وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

علاقة الزيجات الحاضرة بزواج الحقيقة

مؤتمر عيد الميلاد ١٩٧١ - أمدرمان - منزل بلة زهران - ٢٤ ديسمبر ١٩٧١

علاقة الزيجات الحاضرة بزواج الحقيقة

الحقيقة الكلمتين اللي سمعناهم طيبات جدًا في موضوعهن، والواحد ما عايز يزيد كثير عليهن. لكن العبارة في الشريعة بتقوم على محاولة الاختيار، زي ما قال إبراهيم، وإبراهيم، كأنه المحاولة هي أن تجد نفسك.. هو في الحقيقة نحن في العبادة، عبادتنا لي الله أن نجد أنفسنا.. الله غني عن العبادة، لكن نحن بنعبد لنهتدي لأنفسنا (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه).. (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) كأنه يقول من عرف، فإنما عرف نفسه.. من لقي - من لقي الله يعني - هو من لقي نفسه.. وجاء حديث نبينا (من عرف نفسه فقد عرف ربه).
ومن هنا جات أهمية الزواج حتى جُعل سنة النبي.. قال: (الزواج سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني).. وسنته المنهاج الموصل لي الله.. فكأنه أنت لما تعرف آيات الآفاق برة، وتكون خليق أن تعايشها في حجرتك، في بيتك، في صورة الزوجة.. بهذه المعاشرة، وهذا اللقاء، يتم الترقّي في السلوك لي الله.. من آيات الآفاق تنتقل لآية نفسك.
والزواج الكامل هو اللي بتلقى فيه قرينتك، اللي هي صنو نفسك، في الخارج.. والمحاولة كلها لي دا.. وعندما نخطئ لأنه أنوارنا قليلة، جعلت الشريعة الإسلامية عندنا فرصة في الطلاق، زي ما قال إبراهيم، لنصحح الخطأ ال بنتورط فيه.. وقد يكون الخطأ محتمل، زي ما قال إبراهيم مكي، ثم تكون الملاقاة في الزواج في الشريعة، ما ها في كمال الزواج النموذجي، اللي هو يلتقي فيه الإنسان بنفسه في الخارج، اللي بصنوه، شقيقته، شقه الثاني.. ما يكون زواجه في الشريعة مطابق لزواجه في الحقيقة.. ثم يكون محتمل لاعتبارات كثيرة..
ومن أجل أن نُسدّد في الاختيار ونحن أنوارنا قليلة، جاء الدين ليجعل اختيارنا محايد، مش للهوى.. ونحن أصلو قال، في حديث نبينا (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به).. وكثير من العباد ميزانهم في العبادة أن يعاكسوا نفسهم، ليسيروا ضدها، لأنها رغباتها بتنحرف بيها عن الجادة، ولا تستقيم.
فهنا (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به).. ولذلك جاءنا في الشريعة ليعيننا على الاختيار، الحديثين، في اختيار الزوجة زوجها، واختيار الزوج زوجته، ودي كثير الإخوان الجمهوريين بيرددوها: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه - زوجوه - إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).. اختاروا صاحب الدين والخلق.. هنا أنت لما بتختار ده، ما اخترت لهوى، اخترت من أجل الله.. لأنه صاحب دين وصاحب خلق، وده ما يرضاه الله، وده خليق بأن يجعل تسديد البنت في اختيار زوجها.
وهناك يقول، في اختيار الزوجة، (تُنكح المرأة لأربع - لأربع خصال يعني - لمالها ولجمالها ولنسبها ولدينها)، بعدين يقول: (فاظفر بذات الدين تربت يداك).. تربت يداك يعني اندعكت إيدك بالتراب إن لم تفعل.. (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، يعني إن لم تظفر بهذه من الأربعة، اتمّلت يدك في التراب، ندامة وخيبة يعني.. (فاظفر بذات الدين تربت يداك).
هنا ده عشان يسددنا لأن نختار الاختيار الموفق، لأنه اختيارنا يبقى تبع لما يريده الله، والله بيعيننا.. ثم إذا جاء الاتفاق في الصورة اللي بقت الزوجة قُرّة عين، تحفظك وأنت غايب، وتسرّك إذا حضرت، بقت معينة لك على الدين وعلى الدنيا، دا بفضل سيرك فيما يرضي الله.
لكن الكمالات اللي بيها نختار زوجاتنا في الحقيقة، لتكون زوجاتنا في الشريعة، لمّا تأتي بعد.. عايزة أنوار زيادة، وعندها أن شريعة الطلاق ما بتمارس.. ولذلك شريعة الطلاق مشرّعة لينا لنصحح بيها الخطأ، ثم هي أبغض الحلال إلى الله.. و (تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن)، دي حض لينا على أن نحتمل، لأنه ما كل الزيجات بتلقى السعادة اللي بتكون من لقاء الزوجة اللي هي نفسك في الخارج.
فده فيما يخص زواج الشريعة، اللي هو محاولة مستمرة لأن نجد زوجاتنا في الحقيقة، حتى تنطبق شريعتنا وحقيقتنا.. وده راح يجي وقته لكن ما جاء بعد.
ــ