((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




سلسلة تبسيط الدعوة - الحلقة الثانية

الجزء الثاني

إذا كان تفسير القرآن ورد من النبي، هذا لا يعني أنه الكلمة الأخيرة في تفسير القرآن، لأنُّ النبي، زي ما تكلمنا في حديثنا الأولاني، بيفسر على قدر عقول الناس .. هو فهمه للقرآن لا يمكن أن يطيقوه الناس ليكلمهن بِهُ .. بيكلمهن على قدر عقولهن .. حتى النبي فهمه للقرآن ما هو كل القرآن .. وقلنا أنُّ في الحديث النبوي لمن قال: «لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده»، قال: «وما علم ذلك أحد» .. قالوا: «ولا أنت؟!» .. قال: «ولا أنا» .. قالوا: «ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء!!» .. قال: «إن الله أجل وأخطر من أن يحيط بما عند أحد» .. فعلم القرآن لا يعلمه إلا الله .. ووارد في القرآن، الخطاب للنبي: «لا تحرك به لسانك لتعجل به .. إن علينا جمعه وقرآنه .. فإذا قرأناه فأتبع قرآنه، ثم أن علينا بيانه» .. ووارد في حق النبي: «ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل: رب زدني علما» .. فالنبي كان يزيد علم في القرآن بوسائل عبادته وبوسائل توجهه لي الله، وهو لا يزال في حياته، في البرزخ، يرقى المراقي في فهم القرآن .. ولن يبلغ إنسان من القرآن المبلغ النهائي لِهُ .. لأنُّ القرآن هو ذات الله والصفة القديمة القائمة بذاته .. وفي آخر التحليل هي ذات الله ..

فإذن، فهم القرآن من السلف الصالح ما بيكون حجة علينا نحن .. السلف الصالح عملوا خير كبير جدًا في أن فهموا من القرآن ما خدموا بِه أغراض مجتمعن .. ونحن يكون علينا أن نفهم من القرآن ما نحل بِهُ مشاكل مجتمعنا .. وهو مجتمع مختلف من جميع الوجوه عن المجتمعات الماضية .. مش مختلف عن مجتمع القرن السابع فحسب، الحقيقة هو مختلف عن المجتمع قبل تلاتين سنة .. كل يوم في حاجات تجد تجعل المجتمع دا مجتمع جديد يتطلب حل مشاكله فهم جديد .. الفهم دا يجيء من القرآن ..

ما في شيء خارج عن القرآن .. لكن يتوسل ليه بالوسائل الصحائح، اللي هي حياة النبي .. نحن قلنا أنُّ حياة النبي هي مفتاح القرآن .. دا المعنى اللي بِهُ قالت السيدة عائشة أنُّ: «كانت أخلاقه القرآن» .. فإذا نحن ترسمنا أخلاقه، احتذاء وتقليدًا ومحبة وثقة .. إذا قلدناه، في عمله بأذهان مفتوحة وسرنا في مراقي تدرجه هو في منازل نحو ربه، يوشك أن يفتح لِنا في القرآن فنفهم فهم جديد ..

فالمطلوب الآن هو بعث السنة .. والسنة جماعها تجويد كلمة التوحيد .. وزي ما قلنا نحن لمن النبي كُلف في مستوى أرفع من تكليف الأمة، إنما كُلف لأنه جود التوحيد في مستوى أرفع من الأمة .. فلمن قال أنُّ: «فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، قلنا ما بيسقيه لبن ولا ماء ولا بيطعمه لحم ولا خبز، وإنما هي اليقين، اللي جائية من تجويده للكلمة ..

الإسلام بيعود ببعث السنة .. والسنة، زي ما قلنا، جماعها «لا إله إلا الله» .. البيجود «لا إله إلا الله» بيظهر غريب بين الناس .. بيستغربوه لأنه بيعيش معيشة مختلفة من معيشتن، وبيتكلم بكلام مختلف من كلامن، وبيكون غريب بيناتن .. الغرباء بيكثروا ويتناموا إلى أن يتأذن الله بأن تزول غربتن بأن يصبحوا بيعيشوا في عنصرهن وفي شاكلتن من الناس بأن يتحول المجتمع إلى ما كانوا عليه هم قبل ما يكثر عددهم ..

الفهم الجديد من القرآن، في الحقيقة، بيجيء بدقة شديدة في التمييز في خط الاستقامة .. خط الاستقامة، مثلاً، اللي قال عنه: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا» .. خط الاستقامة هو الخط الوسط بين الطرفين ديل .. «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» .. ونحن، في أرفع سورنا في القرآن .. فاتحة الكتاب، بنقرأ: «أهدنا السراط المستقيم .. سراط الذين أنعمت عليهم .. غير المغضوب عليهم .. ولا الضالين» .. فسراط «الذين أنعم عليهم» سماهن السراط المستقيم، اللي هو خط الاستقامة، وهو وسط بين طرفين .. طرف فيه الإفراط وطرف فيه التفريط .. أو ممكن تقول، طرف فيه المادية وطرف فيه الروحانية .. الإفراط في المادية والإفراط في الروحانية .. أو قول، الإفراط في الروحانية والتفريط في الروحانية، من الجانب الآخر .. كأنُّ في طرف مادي وطرف روحي .. الاتنين خطأ ..

ودا بتلقى في التفسير أنهم اليهود والنصارى .. المغضوب عليهم (اليهود)، الضالين (النصارى) .. دا في التفسير يمكن يكون زي المتفق عليه .. أهدنا السراط المستقيم، سراط الذين أنعمت عليهم (هم المسلمون)، لأنُّ جائي من «اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي» .. «الذين أنعمت عليهم» جائية من هنا، هم المسلمون .. ودي العبارة بها، «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس» .. وسط بين اليهود والنصارى .. ففي الآية هنا، «سراط الذين أنعمت عليهم (المسلمون)، غير المغضوب عليهم (اليهود)، ولا الضالين (النصارى)» .. بتلقى التفسير بالصورة دي .. ففي الوسط في الأمة المسلمة ..

الأمة المسلمة عندها خصائص اليهود وخصائص النصارى .. نحن، بطبيعة الحال، مطالبين بأن نؤمن بالتوراة وأن نؤمن بالإنجيل .. نحن مؤمنون بموسى ومؤمنون بعيسى .. فنحن كأننا، من الناحية دي، أتباع في مستوى الإقرار بنبوة ورسالة موسى ونبوة ورسالة عيسى .. كأننا أتباع .. نحن مسلمون، ونحن نصارى، ونحن يهود .. كل الأمر دا عندنا، وكتابنا مهيمن على كتبن .. نحن نعرف منازلن ونعرف كرامتن عند الله ونؤمن بِهُم ..

الأمة المسلمة، الوسط بين الطرفين، عندها خصائص الطرفين .. زي ما هي الحالة في الوسط كله .. كل وسط بين طرفين عنده خصائص الطرفين، زي الولد، مثلاً .. الولد بين الأم والأب .. الولد أنجبته أمه وأبوه، مع بعض .. بالتقائهم ببعض .. وفيه التقوا .. في الولد في خصائص الأم وخصائص الأب .. هنا كذلك، في كل وسط في خصائص الطرفين .. إذا كان نحن شفنا، بالنظر السطحي، الولد أهو واحد .. لكن بالنظر العميق، الولد فيه أمه وفيه أبوه .. ممكن تقول الولد فيه نفس وفيه روح .. وأنُّ النفس أقرب إلى أمه والروح أقرب لأبوه، لكن هو بنشوفه واحد .. فعند النظر الدقيق هو ما واحد ..

كذلك المسائل البتلتقي في الوسط هي، حقيقة، اتنين اتنين .. وما بتنشاف الاتنينية فيه إلا إذا كان تسامى بينا عمود التوحيد إلى قوة النور اللي بِهُ نفلق الشعرة، زي ما يقول الصوفية .. القوة دي اللي بها تنفلق الشعرة هي يمكن ما سميت بالفرقان في، «يا أيها الذين آمنوا، إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا» .. الفرقان هو النور البِهُ تميِّز بين دقائق المسائل .. وفي الحديث برضو يجيء الثالوث بين الطرفين، «الحرام بين والحلال بين (ديل الطرفين) وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس .. فمن اتق الشبهات، فقد استبرأ لدينه ولعرضه» .. «بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس»، لأنُّ المسائل في الوسط بتدق .. الحرام بين والحلال بين، لكن في النص في شيء جامع بين الأطراف دي ، يصعب جدًا أن يتميز فيها الحرام من الحلال، إلا بأنوار معينة تجيء بفضل الله ثم بفضل العبادة .. فلذلك قال: «لا يعلمهن كثير من الناس» ..

من حديثنا الماضي أنُّ كل وسط بين طرفين بيجمع خصائص الطرفين، وهو صحيح .. حتى مما يلاحظ في البديهة المعاشة مثل الولد بين الأم والأب .. ينتج من هذا أننا، نحن المسلمين، مؤمنين بالتوراة ومؤمنين بالإنجيل .. نحن مصدقين لموسى ومصدقين لعيسى .. ودا نفس معنى، «لتكونوا شهداء على الناس» .. «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» .. الأمم تلتقي عندكم .. الطرفين يلتقوا عندكم أنتو الفي الوسط وبذلك تكونوا شهداء على الناس، وأنتم تلتقوا عند الرسول .. جماعكم كله عنده .. وهو عليكم شهيدًا .. وبالمعنى دا المسائل الفي الوسط، أو في خط الاستقامة هي اتنين، اتنين، اتنين ..

الحقيقة، المعاني اتنين، اتنين، اتنين، ودا هو معنى قوله تعالى: «الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله .. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء .. ومن يضلل الله، فما له من هاد» .. الاتنينية وردت في المثاني .. وبرضو وردت الإشارة لِها، في نفس الوكت .. في نفس الآية، «ثم تلين جلودهم وقلوبهم» .. جلودهم وقلوبهم .. ومثاني معناه، ذو معنيين معنيين .. القرآن مثاني بالمعنى دا .. وهو إنما كان ذا معنيين اثنين .. ذا معنيين معنيين، لأنه حديث من الرب إلى العبد .. هو حديث من الرب في عليائه إلى العبد في أرضه ..

ويجيء القرآن، برضو في جانب المثاني، ويكون واضح، قال: «حم .. والكتاب المبين ..إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون .. وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم» .. فالقرآن الفي أم الكتاب، اللي هو في ذات الله، جُعل قرآن عربي لعلنا نعقل عن الله .. «إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» .. هذا ما هو نازل إلى أرض العبد، ثم جاءت الإشارة إلى ما هو في الذات، عند الذات .. إلى ما هو الذات: «وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم» .. فالاتنينية واردة بصورة حاسمة .. إذا صح دا، الأمر بيحتاج إلى إعادة نظر في مفاهيمنا نحن ..

قبيلك قلنا في حديثنا الأولاني، أنُّ الشريعة غير السنة .. كأنُّ عندنا شريعة وعندنا سنة .. الاختلاف بيناتن اختلاف دقيق عائز نظر، يكتسب بالعبادة وبالتقوى، «يا أيها الذين آمنوا، إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا» .. والتقوى هي العمل في طاعة الأوامر واجتناب النواهي، وفق علم الشريعة .. ودا المعنى اللي بِهُ، «اتقوا الله ويعلمكم الله» .. دا مفتاح العلم .. التقوى هي مفتاح العلم .. «واتقوا الله ويعلمكم الله» .. ووارد في الحديث النبوي، «من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم» .. من عمل في العبادة بما علم من الشريعة، يعلمه الله الحقيقة .. علمه الله علم ما لم يعلم .. وفي حديث آخر، في نفس الاتجاه دا، «إنما أنا قاسم، والله يعطي .. ومن يرد به الله خيرا، يفقهه في الدين .. ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يجيء أمر الله» .. «إنما أنا قاسم»، أنا مرسل بعلم الشريعة، الذي به يكون العمل في العبادة، في التقوى .. «إنما أنا قاسم»، أنا أعطي الشريعة .. أنا مرسل بالشريعة التي لا تصح العبادة إلا بعلمها ومعرفتها .. والله يعطي الحقيقة ..

فمسألة المثاني، مسألة الاتنينية، في دقة المعاني هي موضوع دعوتنا نحن .. نحن لا ندعو إلى نصوص جديدة، وإنما عمدة عملنا المصحف، الذي بين يدي الناس، والقرآن الذي بين دفتي المصحف .. وما في هناك أمر جديد إلا أن يكون فهم جديد يؤتيه الله لمن يشاء من عباده .. بمحض الفضل، ثم بفضل التعرض للفضل بالتمرس بمنهاج النبي ..

السنة والشريعة .. ممكن تقول ديل من المثاني .. بيناتن شبه وبيناتن اختلاف .. والسنة شريعة وزيادة .. السنة شريعة موكدة .. الحقيقة، إن جئت للمعاني الدقائق دي لتفهما فهم جديد، بتلقى أنُّ، مثلاً، الإسلام إسلامين .. إسلام في طرف البداية، وإسلام في طرف النهاية .. الإسلام الفي طرف البداية هو أقل من الإيمان، والإسلام الفي طرف النهاية أكبر من الإيمان .. يمكن للإنسان أن يقول، أنُّ الإيمان في الوسط ، تحت منه في إسلام في طرف البداية، وفوق من الإيمان في إسلام في طرف النهاية ..

وعندما قالت الأعراب، في رواية القرآن عنهم، «آمنا»، لم يقروا على هذا الادعاء .. جاء القرآن يقول: «قالت الأعراب: آمنا .. قل، لم تؤمنوا ولكن قولوا، أسلمنا .. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» .. أنكر عليهم إدعائهم الإيمان، وردهم إلى الإسلام .. لأنُّ الإسلام، في هذا المستوى، هو مجرد الانقياد الظاهري .. قول باللسان، وعمل بالجوارح .. يقول الإنسان، في الباب دا، أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله .. والإقرار برسالة محمد يوجب عليه إتباع محمد .. محمد قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ وإقام الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ وصوم الشهر؛ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا» ..

إذا كان الإنسان شهد وأقام الأركان، في ظاهر الأمر بين الناس، يبقى دا مسلم، وإن كان منافق .. النبي قد يعلم، بما علمه الله، أنُّ فلان دا منافق .. وهو كان يعلم المنافقين، لكن ما مأمور بأن يقول لِهُم أنتو ما مسلمين .. وهو في الحديث، قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول؛ ويقيموا الصلاة؛ ويؤتوا الزكاة؛ ويصوموا الشهر؛ ويحجوا البيت .. فإذا فعلوا، عصموا مني أموالهم ودماءهم إلا بحقها، وأمرهم إلا الله» .. معنى «أمرهم إلى الله»، أنا ما أمرت أن أطلع على قلوبهن، وأن أخبرهن بما في قلوبهن من نفاق أو من صدق .. فدا إسلام، الانقياد الظاهري وبِهُ المنافق مسلم .. وسمي بالإسلام الذي يحقن الدم من السفك، ويحرز المال من السبي .. فوق لِهُ، البيدخل في العهد دا بصدق في الإسلام البدائي ويعمل بالجوارح في الطاعات، بيتوكد معنى في قلبه .. ما دام هو صادق .. داخل صادق .. بيتوكد معنى في قلبه، يسمى الإيمان .. بعد الإسلام الظاهري .. أو الانقياد الظاهري .. يدخل فيه معنى باطني، يسمى الإيمان، فيكون مؤمن .. والإيمان هو الانقياد الظاهري والباطني ..