وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الفرد والجماعة في الإسلام والفكر الفلسفي الغربي

تطوير شريعة الأحوال الشخصية - كوستي - نادي الفنانين - أبريل ١٩٧٢

الفرد والجماعة في الإسلام والفكر الفلسفي الغربي

الدين الإسلامي قيمته الحقيقية بتبرز وتظهر، عندما تجئ في القمة.. القمة البتقصّر عنها كل الفلسفات هي الفرد والجماعة، كيف التوفيق بيناتهم.. كل مشكلة الفلسفة الاجتماعية، مثلا في الماركسية بصورة خاصة، هي العجز عن التوفيق بين الفرد والجماعة.. لأنه في المجتمعات البدائية، الفرد كان موجود قبل المجتمع.. المجتمع جاء فيما بعد.. الفرد موجود المجتمع حادث.. الفرد قديم المجتمع حادث.. والمجتمع نشأ مع القوانين برضه.
الفرد لمّاً كان موجود براه كان شكس وشرس، وما عنده غير إشباع رغبته وشهوته، كأنه حيوان سايم، بالصورة دي.. لمّاً جاء المجتمع، كان ما ممكن، المجتمع ما ممكن ينشأ إلا إذا قيّد رغبات الأفراد.. جات العبارة الـ هسة موجودة عندنا، أنه كل زول يجب أن يكون في حدود لحريته.. إذا نحن بنعيش في مجتمع، يجب أن يكون في حدود للحريات.
الناس ليقيفوا في الحدود دي، كانوا محتاجين لعنف شديد.. حتى أنه الفرد البشري كانوا يضحوا بيهو في مذابح المعابد بتاعة الأمم البدائية.. ضحية الإنسان في المعابد كانت معروفة، حتى لغاية زمن سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل، كانت صورة من الصور الماضية اللي إتصححت ومشت لقدام عندنا.. وكانت في مصر معروفة فتاة النيل، الفتاة الجميلة البيجيبوها عروس النيل، يرموها للنيل عشان يفيض.. وما بطلت إلا في أيام عمر ابن الخطاب وعمرو ابن العاص في مصر، القصة المشهورة.. فكأنه الفرد كان مقابل بعنف شديد، وإذا ما رُوّض بالصورة دي، بينطلق، حيوانه بينطلق منه، ويكون عمله دايما ضد الجماعة.
من هنا توهمت الأفكار الاجتماعية، أنه الفرد يجب أن تقيد حريته، والمراعاة الحقيقية تكون للجماعة.. إذا كان في عشرة ناس، رعاية العشرة أهم من رعاية الفرد.. بالصورة دي أصبح المجتمع أهم من الفرد.. لكن في الحقيقة الفرد هو الأصل.. الفرد هو المجال الممكن يكون بيه المجتمع.. يعني مجتمع راقي، لأنه أنت والتالت والرابع من الأفراد راقين.. المجتمع منحط لأنه الناس الأفراد منحطين.. ما في مجتمع إلا لأنه في أفراد.. والقيمة الحقيقية فردية دائما.. العلم فردي، والأخلاق فردية، وكل حاجة نعملها هي في الحقيقة فرديتنا بتظهر في المجتمع.
في الدين التوكيد على الفرد، لكن الجماعة مهمة.. وده ما قبيلك سقناه في بعض الكلمات في أنه التكليف أصله فردي.. (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا)، (إن كل من في السماوات والأرض إلا أتى الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا).
هنا الاشتراكية الماركسية، لمّاً شافت أنه الجماعة ضروري، والفرد ما مهم، أصبح حرية الفرد مهدرة.. وأصبح، يقولوا لك مثلا، أن تعطي، أنت أصله حريتك شنو ؟ حريتك أن تكون أنت مكفي الحاجة.. عندك الرغيف، وعندك السكن، وعندك الطب، وعندك التعليم، تاني ما في حرية، دي هي الحرية.. إذا نحن نتعاون.. مثلا نحن بنخطط، وأنت تنفذ.. فجاءت الشعوب المكتّلة زي المعسكرات، بالصور دي.. وجاءت صور حرية الفرد المنكرة، وجاء الحكم الدكتاتوري، وجاء التجسّس على أعمال الأفراد، لأنه النظام الاشتراكي ما يمكن أن ينهض، إلا إذا كلنا عملنا.. كل قادر على الإنتاج يجب أن يعمل، ويعمل أكثر مما يستهلك.. يعني أنا إذا كان بيدوني مثلا ٥٠ جنيه، يجب أن يكون إنتاجي ٦٠ أو ٧٠ جنيه.. إذا كنت بنتج أقل من الـ ٥٠ النظام بينهار.. إذا كنت بنتج قدر ما أستهلك برضه النظام ينهار، لأنه من فائض إنتاجي بيعطوا ناس ما بينتجوا، عاجزين عن الإنتاج.
هنا لأنتج أنا، واحد من أمرين يكون: ولا يكون ضميري مربّى، ولا يكون الرقيب علي ساهر، حتى أني أخاف لو ما أنتجت أن أعتبر عدو للنظام .. ده النظام اللي عليه الماركسية.
النظام اللي عليه الإسلام ربي ضميرك ده، ويجعل أنه عملك في الإنتاج، اللي بيزيد عما تستهلكه في الحقيقة له قيمة معنوية.. القيمة المادية البتضحي بيها أنت في تعبك، عندها قيمة معنوية، عند الله، تلقاها يوم حاجتك، لأنه الحياة الأخرى مربوطة بالحياة الدنيا.. (الدنيا مطية الآخرة).. وكل عملنا للآخرة ينعكس في نفع الجماعة.. (من غشّنا ليس منا).. (المؤمن من سلم المؤمنون من لسانه ويده).. (الدين النصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين، ولعامتهم).. (الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله).. (الدين المعاملة).. تلقى أن تربية ضميرنا كلها تنعكس على أنه عملنا يجب أن نكون بإخلاص للجماعة، لأنه الله براقبنا.. بالصورة دي، أقيم الرقيب عليك من نفسك، من ضميرك، من هنا تلقى الحرية.. ومن هنا تجي النظام الاشتراكي يتطبق مع الديمقراطية، ومع الحرية.
العهد ده ما في إلا في الإسلام .. الصورة دي ما في إلا في الإسلام.. الماركسية هسع احتاجت لحوافز الإنتاج.. كأنها وصلت للطريق المقفول.. بقوا الناس ما بينتجوا، ما عندهم دوافع.. قاموا دخّلوا مكافأة مالية زيادة، لتحسين الإنتاج، ولزيادة الإنتاج.. كأنما في رجعة للرأسمالية.
لا في الديمقراطية، ولا في الاشتراكية، في مسألة التوجه للتربية الداخلية للضمير.. أولا، لأنه الاشتراكية أنكرت الغيب.. الاشتراكية الماركسية أنكرت الغيب بالمرة.. ولذلك قطعت صلة الإنسان بالرقابة اللي نحن عندنا في الإسلام، اللي هي رقابة ربنا علينا (يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور).. وأنك أنت في الصيام مثلا، بتتعب وبتعطش، لكن ما بتفطر.. ممكنك أنت تغش الناس، ممكن تجي في المغرب تقعد معاهم في الكور، لكن ما بتعملها.. ليه؟ لأنه الله هو البراقبك.. التربية دي بيكون عندها أثر في سلوكك كله، وفي إنتاجك كله.
الديموقراطية من الجانب الثاني، بطبيعة الحال ما مهتمة بالأخلاق.. الديمقراطية الرأسمالية ما قايمة على الأخلاق، ولا هي مدعية للاشتراكية، وإنما هي تتطور لتمسك مكاسبها الماضية بصورة فيها مرونة، عشان ما تحصل الثورة والانقلاب، زي ما حاصل في البلدان الشيوعية.
ــ