أهداف الدعوة الإسلامية الجديدة هي أن تحل مشاكل الفرد المعاصر والمجتمع المعاصر.. الفرد المعاصر عنده مشكلة مزمنة، والمجتمع المعاصر عنده مشكلة مزمنة.. وكلتا المشكلتين تتطلب الحل.. ثم خلاصة ما قيل في وسائل تحقيق الأهداف، أن الفكر والمجتمع، الفكر والمجتمع، هما الوسيلتان المفضيتان إلى حل مشكلة الفرد والمجتمع، أو إلى تحقيق الأهداف.
وبطبيعة الحال الفرد موضوع في مكان الغاية، والمجتمع موضوع في مكان الوسيلة.. و ما في طريقة لحل مشكلة الفرد، إلا إذا عاش في مجتمع راقي.. والمجتمع الراقي هو المجتمع البيوفر له الوسائل اللي بتمكنه من ممارسة نشاطه الفردي.. ونشاطه الفردي قمته هو تصفية فكره، وتسليم قلبه - صفاء فكره، وسلامة قلبه.. ومجهوده الفردي في الناحية دي، بيجي بممارسة المنهاج، اللي بيهو يكون الصفاء في الفكر، والسلامة في القلب، و بـ ده يصل إلى حياته الكاملة.
والصورة في جملتها، برضه ده ورد بيهو الكلام، أنه الإنسان مغترب عن وطنه.. أنه الإنسان راجع لوطنه، ووطنه عند الله.. ومن الله صدر، وإلى الله عائد وراجع.. عندما قال ربنا (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها) فهذه النفس الواحدة هي في الأصل نفس الله، تنزّل منها الإنسان الحادث.. ثم النفس، في المرتبة الثانية، هي نفس آدم، خُلقت منها حواء.. والقرآن يؤكد المعنى في ملاقاة الله وفي الرجوع لـ الله (وأن إلى ربك الرجعى).. (ثم إن إلينا إيابهم).. يقول (إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم). هناك في (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم).
والإياب معناه الرجوع إلى مكان الانطلاق.. ذهاب وإياب، نحن نقول.. ذهاب وإياب، مشي ورجعة.. فـ (إن إلينا إيابهم) فيها الإشارة بانه منّا انطلقوا.. والإنسان في رجعاه لـ الله وسيلته العلم والعمل - الفكر والتنفيذ.. وهنا الأخوان سموا التنفيذ تجسيد للفكر.
وانطلق الإنسان في تنزلات هي ما حُكيت في الأسماء النفسية السبعة: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام.. وبعدين الناس راجعين لـ الله بيقصّوا آثار جيّتهم.. زي ما قال هناك (فارتدا على آثارهما قصصا).
المراحل دي، بتجي في آخر لقاءنا عند نلقاه في الحياة الكاملة.. وكل شيء وسيلة للحياة.. العلم والفكر وسيلة للحياة.. (ولقد خلقنا الإنسان) ربنا قال (في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين).. هو من (أسفل سافلين) مرتفع إلى (أحسن تقويم)، وأحسن تقويم هو الحياة المتمتعة بالعلم وبالقدرة وبالإرادة.. بالعلم وبالإرادة وبالقدرة، وضعهم بالصورة دي.. الحياة المتمتعة بالعلم وبالإرادة وبالقدرة.. العلم الما فيهو جهل.. حتى نبينا كان يقول (لو توكلتم على الله حق توكله، لعلمتم العلم الذي لا جهل بعده).. ونحن مصيرنا المستمر، ومحاولتنا المستمرة، أن يرتفع علمنا إلى أن يكون علم الله، العلم الذي لا جهل بعده.. ودا لأنه في الإطلاق لا يتحقق، لكن المسير والمصير دائمًا لتحقيقه.
والإنسان راجع لـ الله بخطوتين، حتى قالوا بعض الكبار الصوفية، قالوا: السير لـ الله خطوة هنا، وخطوة عنده.. خطوة هنا، وخطوة عنده.. ودي لعلها برضو الإشار ليها أبو يزيد البسطامي لمّاً قال: (الزهد ليس عندي بشيء، فقد مكثت فيه ثلاثة أيام)، قال (في اليوم الأول زهدت في الدنيا، واليوم الثاني زهدت في الآخرة، واليوم الثالث زهدت في كل ما سوى الله، فقيل لي: ما تريد؟ قلت: أريد أن لا أريد).. هنا أبو يزيد رجع بالخطوات بالصورة دي، لكن الصوفية الكبار القالوا (السير لله خطوة هنا وخطوة عنده)، أرادوا، وده فيما يريدوهو الجمهوريون، أرادوا أن الخطوة الأولانية كبت، والخطوة الثانية فضّ الكبت.. الخطوة الأولانية كبت، والخطوة الثانية فضّ الكبت.. والخطوات بتاعة أبو يزيد الثلاثة موجودة هي في الحقيقة هنا، لأنه قبل الكبت كانت في حياة في الرجوع.. مش أول من رجع الإنسان بعقله، بالصورة دي.
والإنسان قبل ما يكون عنده عقل هو كان ساير لـ الله، لكن ما عنده وزن كبير، لأنه ما مكلّف.. و (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا) دي المرحلة الأولانية.. ثم عندما أصبح مكلّف وعنده وزن في ملكوت الله، وقام ليهو ميزان يُحاسب على أساسه، جاهو الكبت.. ثم بسيره في التطور الفكري الرفيع بيفضّ الكبت.
ففي مرحلة الكبت قام بروز العقل بالمجاهدة اللي واقعة على إرادتنا وشهوتنا.. ما كل شهوة بتنفذ.. والشهوات عندها وسائل تنفذ بيها عن طريق الشريعة.. فيها مستويات تنفذ عن طريق الشريعة، ومستويات محرمة.
والمستويات المحرمة بيها دخلت القيمة، عندما أصبحنا، هي ذاتها نفضلّها في المستقبل، ونُحرمها في الحاضر.. يعني الخمر مثلًا، نحن مبشرين بيها في الجنة، لكن إذا شربناها هنا ما بنلقاها هناك.. الملاذ كلها بلقى عندها عوض في المستقبل.. نخليها في الحاضر لأنها معرّضة للآفة، ولأنها ناقصة، ولأنها بتحرمنا بعدين من اللذة الكبيرة، البيكون في الخلود.
فهنا جاء الكبت.. وبعدين يجي فضّ الكبت بوسائل الفكر.. دي ما عنوها الصوفية من أنه، الصوفية في مستوى الجمهوريين ما عنوها بأنه، (الرجوع لـ الله خطوة هنا، وخطوة عنده).
ــ