في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
الاستقلال وقضايا الشعب
دار الحزب الجمهوري - أمدرمان

٣١ ديسمبر ١٩٦٨

الجزء الخامس

الأستاذ محمود:... "أسس دستور السودان"، لتعرفو الموقف الحقيقي للقضية دي، وكيف أنه الإسلام يمكن أن يجي يخدم الناس، وأن يحارب الجهالة دي:
"السيادة، ونعني بها السلطة الآمرة التي تستطيع أن تفرض ارادتها علي الأفراد، [دا معنى السيادة]، ملك للشعب السوداني المستوطن داخل حدود السودان القائمة الي عام ١٩٣٤، وسيكون نظامنا الديمقراطي بجميع دعائمه وسيلة لتحقيق هذه السيادة للشعب، وغني عن القول أن السيادة ليست غاية في ذاتها وانما هي وسيلة لتحقيق الحرية السياسية، والمساواة الاقتصادية، والاجتماعية، التي بدونها لا يتهيأ الجو الذي فيه وحده تترعرع الحرية الفردية المطلقة ويجب أن نكون حذرين فإن مسألة اعطاء السيادة للشعب مسألة دقيقة وحساسة، وذلك بأن الشعب، عمليا، لا يباشر الحكم بنفسه، وانما يعين بضعة أفراد يقومون بمباشرة السلطة نيابة عنه، وكثيرا ما يحصل أن يستفيد هؤلاء من مبدأ السيادة الشعبية، فيجورون على الحريات، ويتغولون على حقوق الأفراد، فإننا لا نزال نعيش علي مخلفات المجموعة البشرية من تراث الماضي، وحتي فكرة السيادة الشعبية ما هي الا تطوير لهذا التراث لم يتخلص بعد من الأوضار، فقد كان الأقوياء يفرضون ارادتهم علي الضعفاء بشتي الوسائل، فمن ذلك وسيلة القوة المادية، أو القوة الأدبية أو الدينية [المحاولة هسع في مسألة الدستور الإسلامي، هي فرض السلطة القبيلك كانت بالقوى، إتطورت لتكون بالدين، ودي عندها مظاهر كتيرة في الحقيقة]، أو العقلية أو الاقتصادية [زي الرأسمالية مثلاً]، أو العددية [اللي هي مثلا زي ما يسمى الأغلبية الميكنيكية في مثل جمعيتنا التأسيسية، يعنى العدد الممكن تحركه إنت بالإشارة ليعمل كل حاجة، دا بديك شرعية دستورية أو قانونية هي في الحقيقة ما في]، وهذه الأخيرة، بتقدم المدنية، قد أصبحت قوة الجماعات المنظمة، ومن ثم جآتنا فكرة السيادة الشعبية فهي فكرة تقوم علي القوة، وهي لذلك خليقة أن تستغل، فيساء باسمها استعمال القوة، بيد أن الأمل معقود باطراد تقوية الفكرة الحديثة، حيث الحق هو القوة لا العكس، وحيث تخضع الدولة للقانون، فإن ذلك أدني أن يحد من السير في الاتجاه المؤدي، أما الي جعل السلطة السياسية عبارة عن حكم القوي للضعيف، باعتبار شرعية كل ما يأتيه الحاكم، أو الي منح تصرفات البرلمان شرعية كاملة، بصرف النظر عن محتوياتها، مما يساعد البرلمان علي ادعاء السلطة المطلقة، ويفتح الطريق الي العصمة البرلمانية المرعبة.. وليس المخرج من هذا الحرج الا يعطي الشعب السيادة، بل، علي النقيض، فانه يجب أن يعطاها، وأن يعطاها كاملة حتي يتعلم بممارستها، علي أن يوضع القانون أمام ناظريه دائما وأن يكون موضع التجلة عنده والاحترام، حتي يصبح شعاره ((الحق هو القوة)) ثم تبذل الحكومة والشعب، كل وقت ومال وجهد، ليربوا الأفراد علي فهم القانون، وحب القانون، واحترام القانون، والخضوع لحكم القانون، فينشأ رأي عام ((أو ارادة عامة ان شئت)) مستنير شرعي يستمد شرعيته من انطباعه علي القانون وامتثاله له، وتمثله اياه، واستقامته معه فهذا الرأي العام، بهذا الوصف، هو صاحب السيادة وعليه يتوقف نجاح قيام الحكومة، ونجاح تطبيق القانون، ولا يحسبن أحد أن رأيا عاما كهذا، يمكن أن يوجد عفوا بفعل التطور الزمني، ذلك بأنه يشترط لوجوده ايقاظ ضمير كل فرد من أفراد المجموعة. ولذا لا بد من أسلوب تربوي يوجه التطور ويحفزه، بأن يخاطب كل فرد خطابا فرديا مباشرا يجعل ضميره الرقيب الأول علي حركاته وسكناته، والحسيب الأول علي أخطائه وهفواته، فان اقامة حكومة القانون في حياة الجماعة العامة تتحقق علي خير صورها اذا كان كل فرد من أفراد الجماعة يقيم حكومة القانون في حياته الخاصة، ونحن لم نجد هذا الاسلوب التربوي الا في القرآن، لأن القرآن في آن معا، دستور للسلوك الفردي ودستور للسلوك الجماعي، وهو بذلك يكسب الفرد المقدرة علي المواءمة بين حاجته وحاجة الجماعة التي يعيش فيها، فانه يعلمه أن أبعد حاجاته منالا، ليس اليها من سبيل الا حب الجماعة والتفاني في ابغائهم الخير والاخلاص لهم في السر والعلن، ومنهاج محمد النبي في العبادة والسلوك هو الصورة الحية الماثلة من هذا الاسلوب التربوي.
ان الشعب المربي هذه التربية هو الشعب الذي يستحق السيادة كاملة ونحن انما نعطيها في دستورنا هذا شعبنا منذ الوهلة الأولي لأن ممارستها تجعل تربيته التربية التي أسلفنا ذكرها أمرا ممكنا."
هنا يجي بعد دا الكلام عن الشعب. دا "أسس دستور السودان"، وهو ما يمكنك أن تقول أنه الدستور الإسلامي. الدستور الإسلامي ماهو الشريعة الإسلامية، هو القرآن. الدستور الإسلامي هو القرآن، والقرآن هو بالتكون ليه السيادة. الشعب إذا كان عايز تكون السيادة ليهو، يجب أن يعيش وفق القرآن. لأنه ربنا جعل الإنسان خليفة على الأرض، لكن إشترط فيه أن يسير في طريقو. ربنا قال "إني جاعل في الأرض خليفة "، الخليفة هو الإنسان، لكن يشترط فيه أن يكون بنفذ إرادته، لأنه خليفتك هو البنفذ ما تريد إنت. ولذلك الأمر دا لا يمكن إلا أن يكون في القرآن. القرآن ماهو معروف، القرآن ماهو مفهوم. المسألة القايمة عليها شريعتنا في أول الأمر هي زي ما بنقول مراراً، هي فروع القرآن، ما ها أصول القرآن، وأنه الدستور في الحقيقة في الأصول المنسوخة، يعني "فذكر إنما أنت مذكر" البنقولها دائماً في مواقفنا دي، "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر"، دا الدستور. لأنها دي تعطي الحق الأساسي اللي من أجله قام الدستور، وتعطيه في قمة. "فذكر إنما إنت مذكر، لست عليهم بمسيطر"، كأنه ربنا بيقول أن الحرية الفردية للأفراد، أكبر من أن يجعل عليها وصي حتى ولو كان هذا الوصي كامل كمال النبي. دا الدستور. وهي في الحقيقة "لا إله إلا الله". لأنه "لا إله إلا الله" بتطلب العبودية لي الله، والعبودية لي الله، مايمكن أن تدخل فيها أنت إلا إذا إنعتقت من رقك لكل شيء. إذا كان الإنسان خايف من غير الله، وطامع في غير الله، ما بكون عنده "لا إله إلا الله" حقيقة. أها، "لا إله إلا الله" بتطلب أنك أنت تتحرر من كل حاجة لتدخل في العبودية ليهو. إن دخلت في العبودية هي دي الحرية، لأنك إنعتقت من كل ما يسترقك. ودا الدستور، دا الحكم الديمقراطي. الأصول دي في القرآن منسوخة بالفروع. الكلام دا موش راح أطول فيه لأنه كتيراً ما قلناه. الأصول في القرآن منسوخة بالفروع.. من الفروع النسخت آية "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر"، آية الشورى. آية الشورى في مرحلتنا الأولانية ما ها آية ديمقراطية، ولا يمكن أن يكون في مستواها في دستور في الإسلام. لأنه الحكم كان حكم الوصي الرشيد على الناس القصر. وإنت عندما تتكلم عن الدستور، بتتكلم عن الحكم الديمقراطي. والحكم الديمقراطي مافيهو وصاية. لذلك في الدين الدستور في، في الشريعة الدستور مافي. إذا كنت إنت عايز تجي للدستور الإسلامي، إنت تطور الشريعة من آية الوصاية لي آية "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر". دي تجي تطوير للمال، وتطوير للسياسة على النحو البنتكلم عنه دايما، وزي ما بقول ماعاوز أطول فيهو، لأنه كتير من الأخوان هنا سمعُه أو قراهُه وهو خاضع لنقاشكم. لكن الحاجة العايزها تكون واضحة، أنه في الشريعة الإسلامية مافي دستور، وأنه في مستواها في التطبيق هي حكم الفرد الرشيد الوصي على الناس القصر. وأنه الحكم في مستواها ماكان ديمقراطي. ولذلك لا يمكن أن يلتمس عندها الدستور. والقول بأنو السيادة تكون للشريعة الإسلامية، نهاية الخطأ حتى في الثقافة العامة. في الثقافة العامة لأنه مافي قانون بكون ليهو سيادة، السيادة للدستور. والقانون فرقه من الدستور أنه فرع.. الدستور أصل، القانون فرع.. نحن عندنا هسع مثلاً، الجمعية تأسيسية. الجمعية التأسيسية إنتخبناها في المرة الفاتت، وإنتخبناها في المرة دي. لأنه المرة الفاتت الجمعية التاسيسية ما وضعت الدستور، إنتخبنا جمعية تأسيسية. الفرق بين الجمعية التأسيسية والبرلمان، أنه الجمعية التأسيسية أعلى من السلطات التلاتة. عندنا نحن في الجهاز الديمقراطي: السلطة القضائية، و السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية. السلطة التأسيسية فوق لي ديل، لكن السلطة التشريعية مساوية للسلطة القضائية و السلطة التنفيذية. هنا السلطة التأسيسية فوق، لأنها بتضع القانون الأساسي، والسلطة التشريعية دونها لأنها بتضع القانون الفرعي. وأنا أفتكر أنتو لاحظتو في كلام السيد إسماعيل الأزهري لمن قال أنه، إقترح أنه الجمعية التأسيسية تُعطى فترة خمسة سنين يُمد ليها لتكون الجمعية الوطنية. ودي بالمناسبة برضو تدلكم على المؤامرة البتكون ضد الشعب، لأنه في إتجاه لأن يكون رئيس الجمهورية برلماني. إذا كان رئيس الجمهورية برلماني بُينتخب من البرلمان موش من الشعب. دي يمكن يكون السيد إسماعيل الأزهري معتمد على الأغلبية المريحة الواجدها في الجمعية التأسيسية ليقترح أن يجعلها برلمان. يمكن أن تكون تلويح بالرشوة للنواب، لأنه النواب إذا كان وجدو أنه يعدو السنتين ديل، بعدين تكون عندهم خمسة سنين تانية والواحد منهم مرتبو مية وخمسين جنيه، أفتكر جايز يميل لأن يمشي في الإتجاه المطلوب. التلويح دا كان قام. دا جيناهو نحن عرضاً، لكن الفرق بين الجمعية التأسيسية والهيئة التشريعية، هو أنه الهيئة التأسيسية أعلى من السلطات التلاتة. هي أعلى من الهيئة التشريعية لأنها بتضع القانون الأساسي، الدستور، وهي ماسميت تأسيسية إلا لأنها بتضع القانون الأساسي. والقانون الأساسي ما سمي أساسي، إلا لأنه بنصص على الحقوق الأساسية للمواطن، اللي هي حق الحياة، وحق الحرية. والحقوق دي سميت حقوق أساسية لأنها بتولد معاك. الحياة ما حد منحك ياها، والحرية حق يمشي مع الحياة إلا في الحكم الناقص. الحرية والحياة سميت حقوق أساسية، الدستور بيلف حولها ليضعها، الهيئة البتضعه سميت هيئة تأسيسية. هنا، في الثقافة العامة، إنت ما ممكن تقول السيادة للقانون، تقول السيادة للدستور. في الثقافة العامة الدينية ما ممكن تقول السيادة للشريعة الإسلامية، السيادة للدستور اللي هو القرآن. القرآن أصل والشريعة فرع منو. في مستوى شريعتنا الأولانية مافي دستور إطلاقاً، و أي واحد يتكلم عن الدستور بدون ما يتكلم عن تطوير شريعتنا الإسلامية لترتفع من الفروع للأصول مدجّل، كذاب، أو جاهل. أنا أفتكر أنا النهار دا إتكلمت بشدة ما من المألوف إتكلم بيها. ما عارف إذا كان كتير من الناس عرف إني إتكلمت بشدة أكتر من المألوف ولا لا، لكن من المؤكد أني إتكمت بشدة أكتر. الأمر دا أصبح خطير فعلاً، لأنه الجهل القبيلك نحن بنتسامح فيهو وبنعتقده أنه طبيعي مادام نحن في حركتنا الوطنية ماواجهنا الإستعمار لتنضج قياداتنا بالمواجهة، وليكون شعبنا في خط النار دايماً، ليكون شعب ناضج، مادام دي فاتت علينا في الحركة الوطنية، يمكن للإنسان ان ينتظر أننا نحن نكسب التجارب داخل الحكم الوطني. وأنه مادام إنت بتكسب التجارب داخل الحكم الوطني تنتظر أخطاء كتيرة. لكن إذا كان في سوء نية، إذا كان في محاولة لأن يحمي الجهل نفسو بقداسة الإسلام، زي ما نحن مواجهين في الوقت الحاضر في تمرير الدستور الإسلامي ، أصبح الأمر دا بتطلب مواجهة حاسمة. نحن الجمهورين وطّنا النفس على أن نقف هذا الموقف بصرامة تامة، حتى ينتبه الناس الغافلين، ويتشجع الناس الخوارين، لأنه في خوف، في إرهاب. ونحن نعتقد أننا نحن الجمهورين ممكن أن نقول الكلام دا، لأننا نحن ما بنقول أننا ماعايزين الإسلام، لكن الشيوعي والمثقف العادي، مواجه بالصورة دي، والّا يخنع، ويمشي مع الدستور الإسلامي خوفاً، وهو في الداخل يعتقده أنه ما دستور إسلامي، لكن ماعارف غيره. أو إذا قال دا دستور رجعي، يمكن أن يتهم بأنه عنده حملة ضد الإسلام، زي ماقريت ليكم من كلام محمد صالح عمر. و دا إرهاب. ويمكن بسهولة، بي طبيعة الحال، أن تتشكل محكمة وتحكم عليه بالردة عن الإسلام. الأوضاع دي، نحن الجمهورين بنملك أن نقيف الموقف دا. الحكم علينا بالردة، نحن بنعرفه والناس الآخرين البعرفونا بيعرفوه كلام فارغ وأنه وضع سياسي، القضاة الشرعيين سايرين فيه على نهجهم المعروف في خدمة السلطة على محاربة كل حرية، وكل خير يجي للبلد دا. والحقيقة نحن سعداء بيهو جداً، لأنه كأنما الغربال بجول، نحن عايزين نعرف قيم الرجال.. في وقت الأزمة دي راح يظهروا. نحن وطّنا نفسنا، ووظّفنا نفسنا لأن نقف هذا الموقف بصرامة جادة. ماعيازين من أحد شكر، ولا من الشعب مكافأة. الأمر دا ديننا، نحنا منتظرين عقباه عند الله. إن شاء الله نكون فيه من الصادقين، وإن شاء الله الشعب يفيق من التخدير اللاقيهو بإسم الدين هسع.. المثقفين من الأخوان يفيقوا من الإرهاب المواجهين بيهو، وينتصر الحق. لأنه الله هو البنصر الحق موش نحنا. ربنا لمن قال "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" قال "وكفى بالله شهيدا". "وكفى بالله شهيدا" إشارة إلي أنه الحق بنصره الله. إذا أنت ربنا مريد بيك خير، تكون ممن ينصر بيهم الله الحق، إنت ما بتنصر الحق، لكن ربنا يستعملك إستعمال صالح في أن ينصر بيك الحق. نحن نحاول أن نرشح أنفسنا لهذه المهمة، أن ينصر بينا الله الحق، إن شاء الله. فمن أراد منكم أن يقيف في الخط دا، فعليه بنفسه. دا دينك، دا دينك، وأنت مواجه فعلاً بأنه شعبك بيمشي بإسم الدين ليضلل. ما أعتقد إلا أنه كل من عرف وجب عليه أن يعمل بمقتضى المعرفة في الدفع عن الحق وعن الشعب. شكراً.

رئيس الجلسة: بعد هذا العرض للمحاضرة نفتح باب النقاش والإستفسار.