وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الطائفية

محاضرة الدستور والحقوق الأساسية - الجيلي ١٤ مارس ١٩٦٩

الطائفية

ما في أي حاجة تمنع حدوث مرور الدستور الخطأ إلا إذا وعيت أنا وأنت.. ما في أي حزب لا يمكن أن يرعى مصالحنا، إلا إذا كنا نحن في القاعدة بنحاسب القمة.
وأنا أفتكر الكلام ده ما بيحتاج واحد يكلمكم عنه كثير، لأنكم عارفينُّه.. تجي الأحزاب ويقولوا ليكم: نحن برامجنا بالصورة الفلانية، نحن بنعمل وبنعمل.. وتنتخبوا أنتم النائب، النائب ما بيجي راجع ليكم، ولا بيعرف عن مصالحكم حاجة.
أنتو هنا واعيين وقريبين من المدينة، وناسكم بيكونوا بعض الشيء يختشوا.. لكن في الغرب، في الشرق، في الشمال، في نواب بيرسلوا من الخرطوم، الواحد ما عارف المنطقة الهناك.. ما عارف مشاكلها ولا مصالحها، ولا بيهمه في الحقيقة، ولا عنده ولاء لهم.. لأنه إذا عنده ولاء، يكون لرئيس الطائفية اللي قال له.. أها رئيس الطائفية يقول للناس نائبكم فلان، انتخبوه.
ويجي فلان ده، ما يرجع لهم تاني إطلاقًا، ولا يعرف عنهم حاجة.. بل الحقيقة إن جوا في الخرطوم، يستقذرهم، ولا يقابلهم.
أحزابنا قايمة على الصورة دي.. قايمة على تنظيم طائفي، قمته، مصلحتها تختلف عن القاعدة.. بل الحقيقة أنه قمته مستقلة عن القاعدة.
فنحن إذا كنا جاءنا وضع دستور جاهل بالصورة دي، بيبقى فترة كبيرة جدًا قبل ما الناس يستطيعوا أن يتخلصوا منه.. المسألة البتمنع من مجيء الدستور، هو أنه أنا وأنت نوعى، لنعارض الدستور الجاهل.
نحن بصورة خاصة، يعني نحن الجمهوريين، بنعتقد أنه البلد ده ما عنده فرصة إلا بالدستور الإسلامي.. لكن مش الدستور الإسلامي بتاع الطائفية.. مش بتاع العلماء الماشيين مع الطائفية.. مش بتاع فيصل.. مش بتاعين الناس اللي بيستغلوا الدين للسياسة.
الطائفية، لمّان نحن نتكلم عن الطائفية، المسألة بتعني النظام البيقوم على الدين، لكنه في حقيقته تقديس رجل الدين الفوق.. ما بيُسأل عما يفعل.. بل الحقيقة نحن ما بنناصره لأنه بنوزن كلامه، نحن بنناصره لأنه هو أمرنا.. نحن بنعتقده هو، صح ولا غلط..
نحن بالصورة دي، الطائفية عندنا، وأحزابنا قايمة على الطائفية.. حتى الوضع السياسي لمان برز، حاول يبرز مثلًا زي السيد إسماعيل الأزهري، عشرة سنين، رجع للطائفية مرة تانية، لأنه حتى في تنظيمه الماضي كان طائفي، بمعنى أنه السيد إسماعيل الأزهري يعمل ما شاء في الحزب.
أها دا تفكير الطائفية.. وأصله الإنسان كرامته أن يكون حر، مش كرامته أن يقولوا له نحن عملنا كدا، ويسكت هو عليها.
فلمان كان التنظيم ده في أصله طائفي، بعد ما برز من الطائفية عشر سنين، رجع تاني.. فهنا أنتو شايفين مثلًا السيد الصادق، قال أنه هو عايز يصطفي الطائفية، وقام عليها ضدها بالصورة اللي أنتو شايفينها، هسّع رجع لنفس الموضوع.. مما يدلّكم على أن محاولتنا ما قايمة على أسس، ما قايمة على أصول.. نحن طائفيين، مخ عظامنا ده، اللي بيجري فينا بالصورة دي، اتربى بالتنظيم الطائفي.. عايز تغيير أساسي.
طيب.. الطائفية في حقيقتها على طول المدى، استغلت الشعب بالدين.. الطائفية ما عايزة تنوير الناس.
أنا هسّع ما ممكن أمشي مثلًا في قرية من الغرب، قرية من قرى الأنصار مثلًا، أو قرية من قرى الختمية، أجد فرصة لأتكلم بالصورة دي ضد الطائفية.. ما بيرضوا.
أها الطائفيين، زعماء الطائفية، ما بيكونوا عايزين الكلام ده.. ليه؟ الكلام ده ما تنوير للناس.. لكن زعيم الطائفة إذا تنوروا الناس، الطائفية بتنفض.. إذا جاء الإسلام الصحيح، ما بتكون في طائفية.
شوفوا أنتو الإسلام الصحيح، عندما تولى سيدنا أبو بكر الخلافة، قال: "أيها الناس، لقد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدّدوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم."
هدي تربية الإسلام.. لا يمكن أن تكون الطائفية عندها تسامح مع كلام زي ده، لأنه الطائفية عايزة الطاعة، عايزة الإشارة.
آ نحن، أحزابنا ضد الوعي.. الطائفية إذا كان بالصورة دي العقيدة زيفتها، لمّان نحن نجي نديها دستور في يدها، بقت عندها السلطة الروحية والسلطة الزمنية.
الدستور الإسلامي المزيف، دستور الطائفية.. الدستور الإسلامي اللي بيكتبوا عنه هسع الناس، ويكون مثلًا في زي مسجدكم ده، يقوم خطيب يجيكم من الخرطوم، أو يكون من الناس هنا، يقول ليكم: نحن عايزين حكم الكتاب والسنة.. نحن عايزين الدستور الإسلامي.
نرسل تلغراف هسع للجهات، أو نقوّم وفد.. تجي تلغرافات، تُنشر في الصحف، انتو شفتوها.. تجي وفود، تقابل السيد إسماعيل الأزهري، تقابل السيد الهادي، تقابل السيد محمد عثمان الميرغني.. عايزين الدستور الإسلامي.
الناس في الحقيقة، ناسنا نحن، بيحبوا الدين محبة حقيقية.. ويمكن أن يتضلّلوا بالدين.. لكن أي دستور إسلامي يمكن أن تلتمسه أنت من الطائفية؟
والناس اللي بيتعاونوا مع فيصل مثلًا، هل فيصل بيحكم بلده بالإسلام؟ الناس المشوا هناك عرفوا.. الإسلام طِلاء.
الإسلام ممثّل في البلاد الجاهلة بصورة السوط والسيف.. الفقير يسرق، بيقطعوا يده.. لكن الأمير يسرق، ما بتقطع يده.. والفقير قد يسرق الحاجة البسيطة المحتاج إليها هسّع.. الأمير يسرق الملايين، ما بيُقطع.. دي صورة الإسلام في البلاد دي.
ـ