الصورة هي كما حكاها حسن، وكما حكاها إبراهيم، في أنه أصله كانت في الذات الموحدة وحدة مطلقة - الذات الصرفة.. ويسموها الذات الساذج، الذات الإلهية.. المشار ليها في (كنت كنزا مخفيا).. فحصلت الحركة، قال: (كنت كنزا مخفيا، فأحببت أو فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق، فتعرفت إليهم، فبي عرفوني).. ودي كلها مراحل تنزلات.. أول تنزل للذات الصرفة إلى منطقة الخلط إذا شئت، أو منطقة التجسيد، أو منطقة الثنائية كان تنزل ذات الله من صرافتها إلى الذات المحمدية، اللي هي أول قابل لتجليات أنوار الذات.. ثم بقت الذات المحمدية بين الذات المطلقة والذوات الأخرى كلها، منّها مددها.. عالم الأنوار وعالم الظلمات ممدود من الذات المحمدية القابلة لتجليات الذات الصرفة.
فكانت الذات المحمدية في مقابلة زوج لـ الله، بعد ما كان وحدانيته مطلقة، خلق له زوج.. ودي قلنا (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ).. ثم من الإنسان الكامل تنزلت الإنسانة الكاملة اللي هي زوجته.. ودي واردة في العبارة الصريحة في القرآن أنه الله خلق حواء من آدم، (وخلق منها زوجها).. وفي الحديث أنه المرأة مخلوقة من ضلع آدم.. من ضلع آدم.
يبقى تفسير الآية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).. تفسير الآية دي، النفس الواحدة هي نفس الذات الصرفة في المكان الأول.. ثم جاءت ذات الإنسان الكامل أو نفس الإنسان الكامل.. فدي ما سميت الذات القديمة.. ثم ذات الإنسان الكامل هي ذات حادثة، في مقابلة الذات القديمة.. هنا يبقى هي نفس واحدة لمّاً تجي في مرتبة الحدث - الذات ال حدثت، الذات الجديدة، (خلق منها زوجها)، جاءت حواء.. وبث منهما رجالا كثيرا ونساء..
كل واحد مننا هسه، كل واحد مننا في بنيته في زوجة وزوج، في رجل وامرأة.. وده أفتكر جاء في كلام ما اعرف يمكن قدامنا لنقراه، أنه كل واحد مننا نتيجة للقاء الذكر والأنثى، ولذلك نحنا نجمع خواص الذكورة والأنوثة في كل واحد مننا.. فمن جانب الأنوثة تجينا المرأة، ومن جانب الذكورة يجينا الرجل.. وده ما سمي الروح والنفس.. كل واحد مننا عنده روح ونفس.. النفس امرأة، والرجل روح، وبيناتهم تزاوج في الحقيقة.. هنا ده جاء كلامنا فيه في أنه الله خلق خلْق هم عقل بلا شهوة.. وخلق خلق هم شهوة بلا عقل.. الله خلق الملائكة عقل بدون شهوة.. وخلق إبليس وذريته شهوة بدون عقل.. والإنسان برزخ بيناتهم.. حتى في تفسيرك (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ..).. هذان البحران هما بحر الأنوار العلوية، اللي هم الملائكة، وبحر الظلمات السفلية، اللي هم الأبالسة - إبليس وذريته - ثم البرزخ الـ بين البحرين هم البشر.. فكأنما البشر شهوة رُكّب عليها عقل، وأمر أن يسوسها.. أها العقل ده في مرتبة الذكورة، والشهوة في مرتبة الأنوثة.. الشهوة النفس والعقل الروح.. ونحن في المزاج ده بقينا نتأرجح بين الخطأ والصواب.. الأبالسة يخطئون ولا يصيبون والملائكة يصيبون ولا يخطئون والبشر يخطئون ويصيبون..
ومن هنا جاء كمال النشأة الـ قبيل اتكلمنا عنه في الصباح.. وجاء حديث نبينا (إن لم تخطئوا وتستغفروا، فسيأتي الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيُغفر لهم).. كانه كمالكم يا هو ده.. ومن هنا كمال النشأة في البشر أنهم بيها يكونوا أكمل من الملائكة، حتى قيل أن مطلق بشر أكمل من أي ملك.. مطلق بشر في نشأته أكمل من أعلى الملائكة.. والملائكة كمالهم كمال درجة.. والبشر كمالهم كمال نشأة.. وده معناه أنه الملائكة ما بيتطوروا ويزيدوا بمدى كبير، ما في شيء ثابت إلا الله، كل شيء بيتحرك وزايد.. لكن البشر هم اللي بيتطوروا ويزيدوا ويبلغوا درجات الملائكة الأعلين ويفوتوها.. وقلنا في مرة أنه الملائكة بالنسبة لخط التطور بتاعنا زي حجار الكيلو بالنسبة لشارعنا.. في اللحظة دي أنت هنا وفيه قدامك كيلو - حجر كيلو عند الكاملين، لكن أنت راكب بصك، كل دقيقة أنت بتقربه عليك لغاية ما تجي وتفوته.. فالملائكة هم علامات في طريق تطور البشر.. ده معنى أنهم أكمل درجة، ونحن أكمل نشأة، بننتقل باستمرار وبنزيد وبنمشي لغاية ما يكون عندنا شهود ذاتي لا يكون للملائكة فيه حظ، إلا إذا دخلوا في البنية البشرية دي..
المزاج ده فيه النفس وفيه الروح.. فأول تنزل من الذات الحادثة، إذا ما قورن بالتنزل من الذات القديمة، أول تنزل من الذات الحادثة كان بروز المرأة من الرجل، اللي هي قال عنه خلق حواء من ضلع آدم.. وبالصورة دي كانت هي زوجه في الحقيقة، لأنها انبثقت عنه، لأنها هي زوج نفسه.. زي ما عبر إبراهيم مكي.. حتى أنه العارفين يقولوا هنا (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس)، النعلان هم الزوجة والنفس.. الخطاب الورد لسيدنا موسى، وهو خلى زوجته في الظلام، وجاء للنار لعله يجد وصف للطريق اللي ضلاه، أو يجد له قبس من النار يشيله، لأنه الليلة كانت مظلمة وباردة، لعلهم يتدفوا.. فلما جاء هناك كان عنده هم بزوجته، وعنده هم بنفسه، خصوصا لما ورد الخطاب من النار فاستوحش.. فقيل (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس).. أترك همك بنفسك وبزوجتك.. وأنتوا عارفين الزوج النعلين كيف بيتشابهوا.. أها ديل الزوجين.. وإذن زوجتك في الحقيقة هي انبثاق نفسك عنك خارجك معناها ده.. أنها زوجتك في الحقيقة بتشبه نفسك الداخلية شبه شديد جداً.
وزي ما قال حسن أنه النفس البشرية هي الكون الأكبر.. لمّاً قال (وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر).. العارفين قالوا العالم الأكبر الإنسان.. والعالم الأكبر مساحة طبعا أنتو عارفينه.. لكن الإنسان صاحب الجرم الصغير ده هو الكون الأكبر، لأنه هو عرش الرحمن.. (ما وسعني أرضي ولا سمائي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن)..
بهذا أصبح الأمر في أنّه زوجتك هي جماع آيات الآفاق لك، لأنّه نفسك هي جماع آيات الآفاق وهي أكبر.. ولذلك ربنا يقول (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).. بعدين يجي (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟) يعني تحتاجون أن تعرفوا الله بمخلوقاته؟ أما كان الأولى أن تعرفوا المخلوقات بالله؟ ولذلك العارفين بعد ما ينسحبوا من الخارج ليدخلوا جوا، يعرفوا الخارج بالداخل.. بعد ما يعرفوا الداخل بالخارج، يعرفوا الخارج بالداخل.. ثم هذه المعرفة لا تتناهى وتستمر في السرمد، حتى بعد أن تنتهي الأكوان وتطوى، ولا يكون غير العبد والرب..
ده ممكن يكون بإيجاز تعريف المسألة بتاعة (زوجك هي انبثاق نفسك عنك خارجك).. ويمكن الناس يجاوبوا على السؤال ده بالبساطة الواردة في أنه حواء هي زوج آدم (أسكن أنت وزوجك الجنة) وهي مأخوذة منه.. هي مأخوذة من ضلعه.. حواء خُلقت من ضلع آدم.. وده يكفي في الرد على أنّ (زوجك في الحقيقة هي انبثاق نفسك عنك خارجك)..
طيب إذا ما في زيادة في الأمر ده نمشي للسؤال الفرعي الثاني اللي قد يثيره جكنون.
---