لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search
لقاء الأستاذ محمود محمد طه
بمندوبي معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية

منزل الأستاذ محمود بالمهدية - الحارة الأولى
٢٢ نوفمبر ١٩٧٥

الجزء الخامس

س: ذكرت في آخر حديثك أنه كان الحزب الجمهوري من الأول إسلامي النشأة وظهرت الفكرة أنه يسمى بالحزب الجمهوري الإسلامي.. أنا قبيل كان سؤالي عن الأشياء القام عليها الحزب الجمهوري ما ذكرت لينا فيها شيء نعرف بيه الصورة الكانت.. الفكرة الإسلامية كان تصور الناس ليها في الوقت داك شنو؟

الجمهوريين اللي اقترحوا أنه نسميهو الحزب الجمهوري الإسلامي، اقترحوا لسبب أساسي هو أن يكون في تمييز بينا وبين الحزب الجمهوري الاشتراكي.. المفهوم بتاع الإسلام عندنا، أول حاجة ألا ننتسب للأسماء الإسلامية ويكون محتوانا ما إسلامي، ونحن كنا بنعرف الأسماء الإسلامية كانت كتيرة جدا بدون محتوى.. ونحن قلنا إذن نخلي الاسم كأنه مدني لكن نعمل على أن يكون المحتوى إسلامي.. دا كان مفهوم عندنا من بدري.. عشان كده ما قصدوا بالاسم أن يكون يدل على أننا نحن حزب إسلامي، لكن قصدوا التمييز، ولذلك الرد جاهم في أنه التمييز دا ما ضروري لأنه القاعدة بتاعتنا أننا نحن ما نهتم بالأسماء الإسلامية لكن يكون محتوانا إسلامي.. أما السبب دا فهو سبب ما هو قوى ليغير وضعنا لأنه الحزب دا بموت.. التصور الإسلامي، دا في الحقيقة موضوع أساسي في مسألة الحزب الجمهوري مما نشأ – من نشأته الأولانية، ودي كانت في يوم ٢٦ أكتوبر عام ٤٥.. بالمناسبة دي نحن قطعنا ٣٠ سنة من عمر الدعوة دي مما نشأت في ٢٦ أكتوبر الماضي، وعندنا هسع برضو كتاب للاحتفال بالتلاتين سنة دي.. في حاجة اسمها "السفر الأول"، طبع في وقته، تاريخه ٢٦ أكتوبر عام ٤٥ يقول فيهو أنه لابد من الرجوع للإسلام وللمعين المصفى من الكدورات الحصلت ليه، يمكن تكون العبارة زي كده: المعين الذي شرب منه عمر وأصحاب عمر.. بعث لا إله إلا الله نقية نظيفة وأنه دا المفهوم الكان عام، الإسلام موش هو إسلام الأزهر ولا إسلام المعهد العلمي ولا إسلام الفقهاء ولا القضاة الشرعيين، دي صورة خالية من المحتوى، اسم بلا محتوى، الروح ماتت فيه، لابد من البعث.. بعدين نحن في الحقيقة ما كنا بنقدر نعمل أكثر من مجرد الشعور بالحاجة الى البعث الإسلامي.. في وقتها كان في حيطة شديدة وحذر شديد من مواجهة الاستعمار.. الحركة الوطنية ما واجهت الإنجليز.. الاتحاديين مشوا عاشوا في مصر ولعله نسيت أن أقول لك أنه لمن مشى الوفد المكون من الفريقين، الاستقلاليين لما ما وجدوا استقبال كويس من المصريين رجعوا وظلوا الاتحاديين مكرمين في مصر والحقيقة بيسكنوا في اللكوندات الغالية، في الكونتينتال وشيفرد ومسائل زي دي وتنفق عليهم الحكومة المصرية، دا في سنة ٤٦ و٤٧.. بقى الناس الممكن يواجهوا الاستعمار هنا، اللي هم الاتحاديين لأنهم هم ضد الإنجليز مافيشين في الميدان، زعماء الحركة دي في مصر.. والحركة الوطنية هنا زي النايمة.. الناس الهنا، ناس الصف الثاني كانوا يتلقوا الأخبار من مصر، حصل شنو في المفاوضات وحصل شنو في الاتصالات بالنحاس وبالزعماء الشعبيين زي النقراشي وأحمد ماهر.. الإنجليز كانوا أنشأوا مؤسسات دستورية متجهة لأن تطور السودان نحو الحكم الذاتي زي ما زعموا هم، حتى الحاكم العام هدلستون كان بيفتكر أنه في عشرين سنة يمكن للسودانيين أنه يمارسوا الحكم الذاتي تحت رعاية الإنجليز وتدريبهم وكان في ما سمي بالمؤتمر الاستشاري لشمال السودان المديريات الجنوبية ما فيهو.. آها دي ناس حزب الأمة اتعاونوا فيها، كان عنده وزراء وكان عنده نواب، حصلت مقاطعة ليهو من الاتحاديين.. وبعدين الإنجليز لما شافوه زى ميت قاموا أنشأوا حاجة إسمها الجمعية التشريعية، الجمعية التشريعية دي برضو اتعاونوا فيها ناس حزب الأمة.. فكأنه الاستقلاليين ماشين مع الإنجليز فما في مواجهة، والاتحاديين مشوا مع المصريين وسلموهم القضية ومنتظرين هم يعملوا فيها شىء في المفاوضات، فما في مواجهة.. أصبحنا نحن شاعرين بأنه الفكرة المطلوبة للحركة الوطنية نحن ما عندنا تفاصيلها، هي الإسلام مبعوث من جديد.. المواجهة للاستعمار برضو دي الحركة الوطنية كانت فاقداها.. نحن قلنا في فراغين: فراغ الفكرة وفراغ الحماس.. وقررنا بعد ما كتبنا السفر الأولاني أننا بنستطيع أن نملأ فراغ الحماس في الوقت الحاضر، وفيما بعد نشوف في الفكرة نعمل شنو - في تفاصيلها، ما كانت عندنا.. وبقت مواجهتنا للاستعمار البريطاني عنيفة جدا الى حدود أسطورية يعنى.. كان الجمهوري – الأخ أمين صديق بالذات، كان يجىء في "سوق الموية" العندكم هسع بالصورة دي، ويسحب ليهو طربيزة كبيرة ويطلع فيها ويخطب في الناس.. كنا بنستفز الناس بالجنوب، أنه الإنجليز نواياهم مبيتة لفصل الجنوب ولذلك جعلوا المؤتمر (المجلس) الاستشاري لشمال السودان ونواياهم كلها في أنهم يفصلوه.. فدا كنا بنحمس بيهو الجماهير.. بعدين مسألة الخفاض الفرعوني برضو دا المؤتمر الاستشاري لشمال السودان كان مرر قانون في الناحية دي.. فنحن شفنا النقطتين ديل حساستين جدا فكنا بنحمس بيهم الجماهير.. فكان أمين صديق يخطب بالصورة دي والبوليس يقيف يعاين، عندهم تعليمات أنهم ما يتعرضوا للجمهوريين، ديل ناس قليلين، ما عندهم سند، ما عندهم أثر.. لعله إذا السلطة اتعرضت ليهم بالسجن يجعلوا بطولات وطنية منهم – أبطال وطنيين.. وكانوا يقولوا الكلام دا.. فمشينا في المواجهة دي لغاية ما حصل أننا كنا أول السجناء الوطنيين.. يونيو عام ٤٦ كان حصل سجن، بعدين حصل إفراج.. والسجن دا يمكن ما ضروري نمشي في تفصيله كتير، لكن حصل بمناسبة الخفاض الفرعونى والقانون اللي طلعه المجلس الاستشاري لشمال السودان – دا القانون الأخرجه ونحن كنا في معارضة شديدة ليهو.. النقطتين ديل كانن حساستين واشتغلنا فيهم شغل كتير لكن برضو مهما كان وضع الإنجليز في التطنش مننا ما استطاعوا أن يحتملوا الموضوع دا.. خرجت مناشير – نحنا كنا بنعمل مناشير بالرونيو وبنوزعها على الناس وبنمضاها باسمنا، فكان في واحد اعتبروه دا مثير للأمن واعترضوا عليه فنتج منه السجن الأولاني بعدين حصل إفراج بعد زي خمسين يوم.. السجن التاني كان في حادث خفاض بنت في رفاعة – القضية دي مشهورة بين الناس.. دا كان برضو في أغسطس ٤٦.. دا استمر سنتين.. بعدين الحركة الوطنية دب فيها الحماس.. سنة ٤٨ بدوا الزعماء ينسجنوا في معارضة انتخابات الجمعية التشريعية.. وكان معروف أنه المصريين قالوا للزعماء الاتحاديين المقيمين في مصر: إنتو بي قعادكم هنا ما بتدللوا على أنكم إنتو فعلا بتستحقوا الاستقلال، إنتو حقه تمشوا في السودان وتقاوموا وصوتكم يرتفع ودا بزيد في وزن الحديث باسمكم بأنكم بقيتوا شعب واعى تستحقوا الاستقلال.. فرجعوا وابتدأ ينسجن أزهري ويحي الفضلي وعدد من.. دا في سنة ٤٨ ونحن بدينا السجن من سنة ٤٦.. فشعرنا أنو - زى ما كنا بنقول زمان - فراغ الحماس بدا ينملى، فراغ الفكر فاضي.. بدأ تفصيل ما سميت في الأيام دي الدعوة الإسلامية الجديدة، اللهي فكرة الحزب الجمهوري في بعث الإسلام وإعادته لقوته البتغيير أخلاق الناس وأفكار الناس.. أهى دي بداية الفكرة الموجودة لغاية اليوم بتنشرح وتتبسط ويكون فيها التأليف وكدة.. دا سميناه ملء فراغ الفكر..