وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الزواج بين الدين والفن

افتتاح معرض الثورة الثقافية - الموردة – منزل محمد فضل - ١٦ سبتمبر ١٩٧٦

الزواج بين الدين والفن

نحن الآن في يوم الخميس السادس عشر من شهر سبتمبر عام ١٩٧٦، يوافق الثاني والعشرين من شهر رمضان عام ١٣٩٦، الساعة الآن الثامنة و قليل، تزيد قليلًا عن الثامنة مساءً.. نجتمع إخوانًا وأخوات جمهوريين، و ضيوفًا كرام، لنفتتح معرضًا جديدًا من المعارض الفنية التي ترتفق بها الدعوة الإسلامية الجديدة دائمًا، في مسيرتها نحو نشر الوعي الديني، ونحو إحداث الثورة الفكرية والثورة الثقافية.. ولكنه معرض يتسم بالجدة وبالحيوية حتى لكأنه يؤرخ، لأول مرة، عملنا في هذا المجال.
ونقيمه في هذا البيت المبارك الذي أصبح مقرًا لمعارضنا الفنية.. ولقد عهدتني في عام ١٩٤٦ وكانت لدينا أوراق سرية، كنا نخشى مداهمة الاستعمار لمنزلي و تفتيشه والاستحواذ عليها، فجئنا بها إلى هذا المنزل المبارك، فأودعناها فيه.. وهذا المنزل إن شاء الله يشهد تتويج الدعوة المباركة بصحة سيده، وصحة أسرته الكريمة.
نحن نجتمع لنفتتح هذا المعرض، وهو معرض يقوم به الجمهوريون الفنانون، وهم بفضل الله في الوقت الحاضر كُثر، و دائمًا يصبغون الدعوة الفكرية بالمسحة الفنية.. ولقد انضاف إليهم أخيرًا فنّان، فنّان اليد، فنّان الفكر، فنّان الشعور، جمّ الحركة والنشاط، وقد صبغ هذا المعرض بلون جديد، وبأفكار جديدة، جعله يتخذ صورة جادة وجديدة، وسيكون أثرها في مقبل أيامنا إن شاء الله أثرًا كبيرًا، وبخاصة في مؤتمر عيد الفطر المبارك، حيث لأول مرة نخرج بمعرض متجول، يرفع اللافتات كالصورة التي ترونها، تحمل وتركز في الميادين، ويقرأ الشعب الكلمات المنتقاة من الفكرة الواردة في الكتب، وهي تعطيه خلاصة جمّة المعنى، قصيرة المبنى.. و أعتقد أنُّ هذا العمل سيكون في حد ذاته ثورة.
معرضنا الفني معرض تقليدي من جانب، ومعرض جديد من جانب آخر.. معرض تقليدي بمعنى المخطوطات، في جملة حالها، كان عندنا بها عهد، وكانت تلصق على الحيطان، وجالت في نواحي كثيرة من السودان.. و هو برضه تقليدي في معنى أننا بنعرض الكتب.. لكنه جديد في معنى أن تكون فيه صور، وأن تكون فيه ألحان.. لعله لأول مرة بصورة منظمة، حركة جمعية التصوير تجد إبرازها بالصورة دي.. سبق قليل من الصور عُرضت، لكن على التحقيق الألحان لأول مرة تعرض في معرض من معارضنا.
واللحن أقدم من كل لغة، وأقدم من كل مخاطبة تتوجه إلى العقل.. واللحن في الحقيقة تتأثر به الحيوانات، وتتأثر به النباتات، ومن المحقق أنه هزاته تحدث أثر في الكون كله، حيث أن الكون كله لحن متحرك.. والصورة لحن مجسد.. يمكن أن يُقال أنه اللحن صورة غير مرئية، والصورة لحن مرئي.. ولذلك المظهرين البنباشرهم لأول مرة في معرضنا، ونعرضهم لأول مرة في معرضنا، من حيث الصورة، ومن حيث اللحن، سيكسبان هذه الحركة الميمونة لونًا جديدًا من الحيوية، ولونًا جديدًا من الاتجاه إلى مخاطبة شعور الناس.

والشعور بطبيعة الحال سابق على الفكر.. وأقرب طريقة لإفهام الناس هو مخاطبة شعورهم أولًا.. فإذا كان المخاطبة من النوع المتسامي بالعاطفة، يستعد العقل يتقبل المعاني البتشرح هذه الألحان، التي تتسامى بالعاطفة.
ومن غير شك أن الزواج بين الدين وبين الفن زواج قديم، زواج أزلي، ولكنه لم يكن زواجًا موفقًا.. وكانت المناكفات فيه كثيرة، كزيجة فاشلة كانت.. المناكفات ذهبت إلى أن تكون الأديان محرّمة لألوان من الفنون، وحُقّ لها أن تحرمها، لأنه الفنون انصبغت بمصاحبة اللهو، والديانات في عباداتها انصبغت واتجهت، وبتصر دائمًا، على نوع من الجدّية، ونوع من الانضباط.
ولكنّا نحن في الدعوة الإسلامية الجديدة، التي تقوم على بعث أصول الدين، نرى أنه المسيرة تتجه إلى رفع الحواجز جميعها، حيث يفضي الأمر في آخر المطاف، إلى إعادة الأشياء كلها إلى الحِل.. إنما الحرمة، وخاصة فيما يتعلق بالفنون، هي حكم عقلي، والحكمة وراءه سوق الناس إلى الجد والانضباط، بدل توزيعهم وتشتيت خواطرهم باللهو، أو ما يدعو إلى اللهو.. وبطبيعة الحال كل الحرمة من حيث هي، إنما هي حكم عقلي، إذا كانت استغنت العقول عن الحرمة، ترجع الأشياء إلى الحِل في آخر الأمر.. (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم، وآمنتم، وكان الله شاكرًا عليمًا).. وهناك (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين).
فالفكر الإسلامي في تساميه، يسير إلى أن يرتفق بكل ما في الوجود، ليصل إلى الله، لأنه ليس لله عدو، وليس لله ضد، وإنما كل الأشياء تسبّح بحمده، وتسجد له، وتقدسه، وتكبّره، وتعبده، ولكنّا نحن لا نفهم هذا التقديس، وهذا التسبيح.. فإذا فهمنا، فإن كل الأشياء مطايانا إلى الله، وبصورة مؤكدة الفنون.. ونحن نبتدئ في معرضنا هذا، الذي يفتتح الثورة الثقافية بين شعبنا، نبتدئ أن نعيد الوئام إلى هذا المنزل القديم.. وإن شاء الله نشهد تتويج توفيق الزوجين، الدين والفن، حتى يكون الدين "المعنى"، والفن "الوعاء".. وهذا الوعاء الرفيع يحمل هذا المعنى الدقيق.
وعندنا في قول صاحبنا، ابن الفارض:
*ولطف الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني والمعاني بها تنمو*
المعاني في دقتها تنمو وتزيد وتتضح بلطف الأواني.
وهذه اللمسات التي نراها في هذه اللوحات، وفي هذه الصور، وهذه الألحان الشجية، التي سنستمع إليها طوال أيام المعرض، تدار لنا ولضيوفنا الكرام، تدل دلالة كبيرة على لطف الأواني، التي ستحمل دقة ولطف معاني الدعوة الإسلامية الجديدة.
و نحن نعتقد أن هذه بداية الطريق.. وننتظر من فنانينا الشيء الكثير.. والفنان الذي يبدع هو في الحقيقة فنان واسع الخيال، قوي الفكر.. وكل عملنا في ناحية عبادتنا، وناحية توجهنا للإسلام، إنما هو من أجل قوة الفكر، وسعة الخيال.
وكل (لا إله إلا الله) غرضها هو ده.. غرض (لا إله إلا الله) هو دقة الفكر، وسعة الخيال.. ومن أجل ده الفن، زي ما قلنا قبيل، والدين، توأمان، تزاوجا ودرجا، لكن على نوع كبير من عدم التوفيق، ومن الشقاق.. ونحن نريد أن نوجد هذا اللون من التوفيق.
واللطف الإلهي قيّض للدعوة الإسلامية فنانين، واضح فيهم قوة الخلق، وقوة الخيال، وقوة الفكر.
فننتظر أن تكون في ثورة حقيقية بهذا العمل، الذي نبدأه ونفتتحه في هذا المنزل المبارك، في هذه الليلة المباركة، في هذه الساعة المباركة.
وبهذا نعلن افتتاح هذا المعرض فانصرفوا لرؤية معرضكم موفورين و مشكورين.
شكرًا
ـ