وعند العارفين أنّ هناك عقلين: عقل المعاش في التدبير اليومي، سُمي عقل المعاش، ببشتغل بتدبير الحياة اليومية، وعقل المعاد.. العقل الـ بيعرف الحقائق اللي وراء المادة، والعقل المشغول بالمادة.. حتى عندهم أنّهُ عقل المعاش ما هو عقل.. عندك في القرآن في الآخرة أهل النار يقولوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
آ هنا العقل اللي قصدوه عقل المعاد، عقل المعرفة الإلهية، لكن عقل المعاش قد كانوا يعقلوا، قد كانوا يجودوا العقل في أمور دنياهم وأمور معاشهم.. وهناك ربنا يقول عنهم: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.. فترى أنّه ينسب لهم العلم، وينفي عنّهم العلم: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
فالعقل ده - عقل المعاش - إذا كان آمن بالله واتريض بالرياضة الإسلامية في العبادات يعرف ويبقى عقل معاد.. والحقيقة أنّه العقل ما يحرفه عن جادة الطريق هو الهوى.. الهوى يعني تمنيك الحاجات اللي أنت عايزهن.. أنت ماك عايز الحاجة العايزها الله.. البعيد الثالث والرابع من الناس طوالي باستمرار الحاجة العايزها هي إرادته هو، مش عايز إرادة الله.. ده العقل المنحرف.
العبادة جات لـ نسير بإرادتنا مصاقبة ومسلّمة وراء إرادة الله.. ودي سيطرة العقول علينا.. العقول المتريّضة بالعبادة هي العقول اللي تقول أنه ما يريده الله أفضل مما تريده أنت، ويجب الرضا به.
والحقيقة أنه العقول عند العارفين هي الرسل اللّي جات لينا، يعني لمّاً ربنا يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.. قالوا: الرسول المَلَك الـ بيجي للبشر لـ يوحي ليهم، والرسول البشر الـ بيجي للأمة ليعلمها، والرسول العقل.. دي كلها رسل على درجات مختلفة.
فهنا العقل رسول لينا نحن، لأنه في بداهتنا الـ بنعيش فيها، أنه ما بنجد من الحاجات الـ بنرتفق بها أو بناكلها أو بنشربها أو بنستعملها، حاجة بتعمل نفسها، أو بتنعمل براها.. يعني عقلًا، المنصة دي، لو ما في نجار عملها، ما في تجربة مضت علينا في عقولنا دي، أنها بتعمل نفسها.. تجينا البديهة بأنّه الكون ده عنده خالق.. الخالق ده صفاته شنو؟ أعماله شنو؟ دي ما بنعرفها.. عرفنا أنّه فيه، لكن ما بنعرف أسماءه وصفاته وأفعاله.. جونا الرسل ليقولوا لينا صفاته.. الرسل ما جوا عشان يقولوا للناس أنّه في خالق للكون، رسل العقول أغنت عن المسألة دي بدري.. بعدين الرسل جوا ليزيدونا معرفة في صفاته وشمائله لنتخلق بها، لنتشبّه به، لنعرفه.
العقل الماشي في الرياضة بالصورة دي، باستعمال الشريعة ليصل للحقيقة، عقل هو المقصود من المنطقة الـ بنتكلم فيها.. حتى ده هو بيسوقك لـ الله، لـ عتبة الذات ويتخلّف عنك، زي نقطة جبريل.. جبريل قلنا نور عقل، جبريل من العقل، جبريل عندك وعندي وعند الثالث والرابع، كل واحد منّنا عقله جبريله.
أها العقل ده اللي هو بيمثله جبريل، وساق نبينا، جاء عند سدرة المنتهى وقف.. وقال أنه العقل زي الرسول - المراسلة.. وهم بيشبهوا، الصوفية بشبّهوا المسألة دي بالمَلِك، لأنه المَلِك الحسّي، المَلِك البشري، بيشبه الصورة الإلهية لملك الملوك.
فقالوا إذا كان الملك رسل المراسلة ليك عشان ما تجي تقابله، مهمة المراسلة بتجي لغاية ما يجيبك عند الباب إن كنت ما بتعرف الملك وين، لكن ما بيدخل معاك ليحضر مجلسك مع الملك.. بيقيف برّا، أنت بتقابل الملك.
هنا لمّاً ربنا رسل مراسلة جبريل، جبريل خدّام للنبي، وخدّام للأنبياء كلهم، وخدّام للبشر في الحقيقة، بالمعنى التكليفي له، جاء، وجاء عند الباب وقف.. فدخل نبينا لحضرة ملك الملوك.. فقالوا العقل ده يسوقنا بالدلائل اللي قلناه هسع لغاية عتبة ذات الله يقيف.. ليه؟ لأنه العقل لا يفهم إلا بالثنائية.. العقل وسيلته للعالم الخارجي الحواس الثنائية: العينين، والأذنين، الأنفين - الصورة الثنائية في حواسنا - العقل ذاته ثنائي.. هنا بيسير بيك في مناطق معرفة الثنائية لـ الله، اللي هي معرفة إرادته، والإرادة دخل بها الخير والشر.. لكن عندما تجئ عند معرفة ذات الله، العقل يبقى حجاب.
والصوفية يقولوا أنّه هناك حُجب: حُجب الأنوار وحُجب الظلمات.. حُجب الأنوار وحُجب الظلمات.. حُجب الظلمات هي مسألة الشهوات الحيوانية.. حُجب الأنوار هي حُجب العقل.. ونبينا قال: «إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة.» يُغان يعني تجي حالة من القبض، يجي حجاب.. لكن قال: «إنه غان أنوار، لا غان أغيار».. حُجُبه حُجُب أنوار لا حُجُب ظلمات.
حُجب الأنوار في العقل هي أنّه بيحاول أن يحدّد الله.. بعدين تجينا التنزيه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.. كلّما العقل حاول أن يدرك الله على صورة، الله غير دي.. جات العبارة اللي خرجت من هنا: "كلما خطر ببالك الله بخلاف ذلك." حتى ربنا يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني أحسن من وصف ربنا المرسلون، ثم ربنا يتنزه عن ده.. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾َ.. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾َ.. انتهى ألّا يكون في أيّ تحديد، ووقفت العقول.
هنا السالكين لـ الله بيعرفوا كيف؟ يعرفوا بترويض العقول لأن تنتفي عنّها الأغراض.. أن تكون خالصة.. أن يكون التفكير علمي.. ما عنده تمنّي.. ما عنده هوى يحرفه.. بعدين يمشوا بيه لقدام، لغاية ما تجي لحظة من لحظات التوقّف الفكري.. واللحظات دي تحصل الفينة بعد الفينة، لكنها خارج الزمن.. أصله أنت ما دام بتفكر أنت داخل الزمن.
لكن لمّاً يكون في لحظة توقّف فكري، إذا استطعت أن تتصور الفكرة دي، أنك بدقة فكرك توقف فكرك، ترفع حجاب الفكر، أنت ترى الله في ذاته، الما بتشبها ذات، ولا عندها ثنائية.. ويقولوا لك أنّه معرفة الله معرفة حق، ومعرفة حقيقة.. معرفة الحق في منطقة العقول، لأنه الحق ضد الباطل.. معرفة الحقيقة بعد العقول، لأنه الحقيقة لا ضد لها.. ودي معرفة قلوب.. يُرى الله بعين القلب، ولا يُرى بعين العقل في المنطقة دي.. أها دي منطقة الوحدة.. عندما يُرفع حجاب العقل، بالصورة دي، يبقى الإنسان كأنه قلب كلّه، يرى الله فيه.. لأنه الله مو بعيد منّنا، الله ما في السماء.. جات العبارات بالمعراج بالصورة دي: الله ما في الكعبة.. لكنها لأننا نحن في حيز المحدود والمحسوس بنسير بالصور دي.. لكن عندما تكون عندك الجمعية، وعندما يُرفع منك حجاب الفكر، عندما لا تحدّد الله، ترى بلا كيفية، وترى بكليتك.. أها نبينا جات عبارته بالصورة دي: «ليلة عُرِج بي..» قال: «انتسخ بصري في بصيرتي».. ما أصبح عندي فكر وقلب، ما عقل وقلب.. بقى كلّه قلب، فرأى الله.. بقى واحد رأى الواحد.. وخرج عن الزمان والمكان في الصفة بتاعة: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾.. يمكنك أن تتصور أنه لمّاً يقف في اللحظة الحاضرة، يمكنك أن تقسم اللحظة الحاضرة دي.. نحن عندنا مثلًا بنقيس الزمن إلى دقيقة وإلى ثانية، لكن ممكنك أن تقول ثالثة ورابعة وخامسة، ويمكنك أن تقسم السادسة إلى بليون جزء من السادسة.. يمكنك أن تتصور، تخرج عن الحيّز العملي، وتتصور أنّه الزمن يتقسم إلى دقّة، لمّاً يخرج من أن يكون زمن.
دي الحقيقة المرحلة اللي شاهد فيها نبينا ربّه شهود ذات، ورجع لـ يعرج له كل يوم.. وده سُمي بالشهود الذاتي، يحصل له الإنسان عندما يرفع حجاب العقل.. لا ترى ذات الله، وأنت بتفكّر، لأنه التفكير تجسيد.. عايز تتصور.. والله يتنزه عن أي صورة في ذهنك.
---