بالشرر" فكانت اللهجة عنيفة جدا، ومشى في الاتجاه دا.. المناشير كانت تحمل الروح دي.. ترجموا واحد من المناشير وقدموه لقاضى جنايات الخرطوم، طلبني الطلبة الأولانية: المنشور دا بهدد الأمن ودا طالع من الحزب الجمهوري، هل انت مسئول عنه؟ أجبت بالإيجاب، قال لي: طيب، راح نشوف.. بعدين خرجت منه بعد يومين طلبت للمرة الثانية فكان الحكم انى أنا أمضي تعهد شخصي بعدم الكلام في السياسة أو أسجن سنة.. دا الحكم.. فأنا رفضت مسألة التعهد الشخصي *** فاقتدت للسجن بالسبب دا.. المنشور كان بيهاجم المجلس الاستشاري لشمال السودان وبهاجم القانون اللي صنعه المجلس، وبقول أنو كل أمة عندها عادات حسنة وعادات سيئة.. عادة الخفاض الفرعوني عادة سيئة لكن العادات السيئة في الشعوب ما بتحارب بالقوانين وإنما بتحارب بالتنوير والتعليم والاقتناع.. الإنجليز ما غرضهم كرامة المرأة، هم في الحقيقة فتحوا للمرأة سوق النخاسة.. فتحوا للمرأة كل الأبواب الما بتكون بيها كريمة، لكن الغرض الحقيقي من إثارة موضوع الخفاض الفرعوني أنه – ودا أثير في البرلمان البريطاني كان – الغرض من الإثارة دي أن يقولوا للعالم، في رد على حركتنا الوطنية، أنه السودانيين لا يزالوا همجيين يمارسوا عادات زى دي وأنه ما بنفتكر أنهم بلغوا الرشاد البيستحقوا بيهو حكم أنفسهم.. المنشور كان يحوي حكاية زى دي وكان مثير فعلا..
فلمن مشيت السجن الأولاني على الاعتبار دا كانت محاولاتهم – وسطوا بعض الناس – أنى أنا ما مسجون في الحقيقة، أنا عندي أن أطلق نفسي من السجن في أي وقت، عندي الفرصة دي إذا مضيت.. والإمضاء دا بتعهد شخصي ما وراه أي التزام.. كانوا يقولوا الكلام الزي دا لكن نحن لأنه كنا عايزين نملأ فراغ الحماس بالصورة دي أصرينا على ألا يكون في إمضاء.. بعدين في أشياء تانية تبعت هي أنه إذا كان أنا سلكت في السجن كأي مسجون آخر بتمضى السنة.. لابد أن أحدث حاجة في داخل السجن هي المخالفة لتعاليم السجن وقوانين السجن وأوامر السجن.. وضابط السجن كانوا إثنين إنجليز.. أنا قلت ليهم: أنى أنا ما عندي معاكم انتو حاجة شخصية.. الحكومة ما بتعترف بالمسجون السياسي، لكن دا سجن سياسي بطبيعة حاله.. كونه ما بتعترف بيهو دا ما بغير الحقيقة دي ويبقى حقكم تعرفوها وتحترموها.. إذا كان أنا مسجون سياسي وأنا بقول للحاكم العام إنت تخرج من البلد لا يمكن أن أطيع أوامركم وانتو موظفين صغار وانجليز.. فإنتو ما تعتبروا المسألة دي حاجة بيني وبينكم خاصة.. وفعلا فهموها بالصورة دي.. فلمن يمروا أنا ما بقوم ليهم، أنا بجلس، ودي كبيرة جدا عندهم.. هي عند السوداني برة السجن كبيرة كانت، كيف وهو مسجون.. ودي كانت بتقتضى أن أعاقب بزنزانة.. وكان عندنا في كل يوم أتنين بمر مدير عام السجون.. يوم الأحد قبله بمر مدير السجن.. عشان يشوف أنه الأمور كلها مهيئة ونظيفة والمساجين نضاف وكده عشان الاستعراض بتاع المدير العام للسجون فكان تحصل حكاية أنى ما بقوم ليه.. هو ما عايز المظهر دا يكون لمن يجي مدير عام السجن ففي اليوم داك بيودينى الزنزانة.. في الزنزانة أنا بصوم ما يسمى بالصيام الصمدي عند الصوفية.. الحركة الوطنية بتاعتنا نحن الجمهوريين في خارج السجن كانت بتشوشر شوشرة كبيرة وترفع المسألة دي وأنه محمود لسوء المعاملة في السجن مضرب عن الطعام فحصلت قلاقل شديدة جدا ليهم.. قاموا فكروا في أنو الموضوع دا ما بنتهى كدة وما في فايدة فيه وبرضو المديرين بتاعين السجن ذكروا لمدير عام السجون أنو الحكاية البيعملها محمود دي راح تثير بعض المساجين للمعارضة لأنه هو متمرد ونحن كل البنعملو ليهو بنوديهو الزنزانة ودا بزيد عطف الجماعة المساجين في الدرجة التانية عليه فأحسن يكون في إفراج عنه.. بعد الخمسين يوم كان في اقتراح للحاكم العام أن يفرج عنى كعمل رحمة.. وجاء فعلا الجواب بأن يفرج عنى بعد الخمسين يوم كتدخل من الحاكم العام رحمة منه.. لي قدام مشت بعد شهرين حصل حادث رفاعة..
حادث رفاعة أنا مشيت مشية عابرة لبكاء هناك.. بعدين الناس طبعا كانوا اتسامعوا بسجني الأولاني بمناسبة قانون الخفاض الفرعوني فلما سجنت المرأة، ما بعرفهم أنا، جوا في الفراش وسألوا عنى وحكوا لي.. قالوا لي نحن عندنا بتنا أرملة، خرجت من الحبس على زوجها، لتوها، وطهرت بنتها، وفى وشاية مشت للسلطات، والسلطات اعتقلتها وختتها في السجن.. وكان دا يوم جمعة.. أنا كتبت جواب لمفتش المركز أنه أنا عايز أقابله.. في بعض الاخوان من رؤساء اللجان الفرعية للأحزاب الموجودين في رفاعة قالوا إنهم يضموا اسمهم لي إسمي في المبادرة.. فقابلنا المفتش وكلمناه بالموضوع دا وكانوا الناس كتيرين في الأبواب وزاحمين عليه مكتبه، فشوش كده، وقال هو راح يطلق سراحها لغاية ما تظهر نتيجة الاستئناف لأنه في استئناف ساير، فأطلقها.. هو تاريهو في الأثناء دا بتشاور مع مدير النيل الأزرق بمدني.. نحن افتكرنا إنو ما برجع ليها.. لكن بعد شوية، نحن قاعدين تلاتة أربعة يوم مضت، افتكر كان يوم خميس – الخميس البعد الجمعة دي، كان زى أعادوها للسجن.. زى مدير النيل الأزرق – اسمه روس بيرز كلم المفتش – المفتش كان اسمه باستر بول قال ليهو ناس رفاعة ديل هراشين ساى ونفاخين أنا افتكر ما بقدرو يعملوا حاجة، انت اعيد المرأة للسجن..