الحقيقة نحن ركزنا على أن أصل مرحلة الوصاية مش مرحلة حقوق كاملة.. دي بطبيعة الحال.. والوصي الرشيد، على أرشد ما يكون، يحجب عن القاصر الحقوق الـ بتترتب عليها مسؤولية لا يطيقها.. كأنه كده.. الوصي الرشيد يحجب عن القاصر الحقوق الـ بتترتب عليها مسؤولية أكبر منه.. وهو مجرد ما قيل أنه قاصر معناها أنه عنده مقدرة على التصرف في حيّز محدود.. فهو إذن مسؤول تحت ظل الوصي.. القاصر مسؤول تحت ظل الوصي.. الوصي بين القاصر وبين المسؤولية الكاملة.
وأحسن مثال يُضرب ل الأمر ده، هو مسألة حد الخمرة.. في الأصل الحد واقع على السكر.. والحكمة (...) مصدر الكرامة فيه، اللي هو العقل، وتهرب من واقعه، بان يخدر نفسه، ويذهب بعقله ليعيش في أخيلة مريضة، بدل واقعه المرير..
فقيل أن ده، بهروبه إلى الخمرة، أفقد نفسه القيمة، اللي هي العقل، اللي جعلته كريم عند الله.. وإذن أحسن حاجة لوزنه، أن يرجعوه لواقعه، بأن يذيقوه الألم بالجلد.. لأنه الجلد ما فيه خيال، زي خيال الإنسان اللي بيسكر ويتخيل أن دنياه ملوّنة، وأن هو بيعيش في عالم من صنع خياله المريض.
حتى الأعرابي اللي قال:
فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير.. وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير..
أها واقعه ده هو ما عايزه.. عايز يشرب ليصبح في خيال نفسه، هو صاحب الخورنق والسدير، اللي هم قصرين من قصور الملوك.
الحكمة في الحد إذن منصبة على السكر.. بعدين جاء الوصي، اللي هو المشرّع، في مرحلة الوصاية، قال (ما أسكر كثيره، قليله حرام ).. الحكمة، أنه القاصر، إذا أنت قلت له اشرب على كيفك إذا عايز تشرب، لكن ما تسكر، إذا سكرت بنجلدك.. بعدين يكون هو عنده فرصة ليمارس حريته في أن يشرب حاجة قليلة لتشعشعه - تبسطه، لكن ما يسكر.. بعد شوية لقدام يلقى أن الحاجة اللي بتشعشعه النهار ده، بكره بقت عنده مناعة ضدها، ما بتشعشعه.. يزيد، يزيد، يزيد لغاية ما يتورط في السُّكر.. فأنت كوصي عليه إذن حقك تجعل منطقة بينه وبين العقوبة، في أنه من الأول تقول له (ما أسكر كثيره قليله حرام).
وعلى الوصاية دي يقوم الحد على مجرّد الشرب، مش على السكر.. على مجرد الشرب يقوم الحد.. أها دي مصادرة للحرية في مستوى الوصاية.. وأمثلة كثيرة يمكن أن تُضرب في أنه، في المدى البعيد، الإنسان الحر، عندما يكون عليه وصي، يقصّر له شكاله.. يخليه يرعى بقيد معين، عشان هو ما قادر يتحمل مسؤوليته الكاملة.
فإذن في حقيقة الأمر، مرحلة الوصاية مرحلة مصادرة للحرية، في مستوى الوصي الرشيد، يكون فيها حكيم، ما يأخذ أكثر من اللزوم، ولا يفك الحبل كله للقاصر، حتى يتورط في التهلكة.
---