فبقى الوضع الطبيعي، في الجبلّة، وفي الشريعة اللي جات مروضة ومطوّعة ومسلّكة للجبلّة، أنه الخير قدّامنا.. بعدين طُلِب منّنا أن نبادر بعمل الخير، وعمل الخير ما يرضي الله.. ما يوافق شريعته.. الخير فيها الحلال، والشر فيها الحرام.. وطُلب منّنا أن ننـزع من الحرام، وننفضّ إيدنا منه، وندخل في الحلال والخير طوالي.. حتى أُشترط في التوبة، اللي هي خروج من الحرام ودخول في الحلال، اشترط فيها الإقلاع الفوري.. ما فيش تسويف.
إذا كان الإنسان عايز يتوب توبة نصوحة، يقلع من الفور عن الخطيئة.. لكن إذا كان واحد قال: والله أنا بعد ما أكمّل كأسي ده تاني بقيف.. يبقى دا ما أقلع، وتوبته مهزومة.. لازم في اللحظة اللي هو ممارس فيها الخطيئة، يقلع عن الخطيئة.. وده ركن من أهم أركان التوبة.. ثم بطبيعة الحال، الإصرار على عدم العودة، والندم على ما فات.. طوالي جمعت اللحظات التلاتة: جمعت الحاضر، والمستقبل، والماضي.
في الحاضر: العمل الـ بالواجب المباشر اللي هو الإقلاع، ونفض الإيد عن الخطأ.. في الماضي: الندم على ما فات.. لأنه الندم دا بيحرق من الداخل ويدي وقود للحركة لقدام.. والإصرار على عدم العودة في المستقبل.
فالخير قدامنا بالمعنى ده.. بعدين نحن بطبيعة النشأة، بننشأ من أطفال، وبنبقى أيفاع، ونبقى شبّان، ونبقى رجال، كهول، شيوخ.. وباستمرار نحن بنطلب الحكمة، ونطلب المعرفة، ونطلب القوة.
وحتى الطفل تلقاه بيعشق الوقت اللي يكون فيه رجل.. وقد يقول: أنا لمّان أكبر بعمل كده.. فكأنه المسألة فعلًا هي دايمًا قدّامنا.. والمطلوب مننا أنه نستعجل بعمل الخير، وده مطلوب شرعًا.. ونبعد من عمل الشر.. حتى يمكنك أن تقول أنك يعني مش تبطئ في عمل الشر بس، بل لا تعمل الشر إطلاقًا.
في حاجة، ما ها شر بالمعنى اللي هو حرام أو ضرر.. اللي هي التوسّع في الدنيا مثلًا..
التوسع في الدنيا، في ناس بيسعوا فيه، ويقضّوا فيه وقت طويل، وفي ناس مطلوب منهم، حسب علمهم وحسب درجتهم من السلوك، مطلوب منهم ألا يعملوه ولا يتفرغوا له..
حتى زمان، كانوا الصوفية، الواحد منهم لمّان يكسب رزق يومه، يقفل دكانه.. يمشي السوق، أول ما يجيب قوت اليوم، يوقف التجارة ويرجع.. لأنه هو بيقوم بالسبب بس.. أها ده مطلوب، حسب السلوك، من الناس المجوِّدين.
بعدين، أن تشتغل إنت لدنياك، وتتوخّى فيها أن يكون كسبك حلال، وأنه كسبك ده تشارك فيه غيرك، ونيّتك حسنة في أن تزيل ضرر المضرور، وأن تكسب لأولادك ولوالديك الكبار، ده كله خير.. يتفاوت الأمر فيه.
لكن المطلوب والمؤكد دائمًا: عمل الآخرة.. لأنه الجنة قدّامنا، ومسابقين نحن الموت عليها.. فتجي العجلة: ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ تبقى العجلة مطلوبة هنا.
وفي الحقيقة العجلة نتيجة للفكر.. أو قُل نتيجة للخيال.. في كل وقت نحن حقّقنا مستوى من المستويات، خيالنا قدّامنا يورّينا أنه في صور أكمل..
حتى أنه الإنسان قد يطلب أمل من الآمال، يتحقّق الأمل ده، أول ما يتحقّق، يزهد فيه.
قبيل كان حُلم من أحلامه، وتمنّي من تمنّياته، ويسعى وراءه.. لكن أول ما يتحقّق، يشوفه زهيد.. ويطير في الأفق أمل جديد.
فالأمل ده، إذا كان في عمل الآخرة، ده دائمًا مطلوب.. حتى أنه من حسن التوفيق الإلهي، أنه نيّة الخير، إذا كان الإنسان ما عملها، تُكتب له.. وكأنه مطلوب بالصورة دي.
لكن لمّان يكون الأمل واسع في الدنيا دي، تَرى الآفة.. لأنه الإنسان يأخذه الموت وهو غافل.. زي ما قلنا قبيل: المسألة سبق بيننا وبين الموت.
الواحد مؤمِّل في حاجات الدنيا العريضة والطويلة، والما بتنفعه بشيء في آخرته، إلى أن يخترمه الموت.. حققها أو ما حققها، بقى في حسرة.. ولو حققها كلها، يسيبها ويمشي.
حتى القولة البليغة بتاعة رابعة العدوية، اللي قالت: "الدنيا كلها لو حيزت لرجل، ما كان بها غنيًّا."
كل الدنيا، أموالها وثرواتها، لو حيزت لرجل، قالت: ما كان بها غنيًّا.. قالوا: ليه؟ قالت: "لأنها إمّا بتفنى تخليه، أو بيموت يخليها."
فكأنه ده ما الغنى.. فده ما مطلوبة فيه العجلة، بل الحقيقة مكروهة في مستويات معيّنة.. اللهم إلّا في مستويات حاجتك، البتصون بها نفسك، وتَعِفّ بها نفسك، وتصون بها أولادك ووالديك ومن تعول، ومن يهمّك أمرهم، دي أُُلحقت بالدين.
الكفاف من الدنيا أُُلحِق بالدين.. الواحد بيلاحظ أنه في ناس بيخطئوا كتير، لمّان يظنوا أنه طلب الدنيا، من حيث هو، غلط.. أن تطلب ما يكفيك من الدنيا، ده دين.. ولذلك نبينا، زي ما كنا بنكرّر دايمًا، كان يسأل: "اللهم اجعل قوت آل محمد الكفاف."
ونبّهنا أنه هو ما كان خايف أنه ما يلقى الكفاف، ولذلك بيطلبه من الله.. هو بيطلب من الله ألا يزيده على الكفاف، عشان ما ينشغل بحاجة زائدة عن حاجته الضرورية، عشان يشمّر ويمشي.
فكأنه، بالكفاف، كله بيعيش للآخرة.. كأنه كده، لمّان يكون رزقه الكفاف، كله حركته وسكونه بيعيش للآخرة، وده ما وُصّى به:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾
محياي.. محياك بيكون لى الله، يوم يكون رزقك في الدنيا ما يكفيك - زاد الراكب.. لكن تخرج أن تكون حياتك لى الله، لمّان يكون فيها توسّع، وأنك تحاول أن تستحوذ على ما يضرك ولا ينفعك.. والعجلة في الناحية دي، هي السيئة..
العجلة في ناحية الخير، في ناحية ما يوصلك لله، في المرحلة دي، مطلوبة..
ـ