ونحن نوشك أن نغادر مدينة الأبيض ونجد أننا مفهومون من الجمهور بصورة لم يسبق لنا بها عهد.
ونرى أن إخواننا الذين أوتوا نصيبًا من الفقه، من العلم بالدين، هم الذين لا ينظرون إلى الأشياء بقريب مما ننظر.
وما نعتقد أنه يمكن أن يحول بينهم وبين أن يفهمونا شيء في استعدادهم إذا صبروا.
فإنا نعلم أنهم قد درسوا، كثير منهم قد درسوا الفقه وتفقهوا في الدين.
وأنهم يسمعون حديثًا غريبًا لا يجدون عليه صبرًا.
ونحن ندعوهم في هذه الليلة أن يصبروا قليلًا.
فإنا نؤكد لهم أن هذا الذي ندعو إليه هو الإسلام. ولن يكون هناك فرصة، لن تكون هناك فرصة لعودة الإسلام إلا على الطريق الذي ندعو إليه.
ومعروف، وقد ذُكِّرنا البارحة به، أن ليس هناك اجتهاد فيما فيه نص.
وأن الوضع فيما فيه نص هو الإتباع.
ولكن فيما نتحدث نحن عنه، في معنى ما نقول أن هناك مرحلتين للدين، هناك مرحلة الإيمان ثم مرحلة الإيقان. الأمر اللي بقول أن هناك مرحلة للإيقان لم نُسبق عليه.
وأن هذا القول مستمد من القرآن.
وأن الإسلام بداية ونهاية. وأن الإسلام البدائي دون الإيمان، وأن الإسلام النهائي فوق الإيمان.
هذا قولٌ لم نُسبق عليه.
وفي هذا المجال يجيء الخروج عن مألوف الاجتهاد.
لأن البشرية قد كانت تسير في مرحلة الإيمان في ترقٍ قريب من قريب، الزمن لا يفعل فيه مفعولًا كبيرًا.
المجتمعات البشرية قبل الحرب الأخيرة، قبل ٢٥ سنة، كانت قريب من قريب.
المجتمعات في القرن الثامن والقرن التاسع والقرن العاشر، ونحن نتكلم عن الهجري، ونحن الآن في القرن الرابع عشر في أخرياته. المجتمعات إلى بداية القرن أو نص القرن الرابع عشر كانت قريبة.
ولذلك قيل أنه باب الاجتهاد قُفِل فيما فيه نص. ثم يكون التوسع بالقياس وبالإجماع. القياس أكبر باب يفتح التطور للفقه، كان بهذه الصورة.
لكن، منذ ٢٥ سنة، البشرية قفزت قفزة ما عندها شبيه في التاريخ إطلاقًا. والقياس يسقط تمامًا.
لأنك ما ممكن تقيس قضية في الوقت الحاضر بقضية كانت قبل ٤٠ سنة.
منذ أن انطلق الإنسان، وانطلقت الطاقة النووية بالصورة المعروفة عندنا، وذهب الإنسان يبحث في أعماق المحيطات وفي قمم الجبال وفي الفضاء الخارجي، أصبحت البشرية في طور جديد من النمو.
كأنما البشرية مواجهة مجتمع جديد تمامًا.
هي في الحقيقة بتعيش في كوكب جديد تمامًا. الأرض دي الكانت واسعة وبعيدة الأطراف وما نعرف عن النواحي المختلفة فيها الكثير، أصبحت منكمشة وقريبة والناس أصبحوا فيها جيران. الحادث يحدث في أي طرف منها، تسمعه أنت في نفس الوقت الحصل فيه وتتجاوب معاه.
زلزال في إيران تسمعه في نفس الوقت وتجد نفسك متعاطف وكأنما تتصور الأطفال والنساء والمساكين من الناس ماتوا تحت أنقاض المنازل. وأنت متعاطف معاهم. البشرية أصبحت قريبة، الناس أصبحوا جيران، بفضل الله ثم بفضل التقدم التكنولوجي.
ونحن هسّع بنتكلم، يمكن قبل شوية من كلامنا ده، أو في أثناء كلامنا ده، في أبولو السادس عشر ينطلق من كيب كندي ليمشي للقمر في رحلة ١٢ يوم يقضوا فيها الرواد.
فمثل المجتمع ده، ما ممكن أنت تنتظر أن تحل مشاكله بالقياس.
ما في شبه لمشاكل المجتمع ده بمشاكل الماضي. ولذلك في واحد من أمرين: إما أنُّ الدين يستطيع أن يحل مشاكل المجتمع الكوكبي الحاضر، أو بيكون الدين انتهى.
آه، نهاية الدين نحن بنعتقد أنها ما بتجي إطلاقًا. المجتمع البشري مهما اتسعت طاقاته، فردية وجماعية، يجد حلوله في الدين. لكن على أن يُفهم الدين. والدين في المصحف، والمصحف لا ينطق، وإنما ينطق عنه الرجال.
فنحن إذًا في دعوتنا دي، بندعو إلى أن يُنظر فيما فيه نص، إيه الحكمة وراء النص.
لأنه ما في نص هو غاية في ذاته.
النصوص هي وسائل الإنسان. وقلنا القرآن كله ما هو غاية في ذاته وإنما هو وسيلة الإنسان ليسير لله. الله في ذاته غني عن أن يتكلم باللغة العربية أو يصف نفسه أو يسميها.
لكنه إنما تكلم باللغة العربية لنفهم نحن. وإذًا القرآن وسيلتنا لأن نترقى. ونحن حين نفهم أفراد، نقدر أن نتكلم عن الشريعة البتحل مشاكل المجتمع في تطوير على النحو البنقوله.
دي نقطة أحب أن الإخوان العندهم رأي في مسألة التطوير، أو بيرفضوا التطوير، أو بيروا أن الاجتهاد ما يكون إلا فيما ليس فيه نص، يعتبروها.
ـ