((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




سلسلة تبسيط الدعوة - الحلقة الثانية

الجزء الثالث

بعد ما عرف الإسلام بأنه الانقياد الظاهري .. أو قول باللسان، وعمل بالجوارح .. يجيء يعرف الإيمان بأنه الانقياد الظاهري والباطني .. هو قول باللسان، وعمل بالجوارح، وتصديق بالقلب .. فإذا كان الإنسان مشى فيه بإحسان يزيد الإيمان دا، المعنى الداخلي يزيد .. بتصبح العبارة عنه أصح بالعبارة الواردة في الحديث النبوي، «إحسان» .. بعد الإيمان يجيء الإحسان ..

وفي حديث جبريل المشهور، اللي رواه عمر بن الخطاب: «بينا كنا جلوسا عند رسول الله، إذ أقبل رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد .. فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقال: يا محمد، اخبرني عن الإسلام .. فقال النبي: الإسلام، هو أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم الشهر، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا .. قال: صدقت .. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه!! ثم قال: اخبرني عن الإيمان .. قال: الإيمان، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر، خيره وشره، واليوم الآخر .. قال: صدقت .. قال: فاخبرني عن الإحسان .. قال: الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» .. ثم وقف جبريل في أسئلته عند هذا الحد من باب التعريفات في الإسلام، والإيمان، والإحسان، وذهب يسأل عن الساعة .. وذهب الحديث: «فاخبرني عن الساعة» .. متى الساعة؟ يعني .. «قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل .. قال: فاخبرني عن علاماتها .. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان .. قال: فانصرف، بعد أن قال صدقت» .. فانصرف جبريل .. «فقال النبي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم .. قال: هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم» .. الحديث دا مشى في التعاريف من الإسلام، إلى الإيمان، إلى الإحسان، وهي مراق في سلم درجاته فوق بعض واختلافه اختلاف مقدار ..

الأمر دا .. الحديث دا برضو فيه ربكة في أذهان الناس كتيرة، لأنُّ مسألة دقة النظر في المعاني كانت بسيطة .. المعاني ما كانت بتظهر اثنينيتها .. بتظهر واحدة .. يعني، الإسلام، عند الناس، واحد .. وعندهن أنُّ الإيمان أكبر من الإسلام، لأنهن اعتباراتن من الحديث دا، أنُّ الإنسان بيسلم .. ودي حاجة انقياد ظاهري زي ما قلنا، إذا زاد، بيجيء في الإيمان .. طبعًا الأمر دا حقيق وصحيح في بابه .. لكن، أيضًا، في إسلام أكبر من الإيمان .. ودا المعنى النحن بنقول بيه، الإسلام إسلامان ..

هنا، إذا كانت إسلام الأعراب اللي هو دون الإيمان، ربنا أقر الأعراب عليه .. مع إنه في موضع تاني يقول: «الأعراب أشد كفرا ونفاقا، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله» .. لم يقرهم على ادعائهم الإيمان، وإنما ردهم إلى الإسلام .. أها، الإسلام دا لا يمكن يكون هو اللي بيقول عنه ربنا: «إن الدين عند الله الإسلام» .. فلا يمكن أن يكون هو ما طُلب إلى إبراهيم أن يأتيه، «إذ قال له ربه اسلم .. قال: أسلمت لرب العالمين» .. إبراهيم بعد تجارب كتيرة، طلب منه ربنا أن يسلم .. فقال: «أسلمت لرب العالمين» .. وربنا يقول: «ومن يبتغي غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» .. «ومن يبتغي غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» .. الإسلام دا، برضو يمشي يقول فيه: «يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» .. بعد أن أقرهم على الإيمان وسماهن المؤمنون، «يا أيها الذين آمنوا» .. أقرهم على أنهم آمنوا .. ندبهن أن يسيروا إلى الإسلام، فقال: «اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» .. ونحن عرفنا التقوى .. وتقوى الله «حق تقاته»، من أعظم الأشياء ومن أدقها، ولا تتفق في تمامها .. كلما اتقى العابد والعارف الله، من طرف، جهله من طرف آخر .. فتقوى الله «حق تقاته» لا تكون إلا من الله لله، لأنها تقتضي معرفته حق معرفته .. ولا يعرف الله إلا الله .. فهم أُقروا على الإيمان .. سُموا «المؤمنين» .. سُموا «الذين آمنوا» .. «يا أيها الذين آمنوا» قال، وندبهن إلى الإسلام .. فالإسلام دا لا يمكن أن يكون إسلام الأعراب اللي رداهن ليه، بعد أن ادعوا الإيمان، وأنكر عليهن الإيمان، «قالت الأعراب آمنا .. قل، لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا .. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» ..

فإذن في إسلام بعد الإيمان، يتطور ليه الداخل في مدارج الإسلام، من الإسلام الظاهري إلى الإيمان إلى الإحسان .. ثم يترقى في علوم اليقين ليصبح موقن بعد أن كان مؤمن .. مراق اليقين، برضو، تلاتة .. زي ما مراق الإيمان تلاتة، مراق الإيقان تلاتة .. مراق الإيمان: إسلام ظاهري؛ إيمان؛ إحسان .. مراق الإيقان: علم يقين؛ وعلم عين اليقين؛ وعلم حق اليقين .. التلاتة مراتب للإيقان، واردة في القرآن وما وردت في حديث جبريل .. السبب، لأنُّ جبريل جاء للأمة المؤمنة ليعلمها دينها ..

والعبارة بـ«هذا جبريل أتاكم يعلمك دينكم»، الخطاب دا للأمة المؤمنة .. نحن، علمائنا، علماء الدين والفقهاء، ما فهوا المعنى دا، لأنُّ عندهن الأمة، برضو، أمة واحدة .. برضو يسوقنا إلى الثنائية، اللي بنقول عليها «الاتنينية» .. الأمة عندهن أمة واحدة «أمة المؤمنين» .. هي، في الحقيقة، في أمة المسلمين، برضو .. أمة المسلمين ما جاءت لغاية اليوم .. جاءوا طلائعها .. جاءوا الأنبياء، جاءوا الرسل .. وديل كلهم مسلمين .. أممهم مؤمنة بِهُم، أما هم مسلمون .. فهم أفراد، أما المسلمون كأمة لم يدخلوا في التاريخ إلى اليوم .. والدعوة الإسلامية، في تساميها وفي نهايتها، هي، في الحقيقة، لتنجب الأمة المسلمة، في مقابلة الأمة المؤمنة .. فجبريل جاء بالعلم للأمة المؤمنة .. القرآن جاء بالعلم للأمة المؤمنة في المرحلة، لتصير أمة مسلمة في نهاية المطاف .. ودا اللي بِهُ الإشارة إلى أنُّ الأرض ستملأ عدلاً كما مُلئت جورا ..

في مرحلتي الإسلام .. الإسلام في مرحلته البدائية، وفي مرحلته النهائية .. يتوج بالإسلام تاني .. بعد أن كان إسلام بدائي، الانقياد الظاهري، يبقى إيمان بتوكيد المعنى البيدخل في القلب، فيبقى انقياد ظاهري وباطني .. يزيد الإيمان، يبقى إحسان .. التلاتة مراحل دي هي مراحل الأمة المؤمنة، مفتوحة على التلاتة مراحل التانية .. يزيد الإحسان، يبقى علم يقين .. يزيد علم اليقين، يبقى علم عين اليقين .. يزيد علم عين اليقين، يبقى علم حق اليقين ..

فإذا استوت مرحلة الإيقان، أصبحت تتوج بالإسلام الذي هو الإسلام اللي فيه الانقياد الظاهري والباطني، «إذ قال له ربه اسلم .. قال: أسلمت لرب العالمين» .. والحقيقة، إبراهيم يجيء للمرحلة دي بعد أن يُسأل عن الإيمان، فيكون أوفى بالإيمان فيدخل في الإيقان .. «وإذ قال إبراهيم، ربي ارني كيف تحي الموتى .. قال: أولم تؤمن؟! قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي» .. «أولم تؤمن؟! قال: بلى» .. هو منتهي من الإيمان، عائز زيادة عليه .. عائز الاطمئنان .. «وإذ قال إبراهيم، ربي ارني كيف تحي الموتى .. قال: أولم تؤمن؟! قال: بلى (آمنت)، ولكن (عائز الزيادة لاطمئنان القلب)» .. كأنه قال، عائز الإيقان ..

ويجيء القرآن، برضو، يحدثنا: «وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، وليكون من الموقنين» .. ما قال، ليكون من المؤمنين .. «وليكون من الموقنين» .. أها، يجيء يمشي ليقول: «إذ قال له ربه اسلم .. قال: أسلمت لرب العالمين» .. دا الإسلام التاني .. لا يمكن أن يكون الإسلام دا هو إسلام الأعراب، اللي وصله إبراهيم بعد التجارب دي كلها، وبعد أن امتحنه ربه: «وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات، فأتمهن، قال: أني جاعلك للناس إماما» .. «وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات، فأتمهن»، دي الامتحانات الكتيرة الوردت ليه في ممارسته وفي تجاربه، وكان ينزل المنازل من الشك إلى الإيقان .. من الإيمان إلى الإيقان .. ثم طُلب، بعد أن استيقن، طُلب منه أن يسلم، فقال: «إذ قال له ربه اسلم .. قال: أسلمت لرب العالمين» .. فواضح جدًا أنُّ هناك إسلامان ..

بعد أن ميزنا بين أنُّ السنة والشريعة شيئين بيختلفوا اختلاف مقدار، وأنُّ السنة أرفع من الشريعة وأدق وأكبر في تكليفها لأنها قائمة على معرفة أكبر مما تخاطب في مستواه الشريعة الناس، جاء يتضح لينا تمام أنُّ الإسلام نفسه إسلامين .. والحقيقة، الثنائية تنتظم القرآن كله .. كل المعاني اتنين، اتنين، اتنين .. معنى قريب عند العبد، ومعنى فوق رفيع عند الرب .. والاتنين يرد الكلام عنهن بكلمة واحدة، أو بكلمتين الناس افتكروهن معناهن واحد .. في مسألتنا نحن اللي فرغنا منها هسع ترد العبارة عنهن بـ«إسلام» .. يقول، الإسلام .. والناس يفتكروا أنُّ الإسلام شيء واحد، والإيمان أكبر منه .. نحن عائزين نلفت النظر إلى أنُّ الإسلام إسلامان .. إسلام دون الإيمان، وإسلام فوق الإيمان ..

في المسألة التانية اللي تكلمنا عنها في الحديث الماضي تجيء العبارة، «سنة وشريعة» .. الناس يقولوا أنُّ السنة هي الشريعة .. وأكتر من كدا، زي ما قلنا، الناس يفتكروا أنُّ الشريعة والدين شيء واحد .. الأمر عائز دقة في النظر .. الشريعة ما هي غير الدين .. ما في غيرية بمعنى أنُّ الشريعة تشرّق والدين يغرّب، لا .. لكن الاختلاف في المقدار .. الشريعة هي الدين نزل لأرض الناس، ليخاطب الناس على قدر عقولهن ويكلفهن على قدر طاقتهن .. السنة كانت في مستوى النبي، تخاطبه على قدر عقله وتكلفه على قدر طاقته .. ما دام في اختلاف بين طاقة النبي وإدراك النبي وعقل النبي، وبين إدراك الأمة وطاقة الأمة، أصبح لا بد أنُّ التكليف يختلف، في الرفاعة .. فالسنة أدق وأكثر انضباط من الشريعة .. هن معنيين، اختلاف المقدار قائم بيناتن .. الدقة دي بتسوقنا إلى المعاني النحن داعين ليها هسع ..

المعاني الدقيقة البنقصدها هي المطلوبة في الحقيقة .. الفهم الجديد للنصوص .. نحن ما عندنا غير القرآن، كليةً .. وما في إنسان محتاج لشيء غير القرآن، إلا أن يكون فهم جديد للقرآن .. الأمر دا بيحتاج إلى تطبيق السنة كمنهاج فردي في العبادة، لأنُّ حياة النبي هي مفتاح القرآن .. وكأننا بنكون بدِأنا ببعث السنة مجرد من نتوجه لأن نفهم القرآن فهم جديد .. وببعث السنة بيجيء بعث الإسلام ..

على أي حال الزيادة في الحديث عن المثاني سيكون هو موضوع حديثنا المقبل، لأنُّ، برضو، الكلام عنها بيحتاج إلى زيادة توضيح .. ونحن، في الحقيقة، همنا أنُّ الموضوع دا يكون مبسوط بصورة واضحة، لنكون مفهومين عند الناس بالقدر اللي يرفع اللبس من دعوتنا ويوقف التشويه الوارد عليها في الوكت الحاضر ..