((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




ندوة الهجرة

الجزء الثالث

مشوا لغاية ماوصلوا الى المدينة ورجع عامر بن فهيرة بغنمه، بعدما أمن عليهم.. لمن دخلوا المدينة، القصة المشهورة، قابلوهم فى قُبا.. إنتظروا مدة، وقابلوهم المسلمين والأنصار والمهاجرين، والناس الجدد المتطلعين للحكايه دى.. والقصة المشهورة، والإنشاد المشهور، طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا مادعى لله داع، ايها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع... وكان يضربوا الدفوف وفرحانين.. فلمن دخل المدينة، كانوا الأنصار يدعوه للنزول عندهم، كل فريق منهم، كل بيت، كل رجل، يدعو النبى للنزول عنده.. وكان أرخى "للقصواء" الزمام والرسن، وقال دعوها فإنها مأمورة.. فجات بركت فى محلة معينة من دور الأنصار، مانزل منها النبى، قامت، مشت مسافة، التفتت لى ورا، تانى رجعت وبركت فى محلها نفسه.. فنزل منها، وكانت الدار ليتيمين هما سهل وسهيل أبناء عمرو من بنى النجار.. عندما نزل هناك، قام ابو أيوب الأنصارى، جرى ونزل الرحل وشالوا لى بيته، إستضاف النبى مدة هناك.. وبعدين النبى قرر أنه يبني مسجده فى المحلة دي.. وطلب اليتيمين أن يدفع ليهم عن أرضهم، عرضوا أنها يهبوها للنبى، لكنه أبى، ودفع عنها من مال أبى بكر.. وبُنى المسجد هناك بالطوب والقش والجريد - دا كان سقفه ..

برضو المسألة الطيبة جدا مسألة الناقة دى.. شوفوا وحدة الفاعل فيها كيف؟! لأنه هو مؤمن بوحدة الفاعل، الناقة مأمورة، ودا كلام الله.. مافعلته الناقة أمر الله ليهو.. وكان بادي وظاهر.. لو فعله الإنسان لعله يكون الإجتهاد يحجب.. لكن فعلته الراحلة - الناقة..

بدأ عهد المدينة.. وبعض الناس - ودى عماد مشى ليذكر فيها قيمة أبوبكر، فى الهجرة، قيمة أبوبكر على طول المدى كانت فى الإسلام كبيرة، كبيرة بصورة عجيبة - بعض الناس يقول أنه علي كان معرّض لخطر أكتر من أبوبكر، لأنه كان جايز هم كانوا يعتبروه أنه هو النبى، وكان جايز، يحين وقت الضربة والمؤامرة، فيضرب علي.. على بال ما يُعرف يكون انتهى.. يقولوا عنه، الرقد فى فراشه بالصورة دى، يعنى كان معرض لخطر أكبر من المشى معاه فى الهجرة.. لكن مؤكد انو قيمة أبوبكر دائما فى العمل الإسلامى قيمة كبيرة جدا..

ومن النقطة دى فى رواية الأحداث، نبتدى نطرح موضوع جديد للأخوان، هو فى الحقيقه الموضوع القبيلك قلناه، الهجرة الروحية تكون كيف؟ وهل هناك عبرة سلوكية؟ نحن عندنا عبرة عرفانية، ممكن ناخدها، وعبرة تاريخيه ممكن ناخدها من الهجرة، ومتعة ذهنية للعمل الفيهو الكتير من المخاطرة بالصورة دى، لكن هل من حوادث الهجرة دى، فى هجرة روحية يمكن للسالك ان يجعل حوادث الهجرة، كأنما هى آيات الآفاق بالنسبة ليهو هو، ليسير فى آيات النفوس بهجرة جديدة، ورحله جديدة، يحقق بيها شيء فى المرحله الجديدة، مما حققته الهجرة بحوادثها التاريخية فى المرحلة القديمة؟ دا موضوع نتركه هسه لنقاش الأخوان..

(...) في مسألة الهجرة المعنى البيستقى منها، فى الهجرة الروحية، هى فى الحقيقة زى ما القران تطبيقه كان فى الاول اقرب للظاهر منه للباطن، كذلك الهجره كانت الظاهر منها هو المؤكد اكتر.. وفى مستقبل الأيام، ظاهر القرآن وباطنه، بيكون عندهم حظ فى التطبيق.. وكذلك ظاهر الهجرة وباطنها، بيكون عندهم حظ فى التطبيق...

وزى ما هو معروف فى تكامل الأفكار، مافى حس بلامعنى، ولامعنى بلا حس.. فى نقص الأفكار، الأفكار لمن تكون ناقصة، فى معانى حرفية ساكت، والناس يقيفوا معاها.. وديل زى البيقيفوا مع القشور.. وبعدين فى صور من التجريد فى التفكير، يكون المعنى فيها ما ملتزم بالحرف، ودى زى صورة الفناء - زى صورة النقص- لكن الصورة الكاملة هى البكون فيها المعنى والحس متلازمين.. وفى اخر الوقت راح يكون الهجرة الحسية والهجرة المعنويه بالصورة البتم بيها الأمر حسب حكم الوقت ومدارك العقول فى وقتنا الحاضر والأوقات المقبلة القريبة بتحصل مره ثانية..

والوضع بتاع مكة والمدينة فى المعنى البيقابل حسهن.. كانما مكة القلب، والمدينة العقل.. مكة القلب، والمدينة العقل.. وجاء الإسلام ليخاطب، كأنما جاء ليخاطب سكان القلب، اللي هى القوة المودعة فى البنية كلها.. ماكان الوقت جاهز ليصل للقلوب، فخاطب العقول.. ودى تدي صورة الهجرة...

بعدين كان فى الهجرة الحسية، المهاجر يجب ان يكون نيته صادقة فى الهجرة: (من كانت هجرته الى الله فهجرته الى الله) دا مهاجر.. و(من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته لما هاجر إليه).. فالإخلاص بالصوره دى...

حتى إنه المهاجرين كانوا يكرهوا ان يموتوا فى مكة.. بعدما هاجروا الى المدينة، كانوا يكرهوا ان يموتوا فى مكة، بعد ماهاجروا، لتكون هجرتهم صادقة يموتوا فى ارض الهجرة.. والقصة - الحديث المشهور القال: (اللهم، أخرجتنى من أحب البلاد الى، فاسكنى فى أحب البلاد إليك).. أسكنه الله فى المدينة فكانت المدينة أحب بلاد الله الى الله، ومكة احب بلاد الله للنبى...ودا برضو يمشي مع الحديث فى قيمة العقل...

بقولوا أنه ربنا لما خلق العقل قال ليهو أقبل فأقبل وقال ليهو أدبر فأدبر قال ليه: (وعزتى وجلالي ما خلقت خلقا هو احب الى منك).. لأنه العقل هو وسيلة السير لى الله.. مافي سير لى الله بدون العقل، ومافى ولي بدون عقل.. قد ينجذب الولي، يبقى بدون عقل، ديل مجاذيب، يعني يعيشوا كأنما بيعيشوا بالشعور بس، لكن مافى زيادة فى بداية الشعور.. ودايما وأبدا فى السرمد السير لى الله بالعقول.. وكأنما المحاولة ان يكتمل العقل حتى يكون فى مستوى القلب.. وترى يعنى.. المحاولة ان يرتفع العقل ليكون وترى زى القلب.. وده هو الميزان المستقيم (وزنوا بالقسطاس المستقيم).. اهو دا القسطاس المستقيم! ان يكون العقل كأنه القلب... فاذا كان العقل فى مستوى القلب، يبقى دى الحقيقة الأزلية.. الحقيقة الأزلية، مابتدرك لأنها مطلقة، المحاولة دايما هى دى...

هنا الهجره من القلب الى العقل دى فى الصورة اللي أفتكر أتكلمنا عنها فى مسألة مقدمة الصلاة، الطبعة الرابعة.. قلنا أنه اصلو كان القلب، والعقل زى الحادث.. وموش حادث فى وجوده من حيث وجود.. لكن فى بروزه.. العقل برز من القلب.. وقلنا برز بعوامل الخوف.. والعقل بالنسبة للقلب زى عكاز الأعمى البيتلمس بيهو الطريق...

هنا الهجرة كانت من القلب الى العقل فى صورة الحياة زى ما أنتو شايفنها.. وكان ا افتكر فى تفصيل ليها كويس فى مقدمة الصلاة يمكن الناس لو رجعوا ليها تانى يلقوها....

كأنما حصلت الهجرة من القلب الى العقل فبرز العقل بالعوامل بتاعة الخوف.. كذلك الهجرة كانت من القلب - من مكة - الى المدينة بعوامل الخوف... بعدين الطريق هو الرجعة مره ثانية زى ما قال عبد الرحيم الريح (فارتدا على آثارهما قصصا).....