في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
سلسلة تبسيط الدعوة - الحلقة الخامسة

امدرمان - مدينة المهدية
٢٧ أغسطس ١٩٧٧

الجزء الثالث

والحقيقة في صور كثيرة منها ينقلوها حتى الناس المثقفين في الوكت الحاضر، لأنُّ، زي ما لاحظنا مرة، كتير من الناس يفتكر أنُّ تفسير السلف للقرآن هو القرآن .. يجوز المسألة دي إذا كان واجهوها بتحديد ما يعتقدوها .. يجوز لو ووجهوا، هل فعلاً يعني تفسير المفسرين، إذا كان ابن عباس، ولّا البيضاوي، ولّا الزمخشري، ولّا أي واحد من الجماعة ديل، هل تفسيره للقرآن هل هو القرآن، يجوز يقف .. لكن، عمليًا الناس بيعتقدوا أنُّ تفسير السلف للقرآن هو القرآن .. ونحن كثير ما يدفع في وجهنا، بأنُّ تفسيرك دا لكن ما قالوه كدا، الناس ما فسروا كدا .. إنت بتفسر القرآن على كيفك؟ لأنُّ، مثلاً، ابن عباس ما قال كدا، ولأنُّ الزمخشري ما قال كدا .. ودا ضمنيًا بيعني أنهم هم بيعتقدو أنُّ تفسير السلف للقرآن هو القرآن .. النقطة دي يجب أن تكون واضحة، أنُّ تفسير السلف للقرآن هو فهمهم عن القرآن .. وفهمهم رهين بتحصيلهم الفردي؛ وبثقافة عصرهم؛ وبعبادتهن؛ ومبلغ تجويدهن للتوحيد .. الحاجة الأساسية اللي ما يجب أن تغيب عن بالنا إطلاقًا هي أنُّ المعاني تؤخذ من الممارسة، مش من الكلمات .. ودا زي ما ضربنا لِهُ مثل بمسالة «الجمل»، يمكن يضرب لِهُ أمثلة كتيرة .. والحقيقة هو ولا يحتاج لِها، لا يحتاج لأن تضرب إنت أمثلة كتيرة في الباب دا، وهو زي البديهة ..

المسألة في حجاب اللغة مسألة كبيرة جدًا .. وبتمشي إلى حدود اللغة تكون معوقة عن الفهم، وحجاب عنه .. وما ينبغي أن يغيب عن البال أنُّ اللغة وضعت للمعيشة اليومية وللممارسات اليومية .. والحقيقة هي تطوير على لغة الأصوات، اللي يمكن أن تُنقل عن الحيوانات .. هي بدأت منقولة عن الحيوانات وتتطورت .. وفي القبائل البدائية موجودة .. وفي اللغات الراقية، مسألة الصوت كلمات موجودة .. مثلاً، لمن نقول «كع» انكسر، أو «طق» انكسر .. ما دا في اتجاه الصوت .. فاللغة نشأت في الأول من الأصوات المطورة من عهد الحيوان .. والحيوانات عندها لغات .. إنت لمن تسمع نبيح الكلاب، أو مواء القطة، أو هنيق الحمار، ما بيصعب ولا بيتوقف عليك أن تعرف أنُّ الصوت دا منبعث من شنو .. وحتى أصوات المعادن، يعني إذا إنت قاعد في بيتك وضُرب باب من بيبانك، بابك، مثلاً عندك باب حديد وعندك باب خشب .. عندما يُقرع باب الحديد، من صوت القرعة، من صوت الحديد، بتعرف أنُّ دا باب الحديد، أو من صوت الخشب بتعرف أنُّ دا الباب التاني .. فكأنُّ اللغة في الحقيقة جاءت من الأصوات ..

والأصوات موروثة من الحيوان، وتتطورت .. وعند القبائل البدائية، بتكون اللغة هي تقريبًا لا تزال واقفة عند مرحلتها البدائية، من أنُّ الكلمات مأخوذة من الأصوات .. ثم الأصوات تطورت في طريق المعدة، طريقة الحاجة اليومية في المعيشة .. ثم جاءت بالاستعارات، بالتشبيهات، لتدخل فيها المعاني الرفيعة .. فهي، مهما كانت، بتظل قاصرة، لأنُّ في أعلى أوجها هي وسيلة العقل لينقل أفكاره، وليتلقى الأفكار .. والمعارف الإلهية فوق العقول .. بل الحقيقة، حتى المعرفة الإلهية بتبتدئ لمن يعجز العقل عن الإدراك .. وقالوا الأوائل: «العجز عن الإدراك، إدراك» .. «العجز عن الإدراك، إدراك»، كأنُّ عندما يعجز العقل عن أن يدرك الله يبتدئ يدركه بالعجز .. بمعنى انه عرف أنُّ هناك معنى هو أكبر من أن يستطيع أن يدركه .. وعندهن أنُّ «الكيف» يمتنع .. في معرفة الله، «الكيف» يمتنع ..

ويجيء الحديث النبوي: «تفكروا في مخلوقات الله ولا تتفكروا في ذاته، فتضلوا» .. ونحن قلنا السبب أنُّ الله ما بتدركه العقول، ما بتحيط بِهُ .. الله ما بيُعرف إلا عن طريق العقول، وما بيُحاط بِهُ عن طريق العقول .. يعني يعرف في فعله بالعقل .. العقل يقول، مثلاً، لكل صنعة صانع .. دي ممارسته اليومية الما تخلفت أصلها .. لكل صنعة صانع .. من هنا تجيء معرفته لي الله صانع الكون، وصانعني أنا وإنت والتالت والرابع .. الله الخالق تدركه العقول .. عندما نمشي نفوت فعله إلى صفته إلى إسمه، اللي هي المراحل البندرك فيها بالإتنينية، بنجيء عند عتبة الوحدانية تعجز العقول عن أن تدركه ..

وربنا في تعريفه لذاته لِنا، لنترقى في المعارف ونسير إليه، جعل في أول درجة من درجات تنزل الوحدانية إلى التعدد، جعل الثنائية .. قال: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون» .. من كل شيء خلقنا زوجين، دي مرتبة العقول .. العقول تدرك بالثنائية .. ربنا خلق الخير وخلق الشر؛ خلق الظلام وخلق النور؛ خلق الحلو وخلق المر، وبضدها تتميز الأشياء .. فإذا سرنا إلى أن جئنا في مرتبة الواحدية، يعجز العقل عن السير .. ويبقى الإيمان هو رفيقه، وهو اللي على نوره يسير العقل إلى أمام .. ونحن أوردنا في الآيات اللي قرإناها في مسالة «والأرض فرشناها فنعم الماهدون» إلى أن جاء قال: «ففروا إلى الله» .. قال: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون .. ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين» .. «ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون»، لتستطيعوا أن تعرفوا، لتستطيعوا أن تعلموا .. و«تذكرون» دي بالمناسبة، لأنُّ برضو العلم ما هو شيء جديد علينا .. نحن ما بنتعلم شيء جديد، بنتذكر شيء نسيناه، لأنُّ الحقيقة الأزلية مركوزة في قلوبنا وغطى عليها الران، «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» .. فالحقيقة مركوزة فينا ولكنا نسيناها في مضمار سيرنا في المكان وفي الزمان .. فجاءت الأشياء اللي تذكرنا .. فلذلك قال: «لعلكم تذكرون» .. تجيء العبارة: «ففروا إلى الله، أني لكم منه نذير مبين»، هي الحقيقة دعوة إلى أن نسير من التعدد إلى الوحدة .. وفي سيرنا من التعدد العديد إلى الوحدة بننزل أقرب منزلة من الوحدة وهي منزلة الاتنينية، منزلة الثنائية .. «ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون .. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين»، فروا من ما له ضد إلى ما ليس له ضد، فروا من التعدد إلى الوحدة ..

القرآن بيستعمل ظاهر اللفظ في مستويات العقول، في أعلى ما يمكن أن تستعمل اللغة لتكون في مستويات العقول .. وعندما تتخلف العقول تجيء الإشارات اللي توجب السير خلف الإشارة .. والقرآن نفسه واضح في أنه عندما استعمل اللغة، لأعلى ما يمكن أن تحمل اللغة في خطاب العقول، جاء ليوري الإشارة .. فتلقى أنه يجيء بـ«ألم» وهي بطبيعة الحال ليست لغة عربية، إنما هي إشارة .. والحروف، زي ما هو وارد أنُّ، معناها في غيرها .. فكأنُّ القرآن بيقول: مطلوبكم أمامكم، سيروا خلفي إليّ .. ودا مستوى ما يعطي القرآن معنى للعقول .. دا في مستوى ما تعطي الكلمة .. والكلمة ما يؤخذ معناها على ظاهر نصها، وإنما تُتابع إلى ما بعد ظاهر النص .. زي ما قلنا، القرآن في الكلمات يُفهم بتعاون التوحيد مع الكلمة .. ثم دا في الحقيقة يوصلنا إلى الإشارة، والإشارة توجب التبع، توجب التسليم والانقياد، ودا هو معنى الإسلام ..

وكما أن القرآن يماشي وهم الحواس، فهو أيضًا يماشي وهم العقول .. وهم الحواس أمر بسيط إذا ما قيس بوهم العقول .. هو أمر أقل خطر بكتير جدًا .. لكن الشاهد أنُّ القرآن في ظاهر نصه يماشي الوهمين، وهم الحواس ووهم العقول .. وغرضه أن ينقل الناس على هينة وفي حكمة من الوهم إلى الحقيقة، بدون ما يعنتهم ..

وهم الحواس بيتعلق بالكون الخارجي، يتعلق بآيات الآفاق، ووهم العقول يتعلق بالكون الداخلي، بآيات النفوس .. كوننا نُسمى أكثر أهمية لأنُّ الكون الداخلي أكثر أهمية من الكون الخارجي .. ونحن وسيلتنا إلى الله أن نسير بالكونين، بآيات الآفاق وبآيات النفوس .. ولذلك قال: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد!» .. «سنريهم آياتنا في الآفاق»، دا ما تعطيه الحواس، بالذات العين، فيما نحن بصدده من أنُّ الأرض مسطحة، وأنُّ النجوم صغيرة كأنها البلالي .. «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم»، بعدين «في أنفسهم» دي هي آيات العقول .. والحواس هي أبواب العقل على الكون الخارجي .. وما يدركه العقل يأخذه من معطيات الحواس .. ثم العقل يغربل .. نحن عندنا واضح أنُّ في وهم في الحواس .. العقل يغربلها ويعرف أنُّ الوهم دا عنده حد يستطيع أن يوقفه فيه مثلاً .. زي ما يمكن أن يُضرب مثل بالإنسان الوقف في خط السكة حديد .. العين توري أنُّ هناك في الأفق القضيبين بيتلاقوا، أو يكادوا يتلاقوا، المسافة بيناتهن قلت .. لكن العقل يدرك، في نفس اللحظة اللي فيها وهم الحاسة بملاقاة الخطين، العقل مدرك أنُّ الخطين ما بيتلاقوا .. بيعرف أنُّ دا وهم حاسة .. وهم الحواس دا موجود ويؤثر على عقول العقلاء في المسائل اللي بعيدة المدلول .. وكل عمل العقول، في الحقيقة، أن تغربل معطيات الحواس لتنفي عنها خداع الحواس ..

آيات النفوس اللي هي طبقات العقل ومستويات العقل، الوهم الفيها وهم كبير جدًا .. برضو القرآن يماشيه ليمشي معه بعض الطريق .. كأنه بيمشي معه بعض الطريق في رفق وفي هون، ليحوله من وهمه إلى الحقيقة .. وفي أمر مماشاة وهم العقول، الأمر خطير جدًا، ويصعب على كبار العارفين أن يتخلصوا منه ..

وهم العقول جائيها من أنُّ نحن عندنا حركات تلقائية .. نحن نستطيع أن نقوم، وأن نجلس، وأن ننام، وأن نرفع يدنا، وأن نصوب بصرنا، وأن نغض بصرنا .. عندنا حركات تلقائية .. الحركات التلقائية دي أوحت للعقول أننا نحن عندنا إرادة، نحن مخيرون، العبارة الكتيرة بتساق في مسألة التخيير والتسيير .. كوننا عندنا حركات تلقائية نحن مسيطرون عليها، أوهم العقول أننا نحن عندنا إرادة مستقلة عن إرادة الله، نحن مخيرين ..

ومسالة التخيير والتسيير هي قمة الفلسفة وقمة التوحيد .. الفصل فيها أعيا كبار العارفين .. وبطبيعة الحال في الإسلام كانت في فِرق تمشي في اتجاه أنُّ الإنسان مخير وأسست دعواها وفلسفتها على القرآن، وظواهر النصوص مستفيضة في تأييدها، وبنوه على فهم يقوم على أنُّ العقاب في الدين، الجزاء على عمل الخير وعمل الشر، قائم وهو مفهوم من الدين بالضرورة .. وعندهن عقلاً أنُّ إذا كان الإنسان ما مخير، عقوبته على الشر بتبقى ظلم .. وتنزيه الله عن الظلم أوجب أن يشوفوا أنُّ الإنسان لازم يكون مخير .. فريق تاني، هو فريق الصوفية، بيرى لو أنُّ الإنسان مخير وأنُّ اختياره نافذ، بيكون هو شريك لي الله في الفعل .. ولذلك وجب أن يكون الإنسان مسير .. مجرد وحدة الفاعل، اللي هي قاعدة التوحيد، الفاعل في الكون واحد، وأنُّ الإرادة النافذة واحدة، النظرة التوحيدية أوجبت أن يكون الإنسان مسير ..

الإنسان مسير في كل كبيرة وصغيرة، في نفسه الطالع والنازل، هو مسير .. المسألة دي بتبحث عن تبرير العقاب في معاني دقيقة من معاني الحكمة في الفعل، وهي طبعًا الصحيحة .. لكن الشاهد أنُّ القرآن مماشاته لأوهام العقول أعطت خطأ كبير جدًا عند الناس الما مارسوا ليأخدوا معانيهم من التوحيد ..

الناس الأخدوا معانيهم من ظاهر النص، أخطأوا خطأ كبير جدًا، وأدى إلى ضعفهم في التوحيد، وفي اعتقادهن، أرادوا أو لم يريدو، إلى أنُّ في الكون مريدين، في الكون فاعلين .. ودا بطبيعة الحال شرك .. هم وجدوا السند من النص، وما فطنوا إلى أنُّ النص بيماشي الوهم .. مثلاً، لمن ربنا يقول: «لمن شاء منكم أن يستقيم»، ما هدي آية، «لمن شاء منكم أن يستقيم»، معناه أنُّ العائز أن يستقيم، البيريد أن يستقيم، يمكنه أن يستقيم، ويملك أن يستقيم .. وكما أنه يملك أن يستقيم، يملك أن ينحرف، يملك أن يضل .. لأنُّ الإنسان، في الآية دي، «لمن شاء منكم أن يستقيم»، يمكن أن يستقيم ويمكن أن ينحرف عن الاستقامة، يمكن أن يهتدي ويمكن أن يضل .. ودي بتماشي الوهم اللي أخذته العقول من الحركات التلقائية .. والآية البعدها طوالي تقول: «وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين» .. نحن، زي حكاية أن الأرض مسطحة بتحجبنا عن أي اعتبار آخر، لأنُّ النص بيمشي مع البداهة .. كذلك، في مسألة حقيقة المشيئة والإرادة الواحدة، وهم أننا عندنا إرادة مع إرادته بتاخذ من الآية دي طوالي وبتنحجب عن أي شيء تاني، لأنُّ ظاهر النص مشى مع البداهة المعاشة، هي أننا نحن بنملك إرادة .. الإرادة دي جائيانا من حركاتنا التلقائية البنعرفها، نريد أن نأكل؛ نريد أن نمتنع عن الأكل وننفذ إرادتنا؛ نريد أن ننام أو أن نستلقي، على الأقل، أو أن نقوم نتمشى .. دي أعطتنا أنُّ المعنى، ظاهر النص، مع البديهة المعاشة، دا معنى القرآن وما في معنى غيره .. وانحجبنا عن «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين» ..