وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الإنسان المتمدن والغضب

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٢ مايو ١٩٧٢

الإنسان المتمدّن والغضب

الإنسان المتمدّن عندنا زي المطلي طلاء خارجي ساكت، لكن تحت لو خدشت تحت تلقاه متوحش.. الإنسان المتمدّن، يمكن الواحد يقول كده، أنه الإنسان اللي هو إنسان، هو الما بيغضب.. وإذا غضب ما يتصرف بغضب.. إذا غضب يصبر.. أها وين ده تلقاه؟ شوف النقطة دي بس.. البيغضب ما فينا، الحيوان فينا هو اللي بيستيقظ.. لمّان نغضب الحيوان يستيقظ.. ودا ما بتلقاه أصلو.. الإنسان المهذب تمام، ممكن تقول الإنسان الما بيغضب.. وده العارف بالله.. ما شفناه لى هسه، دا مافيه..
(...) خارجي كده وزائف، لكن تحت القشرة الحيوان راسب قاعد.. فكل شيء إذًا لازم ينعمل بطريقة أحسن.. الحكاية هو، تحولت الحكاية زي حكاية الخوف.. مثلًا (لا إله إلا الله) أن تحول الخوف من الله بس ما تخاف غير الله.. لكن الخوف من الله ذاته مرحلي، غلط.. بعدين الغضب، الغضب غلط.. لكن ألّا تغضب لنفسك، تغضب إذا انتهكت حرمة من حرمات الله، دي مرحلة برضو.. لكن فضيلة بالنسبة للغضب للنفس.. ما تغضب لنفسك.. لكن في الحقيقة حقك ما تغضب كله كله.. حتى جاء الكلام بتاع العارفين قالوا (الرحمة بخلق الله أولى من الغيرة في دين الله، لأنه الغيرة من الغيرية، ولا غيرية).. وأنت لمّان تغار وتغضب، كأنما شفت أنه الإنسان اللي انتهك الحرمة انتهكها من عنده، ودي الغيرية.. حقك ترحم بأن يكون هو مظهر، استعمله الله ليعلمك به.. هو انتهك حرمة، لمّان هو كفر.. لولا أنه كفر لما آمنت أنت، كأنه كده يعني {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}.
الصوفي اللي قال (أُخذت علينا العهود ألّا ننكر على النصارى ولا على اليهود).. العهود دي ما عهود عرفانية.. لكن عهود الشريعة أخذت علينا أن ننكر.. عهود الشريعة أخذت علينا أن ننكر.. مش أن ننكر بس، كمان أن نقاتل.. ودي وسائل مرحلية.. ولذلك كل حاجة يجب أن تعمل بطريقة أحسن.
في نوع من الناس يعني يتهذب كثير حتى يمكن ما بيتحرك للغضب بسرعة.. تلقاه حاجات كثيرة كان عايز يغضب ما يلقى نفسه في الحقيقة غضبان.. فيه لكن لسع، ماها ثمرة علم كبير.. وبعدين في ناس أصلهم طوالي يعني جباهاً صارّة وأرواحًا كارّة.. مش كده؟
(...) النبي، قال له: أوصيني يا رسول الله.. قال له: لا تغضب.. قال له: زدني.. قال له: لا تغضب.. قال له: زدني.. قال له: لا تغضب.. كان سأله مئة مرة ما يزيده عليه (لا تغضب) دي.. لأنه كله الموضوع فيها هي.. جُعل أنه مش الإنسان بس ما بيغضب، صعب أنه ما يغضب، لكن إذا غضب ما يتصرف بالغضب.. فقال: (ليس القوي بالصُرعة، وإنما القوي الذي يملك نفسه حين الغضب).. فجُعلت أنه الفضيلة ألّا تغضب، فإذا غضبت لا تتصرف من موقف الغضب.. دي الاثنين دخلن في الفضيلة.. زي العصمة - عصمة النبي - دي برضها كانت بتحتاج كثير لتصحيح في رأي الناس.. النبي معصوم، لكن معنى معصوم مش أنه ما بيخطي.. معناها أنه ما بيخطي، وإذا أخطأ يصحح.. الاثنين ديل يدخلن في العصمة.. عصمة النبي وحفظ الولي ألّا يخطئ، دي درجة، لكن مش معناها أن تفعل الخطأ، لأنه كمال النشأة في أن يخطئ ويتصحح خطأه.. يخطئ ويتعلم من الخطأ.. ولذلك العصمة ألّا يخطئ، فإذا أخطأ، دي تدخل في العصمة، يصحح خطأه.. دي عصمة النبي.
كذلك هنا مش الفضيلة ألّا تغضب، بس كده.. الفضيلة ألّا تغضب وإذا غضبت تملك نفسك حين الغضب.
ـ