في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
الموقف السياسي الراهن والحقوق الأساسية

أمدرمان - دار الحزب الجمهوري
٢٨ فبراير ١٩٦٩

الجزء الثالث

الأستاذ محمود: الديمقراطية لمن بتتركز في ورقة الإنتخاب مثلاً.. ورقة الإنتخاب يمكن المظهر الخارجي للديمقراطية، لمن تتركز فيها- في ورقة الإنتخاب، كأنها بتقول أنك إنت عندك فرصة لتختار.. معنى أنك بتنتخب، أنك بتختار والإختيار بيقتضي.. ١) صدق في الأخلاق.. ٢) مقدرة على التمييز.. ودا ما يمكنك أن تسمي بيه أنه الديمقراطية أصلها حكم الشعب الرشيد لنفسه.. الديمقراطية أرقى أنواع الحكم.. بيحصل أنه بعض الناس يسيئوا تطبيق الديمقراطية، موش البلاد المتخلفة، الديمقراطية في مجالات كثيرة تطبيقها بيساء.. لكن ما من أحد عاقل يقول أنه الديمقراطية معيبة، العيب ما ممكن يكون في الديمقراطية.. العيب في الناس البطبقوا الديمقراطية.. وما أحد من الناس عاقل يقول أنه هو كفر بالديمقراطية، كفر بالزعماء البيفسدوا تطبيق الديمقراطية.. ولحسن الحظ أنه كل ما الزعماء أفسدوا تطبيق الديمقراطية الشعوب بتوعى لتأخد منهم السلطة لتعطيها لغيرهم.. وحسنة الديمقراطية هي أنه الشعوب بتقدر أن تغير بدون ما تحتاج لثورة بيضاء أو حمراء.. ولذلك الديمقراطية الفاسدة أحسن من الدكتاتورية الرشيدة إن صح أنه الدكتاتورية يمكن أن تكون رشيدة.. الديمقراطية فسادها أحسن من صلاح الدكتاتورية، لأنه صلاح الدكتاتورية صلاح مظهري.. نحن مثلاً بنعرف أنه العساكر لمن جوا عملوا منجزات، بعض الناس يقولوا أنهم "والله الحكم العسكري كان أفضل من الوضع دا" أنا بفتكر أنهم بتكلموا- المسألة دي من نوع العطف على الديمقراطية ليحضوا الناس ليغيروا بس لكن إن جوا في الجد في الموضوع دا ما يمكن لأي سوداني أن يختار الحكم الدكتاتوري أو الحكم العسكري بديل عن الحكم الديمقراطي.. لأنه زي ما قلنا حسنات الديمقراطية أنها بتستطيع أن تصحح خطأها، مادام نحن بنستطيع أن ننقد مثلاً أزهري، ننقد محمد أحمد محجوب، ننقد السيد الهادي، ننقد زعماء الأحزاب الكبيرة والناس المسؤولين في النظام الديمقراطي.. نحن بنستطيع ان نصحح.. لكن ما كان واحد مننا بستطيع أن ينقد الحكم العسكري.. وحلوا الأحزاب فعلاً وإنتهوا منها.. لذلك الثورة كانت مكبوته في صدور الناس لغاية ما إستعلنت وإنفجرت مرة واحدة فكانت مفاجأة لكل واحد.. فالحكم الديمقراطي مافي ليه بديل لكن في اللحظة الحاضرة وفي مرحلة تمرير الدستور الإسلامي، الحكم الديمقراطي مهدد بأن يزيف لترجع المسالة لصورة من الحكم الدكتاتوري مغلف بقداسة الإسلام.. الناس البتكلموا عن الموضوع دا كثيرين في الوقت الحاضر لكن جهالاتهم واضحة ما من أحد بيكتب في الناحية دي إلا يمكن كشفه بسرعة لأنه بتلقاهم ودا لحسن حظ الشعب السوداني وتوفيق الله ليه، بتلقى الناس البكتبوا في الناحية دي عندهم فجوات وجهل بالنظام الديمقراطي وبالنظام الإسلامي.. ولذلك ما بستقيموا، لكن في مخاطبة لعواطف الشعب وبطبيعة الحال النظام الطائفي مكتل الشعب ليمرر المسائل دي بالأغلبية الميكانيكية.. والبارح نحن قلنا أنه الخطر المواجه الشعب السوداني هو خطر على أي حال مرحلي.. لكن النتيجة في الآخر لابد أن تكون وصول الشعب السوداني لمراتب الكرامة والشرف والمعرفة.. الخطر المرحلي جايز أن يمر دستور إسلامي جاهل، بالأغلبية الميكانيكية ال في الجمعية التأسيسية فيدخلوا الناس في تجربة لحكم إسلامي جاهل.. يدخلوا الناس في تجربة لحكم مهدية جديد.. الخطر دا في.. والناس البدعوا للدستور الإسلامي، مثلاً زي السيد إسماعيل الأزهري، زي أجهزة الحكم، مثلاً وزارة الإستعلامات أصدرت كتاب بتقول فيه أنه الدستور الإسلامي كان مطبق في المهدية.. انا الغباء البقولو ليكم، والجهالة البقولها ليكم أنها بتتصل بالناس البدعوا ، كشفها ظاهر لأنه واحد لمن يقول مثلاً الدستور الإسلامي كان مطبق في المهدية، كأنما هو عايز يعيد حكم المهدية مرة ثانية بدعوته للدستور الإسلامي.. اها دي ما بتكلف الناس شئ كثير ليكشفوها.. الجهات اليمكن أن تجوز عليها الدعوة الزي دي كثيرة في الحقيقة ولذلك الخطر قايم.. أنا أفتكر ناس امدرمان، ناس الخرطوم، ناس مدني، ناس المدن الإقليمية يمكن أن يعرفوا الخطر دا، لكن في الجمعية التأسيسية أثرهم في المرحلة دي ما كبير، إلا إذا إستطاعوا أن يكون تأثيرهم أكبر من مقدارهم العددي ودا ممكن.. الناس الواعين لو قاموا وعملوا وما كانوا سلبيين، الإنسان الواعي الواحد يمكن أن يزن عشرات او ميات من الناس ال ما واعين.. إذا كان الأمر دا ما حصل.. إذا كان الواعين ما إستطاعوا أن يكون تأثيرهم أكبر من مقدارهم العددي، الخطر قد يكون أنه الجمعية التأسيسية تمرر صورة جاهلة بإسم الإسلام وتجي سيطرة من الحكم الإسلامي.. بكون في فساد في الحكم بوعي الشعب بسرعة.. لكن أنا بفتكر ودا كلام قلته أمبارح قد يكون معاه خطر أنه كثير من مستويات الشعب السوداني تلج عن الإسلام برضو، وتكون تربة خصبة للدعوة الإلحادية والدعوة الشيوعية.. وأنا أؤكدلكم أنه الشيوعيين العندنا في الوقت الحاضر ما بقوا شيوعيين إلا لأنه الناس الجهلة البمثلوا الإسلام كرجال دين أيئسوا الشباب منه.. والشباب ما كانت عندو الحكمة والمعرفة الكافية ليقول أنه رجال الدين أخطاءهم معاهم والإسلام برئ، فقاموا حكموا على الإسلام بحكم أخطاء رجال الدين.. حكموا عليه بالقصور، إنصرفوا ليبحثوا الحلول عن مشاكلهم في المذاهب الأخرى، جات الشيوعية.. إذا كان الطائفية وجبهة الميثاق، الفقهاء العندنا، مشوا بإتجاههم دا ليجيبوا للبلد حكم إسلامي قد يكونوا هم دعاة للشيوعية أكثر من عبد الخالق وجماعته.. وقد يكون البلد فعلاً معرض على أن يلج عدد كبير من الناس عن الإسلام تماماً.. بتجي مرحلة الشيوعية.. دا كلو إفتراض وأنا أفتكر أنه بعيد لكنه مفتوح.. الإحتمال فيه مفتوح.. إذا جات مرحلة تجربة الشيوعية، الشعب برضو راح يلقى المرارة وبقى خيبة الأمل وبرجع منها.. وفي آخر المجال العالم كلو ودي حاجة أنا واثق منها كل الثقة.. العالم كلو في آخر المطاف ما عندو غير الفكر الإسلامي
الشيوعية في مراتبها هسع وفي مجالاتها بدا فشلها.. الفكر الماركسي فكر جيد كمرحلة يعني في تاريخ البشرية، في تطور البشرية كان ضروري يظهر ماركس ويظهر لينين ويجي التطبيق السوفيتي.. روسيا في ظهورها اللي ظهرت بيه كمرحلة في تاريخ الإنسانية، في قسمة العالم لكفتين يتنازعوا بيناتن، في الثنائية القايمة، اللي هي مرحلة ضرورية قبل وحدة العالم.. الفكر الماركسي كان مرحلة تاريخية ضرورية.. الخطأ البجي هو أن يعتقد الماركسي أنه نظام ماركس هو نظام البشرية بكرة.. دا حتماً وقولاً واحد أنه خطأ.. لا يمكن للماركسية أن توجه مصير البشرية بكرة.. لذلك إذا كان السودان إتورط في تجربة الماركسية راح يوعى برضو.. يبقى الخطر المواجهه هو الخطر المرحلي دا.. وأنا بفتكر أنه إحتماله ضعيف لكن من الحكمة ومن العقل أنه الناس يعطوه وزن أكبر مما هو على حقيقته ليكون في إحتراز منه.. إذا كان جات المسألة زي ما نحن بنعتقدها ودا الإحتمال الأكبر، هو أنه الناس البزيفوا الإسلام بإستمرار بنكشفوا.. بنكشفوا من عمل من دعاة الإسلام وبنكشفوا من تفشيل من الله ليهم (إن الله لا يهدي كيد الخائنين).. دعاة الفكر الإسلامي فيهم ناس منتفعين بالتنظيم الإسلامي.. في اللحظة الحاضرة، في ناس بتجيهم أموال من برة، يمولوا بيها صحفهم ويمولوا بيها دعوتهم ويمولوا بيها أنظمتهم.. الأموال البتجي من برة ما غرضها الإسلام.. مثلاً إنتو شفتو في الصحف، سبعين الف جنيه من الملك فيصل لأربعة منظمات إسلامية- هيئات إسلامية بتدعوا للإسلام في البلد.. شفتوا الحكاية دي في الصحف.. إذا كان خبر صحيح أو خبر جرايد ماهو صحيح، الحاجة المؤكدة أنه في تمويل من الخارج بجي للهيئات الإسلامية بدليل مثلاً بناء المساجد.. بناء مسجد مثلاً لأنصار السنة في الخرطوم، بناء مسجد لأنصار السنة في أمدرمان، من الملك فيصل، دا ماهو عمل للدين.. الملك فيصل في بلده ما عندو إقامة للدين بالصورة اللي تشرف الدين.. لكن وضعه دا فيه إستغلال للدين للعمل السياسي.. هو في الحقيقة بدس في بلدنا الناس البقوموا بالحركة الدينية، هو في غرضه أن يناهض دعوة جمال عبد الناصر للقومية العربية.. جمال عبد الناصر داعي لوحدة العرب، تحت زعامته بصورة واضحة بأسلوب القومية العربية.. فيصل داعي للحلف الإسلامي والمؤتمر الإسلامي.. جبهة الميثاق الإخوان معاديين لجمال.. ماشين في ركاب الدعوة بتاعت أنصار السنة، بمولهم للاغراض دي.. يمكن المال البجي يبني بيه هنا شعبه أحوج ليه.. شعبنا نحن اللي كان تحت الإستعمار بيرسل للسعودية حتى العامل الفني البسيط.. المدرسين عايزهم مننا والعمال عايزهم مننا والفنيين باي صورة مع أننا نحن متخلفين، يبقى بلده أشد تخلف بكثير مننا.. هو أحوج لأن يصرف الأموال دي هناك لولا أنه دعوى السياسة هي الحافزاه ليعمل دا.
يمكنك أن تقول أنه من الوضع السياسي الراهن الردئ جداً.. هو في الحقيقة إمتداد.. الوضع السياسي عندنا ما عندو شئ جديد هو إمتداد للصور الماضية.. أنه بلدنا دا تدخل فيه الأموال لتمويل الأحزاب وتمويل الصحف ثم لا يسأل إنسان ليه بتدخل الأموال دي؟ مين يقول أنه حزب سياسي بمول صحيفته بأموال من الخارج يمكن أن يكون مخلص للبلد.. زي ما قالوا أطعم الفم تختشي العين.. لا يمكنك إنت أن تفتح صدرك لأموال تجي من السعودية ثم لا تكون مستعد أن تلبي دعوة السعودية، حتى لو كانت ضد مصلحة بلدك.. لكن بتلبسها على نفسك وعلى الناس الآخرين.. أنه الإسلام ما عندو وطن.. أنه المسلمين كلهم إخوة.. أنك إنت ممكن تاخد مال من المسلم لتستعين بيه على نشر الإسلام في بلدك.. كلو تضليل.. ولكنه بتستطيع إنت أن تضلل بيه نفسك وتضلل بيه شعبك.. نحن في بلدنا دا ما بتنكر المسائل دي ليه؟ لأنه حركتنا الوطنية من الأول قام على الرشوة.. من الأول نحن كنا بنرتشي من المصريين.. زعمانا الإتحاديين لمن مشو من هنا كانوا زعماء بعيشوا ضيوف على الحكومة المصرية في أعلى الفنادق.. الحكومة المصرية كانت طرف في الإستعمار.. ثم في جميع أوقاتنا كانوا في زعماء عندنا هنا بياخدوا مرتبات من الحكومة الممصرية.. ماها غريبة علينا بقت المسألة دي.. التفكير الرسمي ما غريب عليه أن تجي أموال حرام لتتمول بيها أحزاب وصحف في البلد دا.. لكن لو كان في أي وعي عند الناس الحكام أو لو كان الشعب كان صاحب مصيرو واعي بالصورة الكافية، ما من شك أنه أي إنسان يتمول من الخارج يمكن أن يكون خائن تواً، ويمكن أن يحاسب على عمله دا، ولا يمكن لإنسان أن يكون ولاؤه لجهتين.. خاصة إذا عرفنا التوكيد دا.. أنه الأموال البتجي من برة أموال ماها للإسلام وإنما هي لإستغلال الإسلام في أغراض سياسية.. الأموال دي هسع تستغل لإتجاه الدستور الإسلامي.