في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
سلسلة تبسيط الدعوة - الحلقة السادسة

امدرمان - مدينة المهدية
٢٧ أغسطس ١٩٧٧

الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
«إنا أنزلناه في ليلة القدر .. وما أدراك ما ليله القدر! ليلة القدر خير من ألف شهر .. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر .. سلام هي حتى مطلع الفجر» .. صدق الله العظيم ..

ثم إنا بعد التبرك بهذه السورة العظيمة نأخذ في حديثنا السادس، من سلسة أحاديثنا في تبسيط الدعوة الإسلامية الجديدة .. كان آخر حديثنا الخامس انتهى إلى الحجاب الذي يسدله علينا مألوف العادة عندما يتفق مع ظاهر النص .. ومألوف العادة، في هذا الباب، كان الإرادة المتوهمة .. الإرادة التي زعمناها لأنفسنا وصدقناها من حركاتنا التلقائية .. حركاتنا التلقائية ساقتنا إلى وهم أننا عندنا إرادة ..

وكنا وقفنا عند الآيتين: «لمن شاء منكم أن يستقيم .. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين» .. وقلنا أنُّ مألوف العادة، الغفلة التي تورطنا فيها من مألوف العادة، وهي كوننا عندنا إرادة، عندنا مشيئة، مستقلة جاءت اتفقت مع ظاهر النص في «لمن شاء منكم أن يستقيم» فحجبتنا عن آية «وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين» .. والآية الأولى آية شريعة .. «لمن شاء منكم أن يستقيم»، دي آية شريعة .. «وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين»، دي آية حقيقة .. وآية الشريعة هي القريبة لِنا، وآية الحقيقة بعيدة مننا .. مرحلة لقدام .. والشريعة، بطبيعة الحال، قائمة على مجاراة الوهم، قائمة على الرفق بينا لتنقلنا على هينة وعلى مكث إلى حقيقتنا .. شريعتنا أننا عندنا إرادة وعندنا مشيئة .. حقيقتنا أنُّ المشيء واحد والمريد واحد .. ولكن دا لا يكون إلا إذا وصلنا ليه عن طريق اليقين، عن طريق العلم الذوقي الذي يجيء نتيجة للممارسة .. نمارس في شريعتنا عبادتنا تثمر لِنا في حقيقتنا عبوديتنا .. عبوديتنا تقتضي أن نذعن للمريد الواحد وللخالق الواحد فهو رب ونحن عبيد ..

قلنا أنُّ الشريعة بتماشي الوهم .. بمعنى أنها بتترفق بالناس .. في الحديث النبوي: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» .. وفي القرآن: «لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها» .. وفي حديث برضو في ناحية الرفق بالناس، توري حقيقة أمر الناس، يقول: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .. الناس نيام من شدة الغفلة .. والغفلة تجيء من العلم الناقص، زي ما قلنا، الذي تعطينا إياه حواسنا عن الكون حولنا بما فيه الناس والأحياء والأشياء والأجرام .. كلها فكرتنا عنها بتبتدئ من جهل شديد بها وبعد سحيق عن الحقيقة .. ثم باستمرار نحن نحسن في معلوماتنا ونغربل فيها ونمشي بها نحوالانضباط والدقة .. فعندما قال «الناس نيام» شبهن بالنائم من شدة غفلتهن .. والنائم يخاطب عن طريق الأحلام .. والأحلام تجيء بصور تمد لِهُ في نومه ولا تزعجه .. أحيانًا لغاية ما تنتهي الحلمة والإنسان مستمر نائم .. وأحيانًا في نهاية الحلمة يستيقظ .. لكن، الشاهد أنُّ مخاطبة الأحلام لِهُ بلغة الصور، بالصورة ديك، تمد لِه بعض الوكت حتى يستيقظ منزعج أو مرتاح، أو حتى لا يستيقظ ويستمر في رؤيا بعد رؤيا وفي نوم عميق .. «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .. طريقة مخاطبة الشريعة للناس قائمة على اعتبار أنهم نيام، أنهم غافلين وأنهم يُمد لِهم في وهمهم قليل قليل لينقلوا منه، من غير ما ينزعجوا، إلى الحقيقة اللي كانت مجهولة في أول الأمر وهي قدامهن دائمًا .. كلما وصلوا إلى حقيقة تظهر قدامهن حاجة إلى أن يسيروا إلى حقيقة أكبر منها ..

ويجيء: «خذ العفو»، أمر ربنا لنبينا، «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» .. في حديث يقول فيه: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» .. ودا ورد في أشرطتنا دي .. «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، ثم قال: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» .. فـ«أدبني ربي فأحسن تأديبي» دي مرحلة النبوة من تهيؤه للرسالة ..ثم جاءت الرسالة في «خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين» .. «خذ العفو»، يعني لا تكلف الناس شطط .. خذ منهن الهينة، الحاجة البتجود بها أنفسهن من غير أن ينزعجوا، من غير أن يُعنتوا .. وفي الحقيقة، يرد الكلام دا برضو في القرآن، في: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. عزيز عليه ما عنتم؛ حريص عليكم؛ بالمؤمنين رءوف رحيم» .. «ما عنتم»، يعني ما شق عليكم يعز عليه ويشق عليه .. فعائز لِكم برضو الهينة والقريبة من إمكانكم ومن إدراككم .. فمن هنا جاءت: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» .. ومن هنا جاء مجاراة أمر الدين لوهم الناس، ريثما ينقلهم .. والحقيقة، مرحلة السير نحو الله بتنتقل من الكثائف نحو اللطائف .. الأشياء الغليظة تكون في المرحلة مطلوبة لأنُّ الناس ما بيطيقوا أفضل منها .. ثم هي مرحلة لتنقلهن لما هو ألطف منها .. فكأنما الناس في التدرج نحو الله بيرتفعوا من وهم إلى وهم .. يرتفعوا من وهم إلى وهم لأنُّ الناس سايرين في معرفة الحقيقة المقسطة، الحقيقة البتنزل منازل الحق ..

معرفة الله بتقع على مستويين: مستوى الحقيقة، ومستوى الحق .. الحقيقة هي معرفة الذات، وهي ما عندها ضدية .. الحق معرفة المنازل في الأسماء والصفات والأفعال، ودي عندها ضدية .. وكل حق فوق لِهُ حق أكبر منه .. وكل حق اليوم يصبح باطل غدًا .. فدا المعنى اللي أنُّ بينزلوا الناس منازل في السير ويتنقلوا من وهم إلى وهم .. أو من حق اليوم، بكرة عندما تظهر معارف أكبر يصبح ما هو حق اليوم باطلاً غدًا وينتقلوا ليه .. زي ما هو الحال، مثلاً، في اليهودية والنصرانية والإسلام .. الدرجات التلاتة في الدين الكبير الإسلام .. الدرجات الكبيرة، في الدين الكبير اللي هو الإسلام، دي زي حقوق نسبية والناس منطلقين ..

والحقيقة أنُّ أصلو غير الإسلام ما في شيء في الأرض .. وكل الأنبياء جاءوا بالإسلام .. لكن كلهم جاءوا بأقساط منه، إن شئتم .. فكانت اليهودية حق .. عندما جاء المسيح أصبحت، عند من بلغته دعوة المسيحية، اليهودية باطلة والمسيحية حق .. وعندما جاء الإسلام، عند من بلغته دعوة الإسلام، أصبحت المسيحية باطلة .. والإسلام أيضًا منزلتين: المنزلة الأولانية ما دعي لها الناس في القرن السابع، ودي ما سميناها نحن «الرسالة الأولى» .. وكان النبي في نفس الوكت دعاهم للرسالة التانية .. عندما عجزوا عنها نسخت وظلت في حق النبي وحده، كنبي .. ورسالة النبي نزلت إلى مستوى هو ما بنعرفه اليوم وما سميناه نحن بـ«الرسالة الأولى» .. هي برضها عندما بلغت الناس أصبحت المسيحية باطل ودعوة النبي هي الحق .. اليوم عندما تبلغ الناس دعوة «الرسالة التانية»، عندما تبلغهن الدعوة إلى «السنة» اللي عجزوا عنها الناس في الماضي، واللي هي مطلوبة في المكان الأول بالأصالة، عندما تبلغهن الدعوة دي تصبح الدعوة القديمة باطل والنبي هو القدوة وهو المطلوب اتباعه .. وعندما يجيء وكت اتباعه من لم يتبعه لا يكون على شيء .. والحقيقة، القرآن عندما يقول: «ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» يشير إلى ما كان عليه النبي من الدعوة الإسلامية الكبيرة اللي سميت في الدعوة الجمهورية بـ«الرسالة التانية من الإسلام» ..

الرسالة التانية من الإسلام هي سنة النبي .. وكانت هي مجال ومحور الدعوة في أول الأمر في مكة وقامت بها آيات الأصول، الآيات المكية .. وعندما ظهر، ظهور عملي، أنُّ الآيات المكية كانت أكبر من الناس في الوكت الماضي سُحبت «نُسخت» ونُزل منها إلى الآيات المدنية والسور المدنية وقامت عليها الشريعة، وهي موضوع «الرسالة الأولى» ..

الشاهد أنُّ الناس بينزلوا منازل في معرفة الحق .. وبيتنقلوا بين حق إلى حق .. أو، زي ما قلنا، من وهم إلى وهم .. كأنُّ معرفة الحق هي أيضًا دون معرفة الحقيقة .. هي دون معرفة الله .. والحق عنده الضدية .. الحق ضده الباطل .. ونحن عقولنا لا تستطيع أن تميز إلا إذا وجُدت الضدية .. والله ما عنده ضد .. ولذلك لا تحيط بهُ العقول وإن عرفته العقول بمعنى دلت عليه .. لأنُّ كل حق يدل عليه في المنازل المختلفة .. والحق معرفة آيات الكون، ومعرفة الحكمة في فعله في آيات الكون .. ودي نفس الصورة اللي بها «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد!» .. عندما قال: «أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد!» كأنما في صورة توبيخ ملطفة .. أنُّ إنتو بتعرفوا الخالق بالخلق، مش أولى أن تعرفوا الخلق بالخالق! فدي المعرفة الكبيرة اللي بتُدرك عند إدراك الحقيقة .. وإدراك الحقيقة، تكلمنا عنه قبل كدا، هي ما هو منزلة، أو مقام إحاطة، وإنما هي منزلة شهود ..

الشاهد أنُّ الأوهام البتماشيها الشريعة كتيرة .. وأنُّ الناس إذا ما جودوا التوحيد، بيظلوا فعلاً في منطقة الأوهام .. والوهم التكلمنا عنه وسميناه «وهم العقول» هو حاجز وحائل وحجاب كثيف جدًا من معرفة حقيقة كبرى، هي معرفة التوحيد الدقيق في مستوى التسيير والتخيير ..

وفي أمر التخيير والتسيير ما من أحد يرى أنّ الإنسان مخير في ذرة من ذرات زمنه أو فعله أو فكره إلا وهو مشرك .. وأصل الشرك إشراك إرادة المخلوق مع إرادة الخالق ..

أصلو ما عُبدت الأجرام ولا عُبدت الأصنام إلا لأنُّ الإنسان مشرك إرادة مع إرادة الله .. فإذا أسلم إرادته لإرادة الله يصبح هو دا التوحيد .. وإن ظن أنه مريد، في أي مستوى من المستويات، فهو مشرك ..

والأمانة التي عرضت على السماوات والأرض، في قول الله: «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً»، هذه الأمانة، هي الإرادة .. هي الإرادة الاستشعرها الإنسان عندما أوتي العقل .. وأصبح بهذه الإرادة مكلف، وجبت عليه الشريعة .. علم أنّ دا حرام ودا حلال، وأُوجب عليه اجتناب الحرام .. وجب عليه عمل يعمله وعمل يتجنبه، وجبت عليه الطاعات ونهي عن المعاصي .. دي كلها اترتبت على اعتبار أنُّ هو بيشعر بأنه مريد .. والشعور دا إذا كان تمادى بِهُ إلى أن يظن أنُّ إرادته ما محاط بها، ما مخلوقة لِهُ، ما ها تابعة للإرادة الواحدة، يبقى دا شرك .. والقول: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» فيها إشارة إلى الأمر دا .. الأمر الكبير اللي وارد تحت الطاعات كلها من عبادات ومن معاملات إنما يستهدف أن يسلم الإنسان الأمانة إلى صاحب الأمانة .. كأنُّ الإرادة، عندنا نحن، أؤتمنا عليها .. هي لله في الأصالة وهي لِنا نحن في الحوالة .. وعليها وجب التكليف .. وبوفاءنا بالتكاليف نصل إلى علم ذوق بأنُّ المريد واحد ..