وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

التعليم بالمحاكاة - الخط الفاصل بين الحيوان والإنسان

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٢ مايو ١٩٧٢

التعليم بالمحاكاة - الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان

موضوع الليلة، تعلموا كيف تتعلمون.. وبعدين، العلم بالتعلم بيسوقنا للعلم الوهبي.. فنحن عايزين نبتدي من عندنا في الأرض ونمشي.. تعلموا كيف تتعلمون.
العلم البنعلمه بالتلقي والإلهام والوحي والكفاح، نتعلمه كفاحًا من الله، هو علم الغيب، لنستطيع أن نصل إلى الطمأنينة من الخوف، زي ما قال عنه إبراهيم.. علم الغيب.. "قُل لَّوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ".. "قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ".. دا موضوع كبير.
فنحن عايزين ننزله للقاعدة هسع، لنشوف مرحلة التعلم، العلم بالتعلم.. فإذا كان العلم بالتعلم، مين علّم الطفل يبكي لأول وهلة؟ رد فضل، بالإضافة إلى الردود اللي جات، أنه الطفل مولود بالوراثة دي.
كأنه الحاجة عندما تواجه العلم بالتعلم، التعلم موش لازم يكون تلقين الناس، برضو تلقين الحياة.. الناس يقولوا الحياة مدرسة.. فهو أول ما جاء، الهواء اندفع في رئتيه.. أول ما نزل الهواء اندفع في رئتيه فخرج في صورة بكاء.. الحياة علمته.. وجدت الاستعداد الموروث فيه للتعلم، المقدرة على المحاكاة الكامنة.
فنحن نقول أنه الإنسان اتميز على الحيوان بأنه عنده مقدرة على المحاكاة أكبر.. ودي يمكن التهمة اللي جات للإنسان من أنه جاي من القرود يمكن.. بالإضافة إلى طبعًا حاجات تانية، لكن القرد أكثر الحيوانات مقدرة على المحاكاة.. أعلى من محاكاة القرد، محاكاة الإنسان، وهي اللي أهلته لأن يتعلم.
إذًا، عنده الاستعداد دا، عندما تواجهه الحاجة، الحاجة تعلمه والمعلم يعلمه.. فهنا الحاجة اللي واجهته إنه رئته كانت فاضية، أول ما مرق في الهواء، انملت رئته بالهواء، فخرجت في صورة الصوت اللي أوتاره معدّة ليها.. كان ممكن تكون قهقهة، لكنها بدري شوية القهقهة، الظاهر البكاء ألصق بالإنسان من الضحك.
فالمقدرة على التقليد هي ملكة التعلم في الإنسان.. الإنسان عنده قابلية على أن يتعلم أكثر من الحيوانات الأخرى، دي سُميت ملكة التقليد.. يعني يمكنك أنت أن تعلم الإنسان بالحركة بدون ما تتكلم، وهو يقلدها.. ولعله الأشياء الكثيرة اللي قبل ما تستعمل اللغة، قبل اللغة ما تدخل كأداة للتعليم، الحركات هي اللي بتعلم.. الحركات هي اللي بتعلم الأطفال قبل ما يعرفوا محتويات الكلمات.
فكأنه المقدرة على التعليم هي ما سُميت المحاكاة، التقليد.. لكن الوسائل كثيرة، المواهب كثيرة، طريقة التعلم كثيرة.. وإلا لو بتقوم على المحاكاة لما كان المعلم تلميذه يكون يفوقه أحيانًا.. يعني قد يبدأ الإنسان بأن يتمرن على المحاكاة، ثم تخرج منه عبقرية تفوق من قلده.. يكون نحات أكبر من معلمه، وموسيقار أكبر من معلمه، وبنّاء أكبر من معلمه، ونجار أكبر من معلمه.. فدا دلايل على أنه فيه ملكة تانية غير المحاكاة.
الحيوان عنده قابلية للتعلم، والإنسان عنده قابلية للتعلم، والاختلاف بيننا وبين الحيوان اختلاف مقدار.. الخط الفاصل بين مقدرتنا على التعلم ومقدرة الحيوان على التعلم، دي هي القاعدة اللي بينطلق منها الإنسان ليتعلم.. دا عمل إرادي يعني.. إنما العلم بالتعلم بيبتدي العمل الإرادي في التعليم في خط معين، أدناه الحيوان وأعلى منه الإنسان.. دي القاعدة اللي بنقصدها.. ومن المنطقة ديك، حقو يبتدي الناس يعيدوا النظر في تعليمهم.
تعلموا كيف تتعلمون.. كدى شوفوا النقطة دي بتكون شنو.. وهل الإنسان عنده مواهب كثيرة، وكيف يدرك الموهبة فيه؟

ملكة التعبير، الموهبة هي ملكة التعبير.. التعبير مش معناه باللسان، التعبير بكل حركة، بالفعل.. والملكة هنا معناها أنها المقدرة على التعبير بصورة أرقى من تعبير الآخرين كأنه.. ملكة التعبير المقصودة هنا كأنه الإنسان الموهوب هو الإنسان اللي بيعمل أي حاجة أحسن مما يعملوها الآخرين.. كأنه العبارة هي كدا.. وأفتكر دا تعبير شامل.
طيب، نمشي في موضوعنا نحن في مسألة.... عايزين قاعدة أرفع من دي، لأنه نحن موضوعنا "تعلموا كيف تتعلمون".. فكأنه عايزين الخط الفاصل بين حياة الحيوان وحياة الإنسان.
توجيه وظائف الجسد.. نتعلم كيف نمشي، نتعلم كيف نتغوط، نتعلم كيف نتبول.. يعني المنطقة دي منطقة مشتركة بين الإنسان والحيوان.. والطفل يوسخ فراشه، زي ما الحيوان يتبرز أو يتغوط أو يتبول في مكان.... مكانه اللي بيقيف فيه.. فيجي الإنسان يتعلم عادات إنسانية بيها يوظف.... ينظم وظائف جسده نفسها.. يتعلم عادات إنسانية، يمكن الإنسان أن يقول عليها كدا.. الحيوان بينطلق ساكت في مسائله دي، الطفل برضو تلقاهو كدا، يوسخ فراشه لقدام لقدام، يبقى الطفل يتعلم أنه ما يبول في الليل في فراشه.. الحكاية دي يمكن تمر معاه زمن.. ما يوسخ فراشه، بعدين ينظف جسده، يتعلم كيف يمشي برضو.. يتعلم أشياء في الاتجاه.... يتعلم كيف يستر عورته.
كأنها زي الحكاية اللي قالتها بتول، أنه الجسد ذاته علم، وعلمنا الأولاني في الحقيقة بنحصر فيه هو.. والغريب أنه علمنا الآخر بنحصر فيه هو.. هسّع تلقى اليوغي اتجاهه أن يسيطر على جسده.. اليوغي دنياه جسده دي.. الفقير الهندي.. لغاية ما يبقى.... فيه حركات تلقائية الطفل ما عنده.. الطفل ما عنده حركات عنده فيها إرادة في أول أمره، لقدام لقدام بتبقى عنده.. بعدين أكبرنا وأعرفنا وأعلمنا، برضو قلبه مش في إيده، ضربات قلبه ما في إيده، حركات رئته ما في إيده، رمش عينيه ما في إيده.. ممكن يرفع رجل واحدة لكن ما بيرفع رجلين يقيف في الهواء.. فيه منطقة فيها حدود كدا.
الفقراء الهنود ماشيين للسيطرة دي، بنوع من التمرين المنظم يقوي به إرادته حتى يصبح قادر على أن يوقف قلبه وأن يوقف رئته.. ويدفنوه حي الواحد منهم.. عُرف كدة موش كدة؟ ولا ما شفتوا دي؟ الفقراء الهنود يدفنوه حي، وبيمشي فوق النار وبيمشي فوق المسامير.. بالصورة زي دي.. حتى الأكروبات دا، عنده نوع من التركيز والانحصار بالصورة اللي يمشي على الحبل مثلًا.
والعارفين ماشيين للاتجاه دا برضو.. كأنما منطقة تعلمنا الحقيقية جسدنا.. دي مملكتك واقعية.. وهنا تلقى "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ".. كأنما آيات الآفاق وسيلتنا لأن نعرف العلم الحقيقي اللي هو أجسادنا.. طريقة الصوفية طبعًا غير طريقة اليوغي، في أنه اتجاهه لإضعاف إرادته في الوقت اللي اليوغي اتجاهه لتقوية إرادته، لكن النتيجة واحدة.. تفاوت المقدار موجود.. أنه العارف عايز يجعل جسده روحاني.. دي معنى السيطرة عليه.. حتى يجوا الناس اللي أهل الخطوة مثلًا، اللي بينتقل بجسده زي ما ينتقل بخاطره.

نقطة البداية إذًا هي في أجسادنا في الحقيقة.. نقطة بداية التعليم.. وإذًا نحن ممكن: تعلموا كيف تمشون، دي تكون، تعلموا كيف تجلسون، تعلموا كيف تنامون، تعلموا كيف تتنظفون، تعلموا كيف تتغوطون، تعلموا كيف تتبولون.. دي كلها ممكن إعادة النظر فيها وبعثها بصورة أقرب لتهذيب الإنسان من العفوية اللي بيكون عليها الإنسان العادي، وطبعًا من الحيوانية.. نحن بادين من الحيوانية.. وبنعلم أطفالنا النظافة.. زي ما قال عنها إبراهيم.. يعني الولد اللي بيوسخ فراشه وهو كبير بيلقى من أبواته تعنيف وقد يلقى ضرب.. اللي بيوسخ جسده، ينظفوه ويمشي يتوسخ في الطين زي أي جرو أو دَحَش، بيجد من التربية ما يخليه يحافظ على نظافته.
فكأننا نحن بنتعلم في حاجة حول جسدنا فعلًا.. ولعله الطفل الصغير يستغرب في حالة جسده، ويستغرب في أعضائه ذاتها، دائمًا تلقاهو يمسكها يستغرب فيها ويعاين فيها.. فيبدو لي أنه يمكن دي القاعدة اللي بتفصل بين الإنسان والحيوان.. عندنا وظائف عضوية عند الحيوان فيه، لكنها ماها خاضعة لإرادته ولا لتعلم ولا لتهذيب فيها ولا لتطوير فيها، اللهم إلا ما يروض الإنسان من الحيوان.
يعني الإنسان برضو بيروض الحيوان بصورة، تلقى مثلًا الفيل ولا الأسد بتاع السيرك يتعلم حاجات غريبة.. ودا يمكن هو الحظ المشترك بيننا وبين الحيوان في قابليته هو للتعلم.. والقرد وُجِد أنه أكثر.... فيه كثير من الحيوانات، الخيل والفيلة والأسود والنمور، ما في حيوان ما هو قابل للتعليم، على تفاوت بيناتهم.. الإنسان حيوان قابليته للتعلم أكبر من قابلية أعلى الحيوانات، ولعله بصورة كمان فيها قفزة، يمكن ما تسمى بالحلقة المفقودة.. المسألة موش اختلاف بسيط، اختلاف فيه قفزة كدا جاء بيها الإنسان، قابليته للتعلم أكثر.
وأحسن يمكن ما يكون عليه حالة التعلم، هي الاتجاه لأن تنتقل أنت من عادات الحيوان لعادات الإنسان، مش البشري.. ونحن عندنا عادات كثيرة رديئة.. زي ما قلنا مثلًا، ناس ما بيعرفوا ياكلوا، ما بيعرفوا يشربوا.. بتلقاهو جالس قدامك يقح ليك في وشك، أو يقح على الأكل، أو يعطس حتى على الأكل، أو يأكل وينفض إيده على الأكل بعد كل لقمة.. ناس من النوع دا.. أو بتلقاهو يمضغ بصوت كدا، أو أثناء ما بيمضغ يفتح خشمه كبير.. يعني فيه عادات، عادات إنسان عادي، ممكن التحسين عليها لتبقى عادات إنسان مهذب ومتمدن.. أنا باقي لي أنه التعليم بيبتدي من دي.. ولا إيه رأيكم؟
دي توصلنا ليها لكن في نقاشنا لكن لغاية ما جاء بيها إبراهيم يوسف بالصورة الجاء بيها.. وأفتكر أحسن أنواع التعليم هي اللي بتنقل الإنسان من إنسان متوحش إلى إنسان متمدن.. الإنسان المتوحش هو الإنسان اللي بيعيش في الغابة أو بيعيش في القرية، والإنسان المتمدن اللي بيعيش في المدينة.. التعبير جاي من هنا.. وكأنه ناس المدينة عندهم، مصقولين، فيه صقل ليهم.. حتى الناس يقولوا، يعني: "جمل الحوش ولا شيخ العرب".. كأنه فيه نوع من التهذيب بيجي في الموضوع بالصورة دي.
طيب، نمشي في موضوعنا لقدام.. نشوف تعلموا كيف.... وسعوا القاعدة بتاعة "تعلموا كيف تتعلمون" من البداية بتاعة الأعضاء وكيف نوجهها توجيه متمدن إنساني.
ويمكن القيمة الكبيرة في التعليم الإنساني هو أن الإنسان يكون مألوف ومحبوب.. فيه بعض العادات طوالي الإنسان ينفر منها، وبعضها يحبها.. في الكلام وفي الحركة وفي الفعل.
ـ