وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الديمقراطية

محاضرة الدستور والحقوق الأساسية - الجيلي ١٤ مارس ١٩٦٩

الديمقراطية

ّالديمقراطية كلمة إغريقية، لكن المحتوى اللي بتقوم عليه الديمقراطية، حتى عندما نشأت في أوائل عهدها، اللي هو قبل المسيح بزي ٣٠٠ سنة، قامت على أساس أنه الناس يكونوا حكام لأنفسهم.. يعني زي قرية الجيلي يكون عندها قاعة كبيرة لاجتماعات المواطنين، يشاركوا في سياسة تسيير القرية.. وزمان ما كانت الدول كبيرة، في حاجة اسمها حكومات المدن.. يعني زي أم درمان حكومة براها، دولة.. زي الخرطوم دولة.. زي الخرطوم بحري دولة.. زي الجيلي دويلة.. لكن عندهن استقلال بالصورة دي.. ها كانت الديمقراطية بدت بصورة بسيطة، لكن قايمة على أنه المواطنين كلهم يجتمعوا ليتشاوروا وينتخبوا من يريدوا ويعارضوا ويضعوا الميزانية ويراقبوا الصرف.. دي نشأت الديمقراطية بالصورة دي.
مشت لقدام اتطورت ما هي صورة واحدة.. طورت الديمقراطية لغاية ما جاتنا نحن في الصورة اللي أنتم شايفنّها، بعد ثورة أكتوبر تقول: أنه كل مواطن ومواطنة بلغ وبلغت من العمر ١٨ سنة يكون لهم حق التصويت.. اتسعت المسألة اللي كانت في مدينة أثينا.. لتكون على البلاد عامة.. نحن ١٤ مليون.. الأمريكان زي ٢٠٠ مليون.. الانجليز زي ٦٠ مليون.. مهما كانت سعة البلد اتسعت رقعة الديمقراطية.. بعدين جات أساليب كثيرة لتجعل المشاورة أو المشاركة في الحكم ممكنة.. أها جات صورة الانتخابات اللي أنتم بتعرفوها.
يبقى المحتوى بتاع الديمقراطية الغرض منه أنه الإنسان يكون كريم.. يكون حر.. أصله القاعدة بتاعة الحرية أنك أنت تكون رقيب على حريتك.. إذا أنا واياك انتخبنا انسان حاكم، ومشينا نمنا، ليراقب هو مصالحنا، ليراقب حريتنا، حتى لو الإنسان ده أكمل الناس، الحرية زالت.. ما في، دي قاعدة في الحرية، ما في انسان هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الناس الآخرين.
ودي حاجة طبيعية في النفوس.. مهما كان الانسان اللي أنت بتوكله ليكون هو حاكمك، السلطة المطلقة تفسده.. يعني قالوا بعض الجماعة العارفين، قالوا: فرعون لمان قال أنا ربكم الأعلى، قال، قالها لأنه شاف أنه مطاع.. واحد من الصوفية قال كل واحد مننا في نفسه أن يقول ما قاله فرعون، لكن فرعون استفز قومه فأطاعوه فقالها.. لذلك تلقاه قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}؟ ده الخلاه استبد.. ما من حاكم أنت تسلمه السلطة وتجلس اعتمادًا على أنه يصلح الا يفسد.. السلطة المطلقة مفسدة للحاكم.
أها تجد أنه الوضع الديمقراطي، هو في الحقيقة احتراز من أن تكون في استبداد بالشعب، استبداد بالناس.. أها ده يقول أنه الحاكم يجب أن يعرف أنه مراقب.. يعني نحن بنستطيع أن نحاسبه ونستطيع أن نعزله.. محتوى معنى الديمقراطية أن يكون الشعب هو المتولي أمور نفسه.. جاء تعريف أخير للديمقراطية بعد توسيعها، هي ما عندها صورة واحدة بالمرة، وما في جهة معينة هي صاحبة الفضل فيها.
لو جيت لأي صورة من صورها، لو جيت ليها حتى في بداياتها ما في.. الأغريق مش أول من اخترعها، لكن بتلقى أنه ظهرت بعد ما كانت في صور صغيرة.. هي مستمرة في التغيير.. هسع نحن في ممارستنا ليها في الفترة الأولانية من سنة ٥٦ لغاية الان طرأت عليها تغييرات كثيرة.
جاء تعريف ليها، قالوا: الديمقراطية هي حكم الشعب، بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب.. ده يمكن أكبر تعريف ليها.. لكن ده كأنه المثل الأعلى.. الشعب ما كل يمكن أن يحكم نفسه، لابد أن يكون في حاكم.. الحاكم ده بتجي الديمقراطية في عهدنا إذا كان اخترناه وشعر بأننا نحن بنغيره.
قالوا الديمقراطية العملية هي زي مسألة جيّتنا نحن هسع بالبص ده مثلًا.. نحن قريبين من ٢٠.. ما كلنا الـ ٢٠ جينا عشان ما نمسك الدريكسون.. ما ممكن نمسكه كلنا.. نحن قعدنا في مقاعدنا، لكن قُلنا لمصطفى - الأخ اللي جاء معانا من هناك: نحن ماشيين الجيلي.. ما يمكن يمشي بينا لسوبا، لابد يجي الجيلي.. الحاكم بالصورة دي.. الناس ينصبّوه لكن يعمل إرادتهم.
فإذا كنت عرفت أن الديمقراطية هي دي، لا يمكن لإنسان عاقل أن يقول الديمقراطية الإسلام ما عايزها.. بل الحقيقة هي الإسلام.. حكم الإسلام هو الديمقراطية.. لأنه إذا قلت أنت الديمقراطية هي الحكم البيكون فيه للإنسان كرامة، الإسلام جاء لشنو لغير كرامة الانسان؟ القرآن، أشرف الكلام، نزل لكرامة الإنسان.. الحكم البيكون فيه للإنسان كرامة، إسلام.
الحقيقة لمان تجي إنت تفهم في الديمقراطية، تلقاها يعني محتوياتها وحتى ألفاظها تجي من الإسلام.. قالوا الناس العارفين بدقائق المسألة دي: الديمقراطية هي النظام البيديك فرصة لتمارس العمل لتخطئ وتتعلم من خطأك.. لأنه أنا وإياك ما بنكون أحرار لو كانت أيدينا مغلولة عن العمل.. نحن بنكون أحرار، وبنكون علماء، إذا كان عندنا فرصة لنعمل، ونخطئ، ونتحمل نتيجة خطأنا، ونتعلم من الخطأ.. لذلك قالوا الناس الدقيقين في المسألة دي: الديمقراطية هي حق الخطأ.. الديكتاتورية ما بتديك حق الخطأ.
الديكتاتورية تجي تقول لك: والله شعبنا ده ما بيقدر يحكم نفسه، ولا هو رشيد، وكل ما اديناه فرصة يختلف، وتبقى مسائل الأحزاب الكثيرة والفتن، دحين أحسن حاجة نحن نصفي مسألة الديمقراطية دي، لأنها ما بتناسبنا.. يجي حكم دكتاتوري.. الحكم الديكتاتوري ما بديك فرصة الحرية.. انتوا شفتوه طبعا الحكم العسكري، ما كان يمكن واحد أن يقوم في مقام زي ده، يتكلم.. الاجتماع ما يزيد عن خمسة، ممنوع.. الأحزاب انحلت.. الأندية ما في ستة سنين.. ده معناه حق الخطأ.. الديمقراطية بتديك فرصة لتعمل وتخطئ، بعدين بتتحمل نتيجة خطأك.. نتيجة الخطأ في العقوبة بتعلمك لتكون عينك مفتوحة، لتتعلم من خطأك.. آ تعال شوف الحديث النبوي قال: "إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأتي الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم".. وبتعانقن المعاني بالصور دي.
الناس البيقولوا الديمقراطية ما عايزنّها، الى حد بعيد بيسيئوا الى فهم الدين، والى الإسلام.. الإسلام مش فكرة بجانب الأفكار الثانية، هي الحقيقة الفكرة المهيمنة.. كتابنا {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}.. مصدقا لما بين يديه من الكتاب، مش التوراة والانجيل بس، كل الكتب القرآن محتوي عليها، ومهيمن عليها.. فنحن لما نجي نقول أنه الديمقراطية ما عايزنّها، والاشتراكية ما عايزنّها، بيكون فهم رديء خالص للدين نفسه.
ـ