وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الدستور

محاضرة الدستور والحقوق الأساسية - الجيلي ١٤ مارس ١٩٦٩

الدستور

الدستور هو في الحقيقة زي مفهوم جديد على الناس.. نحن بطبيعة الحال السودانيين ما عرفناه كشعب الا بعد الاستقلال.. استقلالنا كان على مرحلتين: مرحلة الحكم الذاتي ومرحلة الحكم الوطني الكامل.
الحكم الذاتي كان سنة ٥٣، في فبراير سنة ٥٣، لغاية يناير سنة ٥٦، ثلاثة سنين.. في يناير سنة ٥٦ دخلنا عهد الاستقلال الكامل.. في عهد فترة الحكم الذاتي كان الحاكم العام هو الراس الدستوري.. الحاكم العام كان راس الدولة في الثلاثة سنين.. بعدين لمان أُعلن استقلال البلد، الحاكم العام انتهى جاء مجلس السيادة.. بقى عندنا مجلس جمهوري يتولى المنصب الدستوري أو رئاسة الدولة.
من سنة ٥٣ نحن بنتكلم عن الدستور.. ما قدرنا نعمله، لغاية المرحلة الحاضرة.. ويمكن الإنسان أن يقول برضه مش راح نقدر نعمله، لغاية ما يكون فيه حركة أكبر مما عندنا من الوعي.
الدستور دائما يمشي مع الاستقلال والاستقلال النظيف في الديمقراطية.. نحن ما سمعنا بيهو قبل سنة ٥٣ لأنه كنا تحت حكم استعماري.. الحاكم الأجنبي هو صاحب مصيرنا هنا، وامورنا في إيد الأجانب.
لمان جينا في فترة الحكم الذاتي كان وضع الدستور تمهيد لفترة الاستقلال اللي كانت تبتدئ من سنة ٥٦، كما مخطط ليها في اتفاقية القاهرة المشهورة.
الدستور مش قانون اعتيادي.. من النقطة اللي قلناها يظهر ليكم أنه الدستور مش قانون اعتيادي.. يعني في وقت الانجليز القوانين فيه.. الحاكم المستعمر كان بيحكم بقوانين، لكن ما فيه دستور.. هادا يميز ليكم الفرق بين القانون والدستور.. ما في مجتمع أصلو الا يكون عنده قانون، لكن ما كل مجتمع بيكون عنده دستور.. المجتمع الحر البيحكم حكم ديمقراطي، يكون عنده دستور.
الدستور ما هو قانون اعتيادي لأنه هو القانون الأصل.. الأصل البتتفرع منه القوانين هو الدستور.. زي مثلا ساق الشجرة.. بيقوم بيرتفع فوق وجه الأرض بعدين تتفرع من الساق الفروع، والساق من الأرض بيغذي الفروع.. لولا الساق ما تنشأ الفروع في الشجرة.. هنا الدستور زي ساق الشجرة دي.. والقوانين العادية فروع.
وده سموه القانون الأساسي.. الدستور اسمه القانون الأساسي، لأنه بنص على الحقوق الأساسية.. ولأنه أصل بتتفرع منه الفروع..
أساسي معناه أصل.. معناه زي الساس.. لمان نقول الساس، ما بتبني بيت إنت إلا على ساس.. أها ما بتتفرع فروع من التشاريع الا على القانون الأساسي أو الأساس.. سمي القانون الأساسي لأنه بينص على الحقوق الأساسية.. والحقوق الأساسية، سموها أساسية زي ما قال الأستاذ ذا النون، لأنها حقوق بتولد مع الإنسان.. في الحكم العادل ما بتُسلب منه، ولا بتُمنح ليهو، هي حق طبيعي.
هنا هي حق الحياة وحق الحرية.. الانسان بيولد ما في انسان آخر بيمنحه الحياة.. في أي شريعة عادلة ما في انسان بيسلب منه حياته.. أها مع الحياة تمشي الحرية، لأنه نحن حياتنا مش حياة حيوان.. الحيوان عنده حياته والسلام، وحريته الباقية هي في أن يُعلف، اما أن يكون سائم في الخلاء يرعى او يكون مربوط يُعلف.
الانسان ما هو بالصورة دي.. الانسان من كمال حياته الحرية.. لذلك جاءت الحياة والحرية.. والكلام المشهور عن سيدنا عمر بن الخطاب، عندما واحد من اقباط مصر اتظلم من ابن عمرو بن العاص، اشتكى.. عمر بن الخطاب قال لعمرو بن العاص: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
دي العبارة المشهورة.. وهو في الحقيقة الإنسان بيُولد حر لكن بيولد ضعيف.. الضعيف محتاج.. المحتاج بتنقص حريته.. لكن كل مجهودنا عندما نتعلم، عندما ننظم حكوماتنا، عندما نثور لنستقل، عندما نغير الحكم، عندما تجي ثورات، كل مجهودنا أنه ضعفنا ينسد بما يقوينا، عشان نكون أحرار.. الحكم الديمقراطي أكثر ما يسد عجز الانسان، ليمكنه من الحرية.. والحكم الديمقراطي في الحقيقة هو حكم الانسان الراقي.
والديمقراطية طبعا هي موضوع كلامنا المباشر، لأنها الدستور، معناه دائما القانون البيمشي مع الديمقراطية.. والدستور هو القانون الكبير البينسق علاقة الإنسان مع الدولة.. القانون الاعتيادي علاقة الإنسان بالإنسان الآخر.. اثنين اتشاجروا في قانون لينصف المظلوم من الظالم.. لكن الدولة ظلمت انسان أها دا القانون الأساسي.. علاقة الانسان بالدولة لألا يكون فيه ظلم واقع على الإنسان الفرد.
مثلا زي ما انتوا شايفين الحزب الشيوعي مثلا، ظُلم من الدولة، رفع مسألته للقضاء، بعدين القضاء قال انه ده خرق للدستور.. جات مسألة المخالفة الدستورية.. فالدستور إذًا هو القانون الأساسي الكبير البيقوم ليجعل الناس كرام.. وده زي ما قُلنا عليهم مفهوم جديد.. والمفهوم الجديد ده روحه الحقوق الأساسية.. إذا جاء أي وضع ينقص الحقوق الأساسية، الخطر فيه كبير في أننا نحن نكون مانا محكومين حكم دي ديمقراطي، لكن مغفلين بانه حكامنا يقولوا لنا دي الديمقراطية، او يقولوا لنا دي الديمقراطية ويعيثوا في الأرض فساد، ما نستطيع أن نعمل نحن حاجة في مراقبتهم.. المسألة اللي نحن بنقول عليها أنها خطيرة في أنه الدستور يمر.. يمر دستور خطأ.. ما في أي حاجة تمنع حدوث مرور الدستور الخطأ إلا إذا وعيت أنا وأنت.
ما في أي حزب لا يمكن أن يرعى مصالحنا.. الا اذا كنا نحن في القاعدة بنحاسب القمة.
-