وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

القرآن مستويان

محاضرة الدستور والحقوق الأساسية - الجيلي ١٤ مارس ١٩٦٩

القرآن مستويان

نحن نقول: دستورنا القرآن.. دستورنا لا إله إلا الله.. ده معنى واضح عندنا، لكن محتواه شنو؟
أها القرآن.. إن جينا للقرآن نحن.. القرآن مستويين.. أيسر ما بتعرفوه عنه: أنه القرآن المكي والقرآن المدني.. ١٣ سنة نزل القرآن في مكة.. قريب من ١٠ سنين نزل في المدينة.. من القرآن المكي والقرآن المدني جاء المصحف العندنا.
القرآن المكي أصول.. القرآن المدني فروع.. قبيلك نحن قلنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.. ده قلنا أصل، ده دين.. بعدين: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾.. دي الآية الفرعية اللي قامت عليها الشريعة.
الآيات الفرعية دي نسخت الآيات الأصلية.. من الآيات الأصلية المنسوخة، مما يخص كلامنا نحن في الحقوق الأساسية: حق الحرية.. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.. ده القرآن المكي.. ده الحرية.. والحرية هنا في قمة، أصلها ما يتطاول لها متطاول.. كأنها تقول أنه لنبينا على كماله: ما تبقى وصي على الناس، ما تفرض نفسك عليهم.. بلّغهم، ذكِّرهم، الباقي خليه لي.. كأنه ربنا بيقول كده.
كأنه من الفهم العام أن الحرية هي من المعزة في الإسلام بحيث لا يجعل عليها وصي.. الكلام اللي قبيلك قلناه: إذا كان في وصي، الحرية راحت.. إذا كان أكمل الناس، ما يُجعل على أنقص الناس.. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ للنبي الخطاب ده.. ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.. على مين؟ على المشركين، نهوهُ عن أن يسيطر عليهم.
آه.. دي آيات منسوخة.. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.. دي آيات منسوخة.. نُسخت بقرآن المدينة.. قرآن المدينة جاء فرع من الأصل ده.. نزل من الأصل ليقرِّب للناس.
هنا نُسخت.. آية السيف نسخت أكثر من أربعين آية من الآيات اللي في مستوى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.. سُمِّيت آيات الإسماح، أربعين أو أكثر، نُسخت بآية السيف.
آية السيف بدت لما ربنا جرَّب المكيين، المجتمع الماضي، ١٣ سنة بالقرآن في مستوى الإسماح، ما استطاع المجتمع ده أن يستجيب.. كأنما ربنا سحب حريته منه، وجعل النبي وصي عليه، لأنه شعب قاصر.
جاءت الآيات اللي فيها الإكراه.. وبدت بـ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ .. مشت لقدام قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ .. مشت لقدام قال: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (التوبة: ٥).
وجاء الحديث النبوي: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا عصموا مني أموالهم ودماءهم، إلا بحقها، وأمرهم إلى الله."
وجاء عهد الوصايا.. عهد الشورى.. هسع دعاة الإسلام، دعاة الدستور الإسلامي، يقول لك: الإسلام حكم الشورى.. حكم الشورى ما حكم ديمقراطي.. حكم الشورى حكم الفرد الرشيد، اللي ربنا جعله وصي على الناس القُصَّر، ليربيهم ليصبحوا ديمقراطيين عندما يرشدوا.. وده المعنى اللي به آية الشورى وآية السيف نسخت الآيات الكبيرة.
نحن عندنا القرآن المكي في الأصول بتاعة الحكم، بالصورة دي منسوخة.. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ منسوخة، حتى بالاستثناء اللي بعدها: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ .. كأنه جعلنا لك عليه سلطان.. أو جاءت الآيات اتنسخت بالصورة دي.
ديننا في المستوى المنسوخ هو اللي فيه الدستور.. إذا كان نحن عايزين الدستور الإسلامي، لا يمكن أن نصَل ليهو إلا بأن نتداول النسخ.. الآيات اللي قبيلك فرعية، وكانت ناسخة لأنها صاحبة الوقت في القرن السابع.. تصبح منسوخة.. وتقوم الآيات الكانت منسوخة قبيل في الوقت الحاضر.
وربنا ما نزل القرآن على المستويين عبث.. ولا يمكن أن يكون نسخ ربنا للأصول نسخ سرمدي، لأنه الأصول أكمل من الفروع.. قرآننا المنسوخ أكمل من قرآننا الناسخ.. القرآن كله كامل، لكن بعضه أكمل من بعض.. كله حسن، لكن بعضه أحسن من بعض، حتى ربنا يقول: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
ـ