وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

البقاء والفناء

ندوة مفتوحة - مدينة المهدية - السبت ١٩ فبراير ١٩٧٢

البقاء والفناء

هو أصله في بقاء، وفي فناء، وفي بقاء تاني... البقاء الأولاني ده غفلة... زي الإنسان ساكت، الغافل عن السلوك، وغافل عن الله، قد يكون بيصلّي أوقاته، وقد يكون غافل حتى عن صلواته، ما يعمل فرق عندهم، لكنه مو سالك، على حالة كأنه أصم.
بعدين يدخل في الرياضة... لمّان يُوقد بالرياضة، ولِقدام لِقدام لِقدام، كأنما بيتعلق بالغيب، يتعلق بالله.. ويكون شوية شوية شوية، يؤخذ فكره عن الناس اللي حوله، وعن نفسه.
أها دي - المرحلة دي - سُميت مرحلة فناء.. أفنى الوجود الخارجي، الناس وغيرهم، قد يمشي عريان بين الناس، وقد يعمل أي حاجة ويجري زي المولّه، كأنه مجنون.. ما شاعر بالناس، ولا شاعر بنفسه، ومتعلق بمعنى واحد هايم بيهو.. وده بيسموه فاني.. وده عندهم زي السكران.. أها ده ما هو صاحب شريعة.
دي تحصل لناس فترة طويلة، وتحصل لناس أوقات معينة، ويرجعوا منها.. تحصل لناس فترة طويلة، وتحصل لناس أوقات معينة ويرجعوا منها.. ووقتها اللي تكون معاه، ما عنده شريعة محفوظة.. ما بيصلّي صلواته ولا ولا ولا، ولا هو محاسب فيها.. مو مؤاخذ بها.. بعدين لمان يرجع لبقائه في الفترات الزي دي، واحدين يقضّوا.. واحد ياخذ زمن، ثلاثة أربعة سنين.. أها دي حالة الفناء، ما عنده شريعة، لكن هائم بالله.
واحدين يكونوا في هيامهم ده محفوظين مع الله.. المشارب فيها مختلفة.. واحدين، يكون هايم ومجذوب، لمّان يجي الوقت يصحى.. واحدين ياخذوا الأيام الثلاثة والأربعة يغيبوا، بعدين يرجعوا.. واحدين ياخذوا ثلاثة أربعة سنين، البيرجع بعد ثلاثة أربعة يوم، ثاني بعد خمس ستة يوم، ثاني يذهب في الجذبة.. واحدين ياخذوا ثلاثة أربعة سنين ويرجعوا.. الكامل هو البيرجع لشريعة ثاني، بعد ما فنى.. ده اسمه البقاء الثاني.. بين البقائين في الفناء.. البقاء الثاني بقاء معرفة وكمال وترشيد، يبقى صاحب حقيقة وشريعة.. البقاء الأولاني صاحب شريعة ساكت، ما معاها حقيقة.. الفناء فاني عن الشريعة وباقي مع الحقيقة.. وزي ما قلت لك ده بسموه هم حالة سُكر..
..
فناء الفناء في الحقيقة عندهم البقاء.. فناء الفناء عندهم البقاء.. لكن جايز الزول القال القصيدة دي ما محقق في موضوعه.. فناء الفناء البقاء.. البقاء الأخير.. يفنى عن فناه، يبقى يبقى.. زي كأنه عُولج بـ.. زي يقولوا السكران كان اصبحت بايتة معاه، يدوه كأس في الصباح يصحى.. الحكاية دي ما مسموعة دحين؟ كان أصبحت بايتة معاه.. أبو نواس يقول: "وداوني بالتي كانت هي الداء".. فدا هنا دا فناء الفناء.. يبقى بقاء.. وبعدين هم في السكر ما مؤاخذين: "ولا تلم السكران في حالة سكره.. لقد رُفع التكليفُ في سُكرنا عنّا".
وبعدين الحالة دي كل الكبار يمروا بها.. وفي حالة نبينا كانت نوع من الوله، ظنّوه به مجنون، لما جات (ن، والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون).. جات رد عليهم هم، لأنهم طبعا قالوا عنه مجنون.. شافوا صفات الوله، اللي هي التعلّق بالمعاني الكبيرة.. تظهر على الواحد بصورة ظاهرة.. أها دا الفناء.
فناء الفناء.. دحين النابلسي ما عنده بيت زي ده؟ يا كرومة..
أيوه.. ما هكذا شرط الهوى إن يرد فرد فناء الفناء.. ايه يا حسن؟ فناء الفناء..
ما هكذا شرط الهوى إن يرد فرد.. شرط الهوى يعني أن تريد ما يريده المحبوب.. ما هكذا شرط الهوى إن يرد فرد.. فناء الفناء.. فدونك شرطي إن أردت شريعتي، فإني مدى عمري إلى الحب سائر..
فناء الفناء بقاء يعني.. زي اللي يقول يعني: فناء الفناء.. حسن عبد الحفيظ تتذكر بيت زي ده؟
ما هكذا شرط الهوى إن يرد فرد، فناء الفناء (في كلمة كده يقول) الذي أنت ذاكر.. كانه يقول يعني معايشة اللي بتذكره، ده فناء الفناء.. لكن الكلمة الشعرية واردة بصورة: ما هكذا شرط الهوى إن يرد فرد، فناء الفناء (كان يقول: كون الذي أنت ذاكر)..
فناء الفناء مش ذكر، حياة، اكبر من العلم.
ـ