وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

حديث الأدب

جلسة مقدم وفد معرض جامعة الجزيرة - مدينة المهدية - منزل الأستاذ - ٦ فبراير ١٩٨٣

الأدب

يختم الانطباعات اللي سمعناها وكانت انطباعات في جملتها طيبة.. وإن شاء الله يبتدئ العمل الداخلي ينطلق بصورة أوسع.. الناس الأقباس ال وجدوها والروحانية ال وجدوها، وما قال عنه برضو جبريل هسع، من مش المسألة بتاعة المنابر هي أن نقدم الأجوبة الصحيحة، هي أن نُخرج من أنفسنا التجربة الصحيحة، والأجوبة الصحيحة، ودي دايما بتكون بالممارسة.
هي المعارف ماها حاجة، إلا إذا كانت تجسّدت في الأخلاق والمعاملة.. وأنا أفتكر أنه مفتاح المعرفة الإلهية كلها هي الأدب، ده كنت قلت ليكم كتير، وأحتاج أن أقوله كتير، الى أن أراه في المجتمع.. أنا أؤكد لكم أنه المجتمع قليل الأدب تماما.. النقطة دي لازم تكون واضحة، ولا يمكن أن تلقوا الله بسوء الأدب.. والأدب مع كل الناس.. الناس يتكلموا عن الأدب مع النبي، ودا هروب من مواجهة الأدب مع الأخوان الصغار والأخوان الكبار.. اتعلقت المسألة شوية في الأدب مع النبي – النبي ما بيُعبد في فراغ - ما بيُحب في فراغ زى ما الله ما بيُعبد في فراغ وما بيُحب في فراغ، في الناس ال حولك هل إنت متأدب مع الصغير ومع الكبير؟ هل إنت متأدب بمعنى أنه قد يكون إنت بتعرف عيوبك والآخرين أفضل منك؟ والا بتنشغل بعيوبهم هم ويهونوا في نظرك، وتكون قليل أدب معاهم، لأنك رافع نفسك، مفتش لعيوبهم هم.. فالأدب مع كل زول لابد أن يكون بالصورة دي.. والأدب علم، ده قلناه.. الأدب علم، إن بقى إنت بتعلم نفسك وحقائرها ونقائصها بالصورة الواضحة عندك، إنت بتجهل الناس الآخرين، إذن حسّن الظن بيهم، وأنسبهم الى الفضل وانسب نفسك الى النقص.. وهو ده الأدب.. الأدب أن تقدم غيرك عليك بأن تعرف نقائص نفسك، وما دام بتجهل نقائصه هو، إذن حُسن الظن بالناس.. الصورة دي مافي في المجتمع.. النقطة دي لازم تكون واضحة.
الناس إذا كانوا عايزين الله – عايزين المعرفة – يكونوا مؤدبين.. والأدب مش مع النبي – مش مع الله – في النهايات نعم، لكن ابتدئ بي جارك.. ابتدئ بالزول المعاك – ابتدئ بي جمهورك – (الدين المعاملة) معناها دي.. إذا كنت عايز الدين، البتدين بيهو الله لتجد الله، هو المعاملة، وهي بتقوم على الأدب.. وأنا بفتكر أنو إذا كان المؤتمر ده عمل فينا حاجة وأدانا شدة روحية، هي أن يظهر لى أنا في الأدب في مجتمعنا.
وأنا أعتقد أنه المجتمع حقو لغاية الآن كون رأي عام، لكن ما مكوّن الراي العام.. الرأي العام ده هو البيضبط الناس في أن يكون سلوكهم حسن.. الرأي العام معناه رفضه لصور السلوك الناقصة.. إذا أنا مؤدّب، وفى واحد تاني ما مؤدب، وأنا راضي بيهو على صورته، أنا ما مؤدب، في التحليل الأخير.. فالرأي العام هو إذا البيهذّب المجتمع.. الرأي العام ده ما تكون عندنا.. ما اتكون لأنه الناس ماشين بعفوية، مافي انضباط، مافي قيم بنضحي في سبيلها وبنرعاها، وبنديها الوزن التقيل والوزن الكبير.. مافي!! وما تغرّكم يعنى المعرفة بالكلام والمقدرة على هزيمة الخصوم.. لأنه أنا أفتكر أنه العبارة برضو اللي قالها جبريل، مش هي الأجوبة الصحيحة، هي أن تكون الأجوبة الصحيحة ملكك، مش ناقلها.. وما بتكون ملكك إلا إذا كنت مؤدب.
والأدب زي ما قلنا كان التصوف كله يوصفوه بأنه الأدب.. والنبي سمى النبوة الأدب.. (أدبني ربى فأحسن تأديبي)، دي النبوة.. (ثم قال خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين).. فأنا أحب أنه إذا كان في ثمرة فعلا مرقنا بيها هي دي.. وأنا أفتكر برضو لازم أن ألفت نظركم لي دي، أنه ما من حسن الأدب أن تمدح الأكبر منك.. لأنه لمّاً بتمدح الأكبر منك فلان وفلان وفلان كأنك إنت بتقول أنا في موقف أقدر أحكم عليهم.. عمليا كده.. سيبوا مديح الناس اشتغلوا بنفوسكم.. واحد من الأصحاب مدحوه الناس، لمّاً، قال ليهم (قصمتم ظهر أخيكم.. ما أفلح لو سمعكم).. أنا بشوف كتير من الناس يمدحوا الناس، سيبوا الناس لي مديحهم، بيعرفهم الله وبيعرفوا أنفسهم أكتر منكم.. اشتغلوا بي أنفسكم، ودي نقطة من نقط عدم الأدب – مديح الناس - مديح الناس اللي هم أكبر منك.
فأنا أفتكر أنو موضوعنا ده يجب أن يكون مجوّد، والموضوع ده كلو جد ما فيهو هزل كلية، وهو بيغربل وبيلفظ.. بيغربل وبيلفظ.. الما بكون منتمي لحقيقة سلوكه، أؤكد لكم عاقبته بتكون لفظ.. فلازم الناس تهمهم أنفسهم ويلتزموا.. يلتزموا الأدب ويلتزموا السلوك، ويقدموا الآخرين عليهم، وما يشوفوا العيوب في الناس، يشوفوا العيوب في أنفسهم.. يشتغلوا بعيب أنفسهم.. سيب حسنات الآخرين، بيعلمها الله.. سيب سيئات الآخرين، بيعلمها الله.. إنت بتعلم سيئات نفسك، وتقصير نفسك، حتى وإن مدحك الناس، تلزم ما تعرفه انت من تقصيرك.
آ نحن ماشين مثلا في مسألة الاشتراكية والديمقراطية.. الناس ما ينشدّوا لخارجهم.. في العبادة الخاصة نحن ما دخلنا جوة كفاية، لكن هسه لمّاً نجى نتكلم عن الديمقراطية والاشتراكية معرضين لأن نعيش في الخارج.. أحسن الناس يكونوا – العايز يعرف الديمقراطية يكون ديمقراطي.. الديمقراطية التواضع.. شفتوا العبارة اللي نحن لمّاً نقول سنة النبي الديمقراطية – العبارة اللي قال عنه: (إني لست ملكا، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد).. تصوروا دي!! بيحقّر نفسه قدام الآخرين عشان داك تصح عبارة نفسه عنده، وعشان يرفع رأسه.. العايز يكون يعرف اشتراكية يكون اشتراكي.. العايز يكون عنده عدالة بين الناس - الرجال والرجال والنساء والنساء - يتخلص من رواسبه البتخليهو مقيد.. فمجهودنا لازم يكون داخلي.. نحن ماشين للديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، مجهودنا داخلي.. ده، بالصورة دي بنقدر نرفع الفكرة ونرفع أنفسنا بيها..
إن شاء الله ربنا يوفق المجتمع الجمهوري ليكون في القامة المرجوة منو ليرفع نفسه، ويرفع الفكرة اللي بيرفع بيها الناس، ويرفع الناس.. وفقكم الله..
---