ودايمًا خيالك ماشي قدّامك، يخليك تزهد الحاضر، وتتمنى المقبل، وتعمل للمقبل.. وده، في الحقيقة، أُسّ الخير فينا، في مرحلتنا، ده هو الفكر.. وأسّ الخير فينا: أن نتصوّر معاني وصور أجمل وأحسن مما عندنا، ونشدّ الرحال لها.
ولولا كده، ما كان في تطوّر في المكان الأول.. وفي المكان الأول، ما كانت في تحوّل من الحيوانية للإنسانية.. لأنه أول ما دخل عنصر الزمن، دخل الإنسان.. الحيوان ما عنده المستقبل والماضي، عنده اللذة الحاضرة.
الإنسان، لمّان جاء، طلبوا منه أن يضحّي باللذة الحاضرة، ابتغاء اللذة الآجلة.
بعدين، في أول أمره، ما عنده إيمان باللذة الآجلة دي عشان يضحّي باللذة الحاضرة.. جاءت صور الوعد والوعيد.. التخويف من النار، والترغيب في الجنة، وتقوية الإيمان، حتى يتجافى الإنسان عن الحاضر، ليكون مشدود للمستقبل، بقوة يقينه بأنه الجنة حق، والنار حق.
ولذلك يجي في أركان الإيمان: مسألة الخير والشر، والجنة والنار، والقضاء والقدر خيره وشره، والإيمان بالغيب، واليوم الآخر.
اليوم الآخر: يا هو ده آخر أيام الدنيا، وأول أيام الآخرة، يوم تُنصب الموازين.. ده من شرط الإيمان.
والإيمان بالغيب، اللي هي الجنة مثلًا، الجنة ما غيب؟ الدنيا قاعدة حاضرة، والجنة غيب.. ليه إنت تضحي بالدنيا الحاضرة في سبيل الجنة اللي هي غيب؟ ده ما جاء الإيمان من أجله.
لذلك تلقى أنه نحن مشدودين للمستقبل طوالي.. وصور خيالاتنا للكمالات، هي الحفزت الحياة حتى قبل الدين.. ويجي الشاعر داك يقول:
"ولولا معانٍ سنَّها الشعرُ، ما درى بُناةُ المعالي كيف تُبنى المكارمُ"
لأنه نحن كلنا ما عندنا أخيلة الشعراء.. فالشاعر، أو الفنان، قيمته لينا، أنه عنده خيال.. يقوم يرسم لينا تجربته في الخيال ده، حقيقة من الأدب الرفيع، أو من الصور البتحفّزنا لنتعلّق بصورته الجميلة دي.
"ولولا معانٍ سنَّها الشعرُ،" تخيّل الشعراء للكمالات.. "ما درى بُناةُ المعالي كيف تُبنى المكارمُ"
التخيّل ده هو أساس الفكر، زي ما قلنا، وهو اللي بيشدّنا لنغيّر ماضينا، بالصور المزخرفة المقبلة.
وده، ما من أجله، مثلًا، حُرِّم الهروب عن الواقع، البيحصل في الخمرة.. قلنا كده.. قلنا أنّه الإنسان الـ بيسكر، إنسان بيتخيل واقع لطيف، عايز يهرب ليه من واقعه المرير ده، ليعيش فيه..
لكن هو مريض، بخيال مريض.. مش بعلم يحفزه على أن يحقّق الخيال القدّامه، وإنما هي مسألة هروب من مواجهة الحاضر.. بدل يواجه الحاضر، ليطوره ليصل به للمستقبل، اللي هو شايفه مزخرف وجميل، عايز يهرب من الدنيا كليةً، ويغرق عقله بالخمرة، ويرتاح منها، ويعيش في دنيا من أحلامه المريضة.
وزي ما قال الأعرابي:
"فإذا صحوتُ فإنني ربُّ الشويهةِ والبعيرِ،
وإذا سكرتُ فإنني ربُّ الخورنقِ والسديرِ"
اللي هم قصور، لملوك من ملوك العرب.. لمّان يسكر، يشوف نفسه ملك.. ولمّان يصحى، هو رب الشاة والبعير.. رب الشاة والبعير ده ما عاجبه.. لكن ما عايز يعمل ليغير الشاة والبعير ليمشي لقدّام، عايز يهرب من واقعه بالخمرة.
التخيل ده هو أُسّ الفكر.. وهو مطلوب دايمًا، على أن يتصعّد ويتسامى.. مش أن يكون أخيلة مريض، أو أحلام يقظة.. وإنما جدّ وعمل.
والصور اللي إنت بتحلم بها، تحاول أن تحققها بالطريقة المشروعة.. وبعدين تكون عندك قيم.
الأخيلة اللي إنت عايزها، هل هي أخيلة باقية، ولا أخيلة فانية؟
هل إنت عايز ليك بيت كبير، وعربية طويلة، وتلاجة، وجنينة، ومنصب كبير، وجاه؟ ولا إنت عايز قربك من الله؟ تجي القيم هنا كمان تدخل.
أي حاجة من الحاجات اللي إنت عايزها في أمور الدنيا، دي إنت منهيّ عن أن تصرف زمنك فيها..
لأنه، زي ما قلنا، إن حصلتها بتمشي تخليها.. وتمشي تخليها بتوب واحد، زي ما قال عبد الرحيم محمد قيلي في المؤتمر.. توب واحد، مهما كان دولاب ملابسك ملان، بتمشي بتوب واحد.. بيمشي به الغني والفقير..
إذا كان كده، إذًا الحكمة في أنك تمشي لما عند الله، وتطلب ما عند الله.
وزي ما يقول.. المسيح قال: "حيث يكون كنزك، يكون قلبك".. "حيث يكون كنزك، يكون قلبك"
يعني إذا كان الحاجة اللي بتكنزها هي في الدنيا، قلبك في الدنيا، ماك عايز الموت.. عندك شنو في الموت؟ ما هناك، ما في غير الخراب، ما قدّمت حاجة..
وإذا كان عايز تمشي لقدّام، خلّي مخزونك عند الله هناك قدّام..
اعمل الدنيا كلها وسيلة لتدّخرها، وتمتطيها لتصل بها الخير الباقي، والخير الدائم، الما بتنكّد، لا بمرض، ولا بآفة، ولا بموت.
ـ