وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

لماذا يتوارى العباد المجودون في الظلام عند القيام؟

ندوة الخليفة - مدينة المهدية - ١٩ يناير ١٩٧١

لماذا يتوارى العباد المجودون في الظلام عند القيام؟

سؤال شيخ أحمد: لماذا العُبّاد المُجوّدين بيتواروا في الظلام وما بيدوروا النور؟
بعدين قرني قال البيت بتاع ابن الفارض، أو بيتيهو: إن بيتًا أنتَ ساكنُهُ - دا إبن الفارض:
إن بيتًا أنتَ ساكنُهُ غيرُ محتاجٍ إلى السُّرُجِ
وجهُك المأمولُ حُجّتُنا يومَ يأتي الناسُ بالحُجَجِ
قرني بيرى أنه في دا ردّ على شيخ أحمد.. وما في ضير في أن يكون في رد عليه، لكن شيخ أحمد بينتظر تفصيل.
"إن بيتاً أنتَ ساكنُهُ" ـ بتاعة ابن الفارض ـ "غير محتاجٍ إلى السُّرُجِ".
عايز يقول أنه البيت اللي أنت بتسكنه، اللي هو القلب، ما محتاج لفنَايِر وشمعدانات وسُرُج - جمع سراج - لأنه ذاتك فيها نوره، بيستنير بشمس الذات يعني.
والسُّرُج هنا العبادات - الأعمال - كأنّه القلب البتظهر فيه ذات الله، أصبح ما هو محتاج للأعمال -ليه؟ - قال: "وجهك المأمول حجَّتُنا، يوم يأتي الناسُ بالحُجَجِ".
يوم يجوا الناس يقولوا: في حسناتهم كدي، في سيئاتهم كدي، عملوا، وصلوا، وصاموا، وزكّوا، وحجوا، ومن السيئات حصل منهم كدي وكدي.. كأنه المسائل الظاهرة طبعاً.. هو قد يولّع النور في الليل، ثم النور موش راح يبعث الحركة الخارجية برضو.
هو أصله قيمة الليل، "إن ناشئة الليل هي أشد وَطئاً وأقوَمُ قِيْلاَ".. دي بتجي من أنّه الظلام بيقيّد الحركة.. كل الحركة بتسكن، الحركة في الجلبة بتاعة النهار، بتسكن.. وأُذُنك ما بتكون مشدودة لأصوات تصلها لتشغلك وتوزعك.. كمان الظلام بيقيّد النَّظر، ما يكون بيوزعك.. وده ممكن تسقطه لما تولّع النور.. الحركة الخارجية ما بتسقطها لمان أنت تولّع النور في اوضتك.. الحركة الخارجية راح تظل ساكنة، لكن أنت عينك بتلتقط أشياء كتيرة في اوضتك ذاتها، بتوزعك.
بعدين بيكون في... يعني، النور بيوقظ الحِس.
هسع مثلاً بعض الناس لما ينوم في النور، ما بينوم نوم هادي.. ويكاد الموضوع ده ينسحب، على تفاوت، على الناس كلهم.. نوم النهار ما زي نوم الليل، لأنه الضوء عنده تفاعلات مع الحِس، لما يلامس الجلد أو يصل إلى العين أو يصل إلى الآذن.. الضوء، بصرف النظر عن الصوت، بيخلّي الاستغراق في السبات أقلّ - في النوم أقلّ.. دي برضه بتفقدها لمّان تولّع النور.
بعدين، زي ما قال عبد اللطيف: "الظلام عنصر النفس".. نحن نقول: النفس ظُلمانِيّة، والروح نورانية.. لأنها النفس جاية من ظُلُمات إبليس - من ظُلُمات الشهوة، وظُلُمات الجِبِّلة، وظُلُمات الطين، ظُلُمات الخطيئة... كل الأشياء دي.. فهي فيها من العنصر ده أكثر.
بعدين هي جاية من الغَيْب، والغَيْب في الظلام أكثر.. الغَيْب، لأنه في الظلام، أنت الحاجة اللي قدامك بـمترين ـ حسب الظلام ـ قد يكون بمترين ما تشوفها.. فكأنّه عنصر الغيب فيه.
فالنفس رُِدَّت إلى عنصرها.. بعدين، في الظلام، في الوَحْشَة.. والوحشة دي بتخلي حاجتك أكثر من استغناك.. وده السبب اللي يخلينا لمان نكون ماشين برانا في الخلاء، أو في المحل المظلم، نخاف، من حيث لا نشعر.. مش يعني الشجاع والجبان بس، يجوز الجبان بيظهر جزع أكثر من الشجاع.. لكن عنصر الخوف في الإثنين يكون فيه.. لأنه أنت بالنهار، شايف من بعيد، كان في حاجة بتضرك، أهي دي، أنت بـتحتَرس منها.. لكن في الظلام، النفس تخيّل ليك، قد يقهمك شي، وأنت ماك عارفه.. قَدْ يضربك عود، يضربك وتد، تقع في حُفْرَة، يجي ماشي عليك حرامي، يجي ماشي عليك كلب.. راصد ليك شيء.. دي من الصور اللي بتجي للنفس، نفس الشجاع ونفس الجبان.
هي النفس أصلها، ما في نفساً ما بتعرف الخوف.. لكن الشجاع عقله بيتماسك، والجبان بيجزع، ويظهر جزعه وخوفه للناس الآخرين، لأنه عقله ضعيف، ما قادر يسيطر.. لكن عنصر الخوف في الإثنين فيه.

العنصر ده موجود في الغَيْب، الفي الظلام.. في تفتّح بالحاجة.. أها دي برضه من مما يسوق العُبّاد للعبادة..
في كمان السِّر، أنتَ قمت بالليل، زي ما العشّاق عايزين يلتقوا بالليل، ما تطلّع عليهم الأعين..
لذلك، إنت مع الله.. عايز (ليك فترة) سِّر، ودي فيها عنصر المحبة والغيرة على الحبيب.
"ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا" - "خلوتُ" شايف؟.. "وبيننا سِرّ".. سِرّ معناها ما اطَّلعوا عليه الآخرين.
أها الظلام بيستر السِّر ده.. ولذلك، أنتَ تقوم تصلي، والناس الآخرين ما عارفين.
أول ما تولّع النور، خلاص، السِّر انكشف.. إن صليت بالنهار؟ برضو سِرّك ما زي معصوم زي الليل.
ها دا العنصر ده فيه السِّر.
والمعرفة بين العبد وبين الرب الصوفية سموها السِّر..
بالسِّر إن باحوا تباح دِماؤهم..
إن بقى إنت بتصلي بالليل، وقمت إنت ولّعت النور، أبحت السِّر.
ومنهم اليمشي برَاحة، يتكتّم على الحركة دي.. ومنهم اليصلّي بصورة الآخرين ما يسمعوها.. ده سر.. آ دا من عناصر الإخلاص.. السِرّ في العبادة من عناصر الإخلاص.
النفس عايزة الناس يطّلعوا عليها، عشان بكرة يقولوا إنت صليت بالليل، والله إنت صلاي.. والله فلان ما بنوم.. أها ده سرق من إخلاصك، وعمل عبادتك مُعلنة، كأنما أفشيت السِّر البينك وبين الله.. والبيفشي السر ما بيلقى السر..
"إن المحب إذا اختفت أسراره"، قالوا كده، "ظهرت على وجناته أنواره."
هسّع الصلّايين بالليل، ما معروفين، عشان كده.. والصوفية يقولوا: الليل وسَّام.. ما بلاقوا زول بيقوم الليل، ما بيعرفوه.. الما بيقوم الليل ظاهر، والبيقوم ظاهر، عندهم يَشمّوه شَم.. الليل وسَّام يقولوا..
"إن المحب إذا اختفت أسراره، ظهرت على وجناته أنواره".
السِّر، اللي هو المعرفة بينك وبين الله، الليل عنده طرف منها، لمان أنت تصلي في الليل، وكاتم، والناس ما عارفين..
كثير.. الكلام في المسألة دي بيكون كثير جدًا، وعنده أطراف كثيرة في الحقيقة.
ده السبب في أنه العُبّاد المجوّدين، عايزين الظلام، ما بيدوروا النور، بيزعجهم النور ما بيحبوه.
كان في قمر برضو يكوسوا ما أمكن أن يمشوا للظل والزاوية.. وكان في ظلام أصله، بطبيعته برضو، تلقاهم في زاوية.
أهم حاجة أن يكون عملك في الليل سِرّ، إلا إذا كنت قوي، خلاص، ما بتخاف الرياء.. وبعدين إعلانك لصلاتك دي، بنشط ناس آخرين.. إن إنت وثقت من دي، يبقى الإعلان في حقك بيجيب لك فوائد كثيرة.. لأنه خيرك بقى متعدي لآخرين.
لكن كل سالك في بداية أمره، السِّر أولى ليه من الجهر.. ألّا يكون معروف أنه قوّام، أفضل من أن يكون معروف أنه قوّام.. لغاية ما يستوي، ويقوى، ويأمن على نفسه من الوساوس ومن الرياء.. في الوقت داك، قد تنتقل الفضيلة إلى إعلان صلاته، عشان تبقّر ناس آخرين.. يبقى في الحالة دي، ليك أجر القائم كلّه.. القوّمته كلّه لك نصيب من أجره.. النشّطه كلّه، لك نصيب من أجره.
لكن، ما بتعمل دي قبل ما تأمن على نفسك، من إنك إنت ما يكون عملك فيه رياء.
لأنه عملك، لو فيه رياء، ما بسوّي الآخرين.. العمل اللي فيه رياء، ما يصلح.. هو ذاتك، ما بيصلحك.. كيف يسوي الآخرين، كمان..
فتستوثق من دي لكن أسروا بعملكم.. أسروا بعملكم في قيام الليل..
أها دا السر يا شيخ أحمد.
ـ