وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الخواطر ورؤية نقص الآخرين واغتيابهم - التعلق بالأكابر والنأي عن وزن أقوالهم

ندوات الخواطر - مدينة المهدية - أكتوبر ١٩٧٢

التعلق بالأكابر والنأي عن وزن أقوالهم

ومسألة الخواطر هي في الحقيقة مسألة السلوك كله، تنظيم الخواطر، لأنه معناه أدب اللسان.. وأدب اللسان يؤثر على الجارحة الخارجة والجارحة الداخلية.. أدب اللسان إذا أُلتزم العقل يستنير، والقلب يسلم، والإيد تتقيّد بعمل الخير.. إذا كانت الخواطر اتنقت، وكانت طيبة ومهذبة وموجهة، بتوجيها ده العقل يكون نيّر، واللسان يكون مستقيم، والإيد تكون عفيفة ونظيفة وطاهرة، الجوارح كلها.. و يبدو لي أنه برضو الموضوع ممكن يأخذ مجالات ثانية لي قدام.. يعني بمعنى أنه هل الجمهوري مطلوب منه أن يحفظ خواطره؟ ولا الخواطر مسموحة ليهو؟ وهو مؤاخذ بالقول والعمل، بالصور الغليظة.. زي ما مشى حامد مثلًا يقول أنه في الأول يكون يهذّب العمل، ثم يهذّب القول، ليدخل للداخل.
فيبدو أنه الموضوع هو موضوع طويل لأنه مسألة الخواطر هي حقيقة أساس السلوك.. و السؤال بتاع علي مهم جدًا.. و السالك البيمشي مع خواطره في سوء الظن بإخوانه ما بيسلك - ما بيمش.. وبعدين تمشي لقدام نفسه تهيء ليه إنه كل واحد أكمل منه، دفاعًا عن نقصه هو، يلتمس نقائص الناس.. دي حيل من حيل النفوس.. أنك لمّاً تشوف الكامل، تحاول تشوف نقصه، عشان نقصه بيرضيك، كماله ما بيرضيك.. كماله بيؤكّد نقصك.. وفي يعني بعض الأوقات، الإخوان، خصوصًا إذا كانوا إثنين ثلاثة على شاكلة واحدة، أو قريبين من بعض، يقوموا يغتابوا بعض الإخوان.. ودي مهلكة شديدة جدًا.. هلاكها شديد دي.
فلذلك دائمًا الناس اللي بـ يسلّكوا بيوصّوا أنه الأخ ما يتعلق إلا بالأكابر.. يعني أنت ما تكون مثلًا في البيت فيه مثلًا زي عبد اللطيف، وزي عبد الرحيم الريّح، وبقية الإخوان الكبار، ثم يكون مودتك للناس الصغار، حتى الناس اللي قد يكونوا ما جوّدوا.. الحقيقة مودتك حقك تكون بالكبار دائمًا، لأنه إذا كان بقيت منغلق مع الصغار، زي البتعمل جزيرة.. جزيرة زي ما منطلقة مع الحركة.. عملت جيب، بصداقة من النوع ده، دي ما بتسيّرك.. وإذا كان أنت مثلًا بتتحرك من محل بعيد عشان ما تجي من أجل واحد من الإخوان هو أصغر من الكبار، ما بتسلك أنت.. يجب أن تكون جيتك من هناك عشان الكبار.. بعدين الكبار قد يكون الاجتماع الطويل معهم ما هو ساهل، لأنه بيلزم نوع من الأدب المعيّن معاهم.. مسموح إذن أن تجد الأنس مع الناس اللي من شاكلتك، لكن ده ما يكون ديدنك ومن هناك أنت جاي من أجلهم.. ده يكون ترويح عن النفس شوية من مصاحبة الكبار، للإستئناس بالناس المثلك، اللي ما تكون فيه تكليف، لكن في محبة ميسورة.. لكن ما في تكليف من الأدب.
والأدب أهم من المحبة.. أها الناس يقولوا المحبة تمحى شروط الأدب.. ودي طبيعية في الحقيقة وبتحصل.. لكن الأدب بيهو التسليك أكثر.. والأدب قاعدته محبة، ما فيها شك بالمرة.. لكن دائمًا بيكون زي فيهو تكليف، وفيهو واجب، الناس بيهربوا منه.
ويبدو لي أنه سؤال علي بيأخذ بحث كثير، وطيب جدًا هو.. لكن الحاجة المهمة أنه ما تسمح لنفسك، حكاية الخاطر ده عنده درجتها، لكن ما تسمح لنفسك بأن تغتاب واحد من الإخوان.. ولا تسمح لنفسك بأن تسمع غيبته.. ما تطيب نفسك لكلام زي ده، ما تجلس في مجلس زي ده.
بعدين الخواطر دي درجة بيكون تهذيبها بتهذيب السلوك الخارجي زي ما قال حامد.. صعب السيطرة على الخواطر.. بتقوم خواطر حتى عن المرشد.. بتقوم خواطر من النوع ده.. بعدين أنت بتلج منها لجاجة شديدة.. ما تسكن ليها.. أي خاطر سوء، ما تسكن ليهو.. لأنه الصغيّر ما بيقدر يوزن الكبير.. دي الحكاية دائمًا هي كده، زي ما قلت لكم مرات، قال يعني، واحد قال لشيخو: والله الكلام ده طيب يا سيدنا، لكن احنا برضه بنزنه بميزان الشريعة.. قال ليهو: كويس، لكن خايف ما يكون عندك السنج لوزنه.. المهلكة بتجي هنا.. الصغيّر يزن أقوال ولا تصرفات الكبير، يقوم يوزنها غلط.. ودي تقطعه.
وهم، الكبار يقولوا: اعملوا بقولنا ما تعملوا بعملنا.. يعني إن بقى أنت شفت كبير من الإخوان عمل حاجة ما تحاكيه، لكن إن قال لك اعمل حاجة، أخذ نصيحته في أن تعمل، لأنه بيكلمك في مستوى ما تعمل أنت.. أما إن قلدته، أنت ما عندك مشهد.. عندهم مثلًا في التوكل، ودي قصة يحكيها الغزالي، في التوكل أنك ما تشيل زاد معاك.. الصوفية عندهم كده.. بعدين واحد قاعد مع شيخه.. شيخه ده بيتكلم عن شيخ هو بيعرفه، لكن المريد ما شافه، وبيتمنى لو كان تكون في زورة من الشيخ الكبير ده ليهو.. مشتاق ليهو هو شيخه.. وده تلميذه.. صاحبنا ده، اللي بيتمنى زيارة الشيخ الكبير، وعنده تلميذه معاه هو في مرحلة التوكل.. وكل ما يعملوه ويشوفه التلميذ ده، التوكل.. التوكل.. التوكل.. والتوكل معناه أن تترك أي سبب يوصل إلى سبب، إلى أن يكون مسبب الأسباب هو اللي بيرتب الأسباب.. ودي منها أنهم الواحد يقوم في السفر ما ياخد زاد معاه.. ده اسمه التوكل.. بعدين يوم جاء خبر لصاحبنا أنّه شيخه الكبير ده جاييهو.. فرح بلحيل.. ولأنه كان بيكلم المريد اللي معاه بالحكاية دي بشره بمجيء الشيخ.. بعدين انتظروا لغاية ما الشيخ جاء، وقعد معاهم مدة.. وقاموا أكرموه إكرام كبير.. وبعدين بعد ما أكل، وهو ناوي السفر، قام لمّ باقي الزاد داك، وختاه في إناؤه، وشاله معاه وودّع وفات.. فقام المريد أنكر الموضوع ده.. لمّاً فات قال ليهو: يا سيدنا، يعني أنت بتكلمنا عن هذا الرجل، كلام طويل ولينا زمن طويل وأنا كنت مشتاق ليهو.. هسة هو أكل ولمّ باقي الزاد شالو معاه.. دي حالة شنو دي؟ ما عنده أي شيء من التوكل.. قال له: ده فني عن التوكل.. دي الحكاية اللي نحن ما قادرين لها قال ليهو.. يعمل الأسباب بدون ما ينظر للأسباب، إنما ينظر للمسبّب.. يعمل الأسباب، دا أدب الشريعة.. نحن ما قادرين نستوي على الشريعة.. بنسقطها.. لكن ده فني عن التوكل، بقى ياخذ بالأسباب، بدون ما تحجبه الأسباب عن المسبب.

أها دي دقائق الأمور اللي بيعملوها الكبار، ويوزنوها الصغار تضله وتشوشه.. لذلك قيل عنه أنه ما توزنه.. الأخ الكبير ما توزنه.. وإذا كان خطر ببالك خاطر في الاعتراض عليه، ارجع لنفسك دائمًا.. وأهمها وأكبر حاجة تريّحك من الموضوع ده إنك أنت ما في مستوى علمه.. وأنت ذاتك نقايصك كثيرة اشتغل بي نقايصك بدل توزن الناس الآخرين.. دي أحسن حاجة تريحك.. بعدين زي ما قال عبد اللطيف، و مشى ليها إبراهيم مكي من بدري، أنه الزول يتكلم بيها في أدب ولطف، إذا كانت ألحت عليهو كثير، يسأل عنها.. قد تسأل الزول القريب منك.
تتذكروا في صلح الحديبية، لمّاً المشركين منعوا النبي وأصحابه من الدخول، وقالوا ليهو العام ده ترجع.. لكن نكتب بيناتنا عهد أنه العام الجايي تدخل.. لكن تدخل بصورة معينة، نحن نخرج من مكة وأنتو تدخلوا بالسيوف في "خروبها؟" ما تكونوا مسلحين وكده، وكتبوا صلح الحديبية.. شق الأمر ده على المسلمين أشد المشقة.. حتى عمر بن الخطاب قال للنبي: ألم تخبرني أننا سندخل البيت؟ قال له: هل أخبرتك أنك ستدخله هذا العام؟ قال له: لا.. قال له: فإنك ستدخله.. بعدين مشى قال لأبو بكر، دي تجي مسألة السؤال، قال له: لماذا نعطي الدنيّة في ديننا؟ أليس رسول الله؟ دخل فيه شك.. أبو بكر قال له: والله إنه لرسول الله، فالزم غرزه.. دي صححت الحالة عنده.
فأنت قد لا تسأل الكبير عن موضوعه، لكن تسأل زول عندك طرف من الأنس بيهو، وهو أكبر منك في المعرفة، يريح بالك.. ودي سياسة طيبة.. إذا كان شفت أنه الخاطر ألح عليك إلحاح شديد، ممكن تستفسر بكل الأدب الجم الممكن تلقاهو، ليجي ما يريح بالك.. مجرد الإخلاص في النية من الداخل وأنت ما عندك هوى ولا غرض، ولا اعتراض، ولا تنقيص لمن بتسأل عن ما بدر منه، الله بيعينك.. الله بيعينك ويوصل لك النور والطمأنينة.. (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).. الحاجة المهمة أنك أنت ما تمشي مع هوى النفس، بأنك عايز تتطلع.. تتطلع وعندك ظن بالسوء وعايز كان حاجة تجي توكده ليك.. ده بيكون فيه الضلال.
فالشاهد أنه السؤال ده طيب جدًا في حقيقته، وما استغرقناه في البحث، لكن ما ورد منه طيب جدًا وما لخصه عبد اللطيف، يكفي، في أن يعين الإخوان على السلوك.. لكن ممكن الموضوع ده يُطرح مرة ثانية ويناقش.. هو جوهر السلوك.
الأدب والمحبة هي السلوك في الحقيقة.. ومن أجل أن يكون في محبة لازم يكون في أدب.. الأدب ما هو بديل عن المحبة.. المحبة مهمة جدًا لكن ما في محبة بدون أدب، لاحظوا الحكاية دي.. ولذلك عندهم الأدب أهم من المحبة.. لأنه المحبة ما بتسلّك.. قد تترك الإنسان عنده نوع من البطر.. ونوع من رفع الكلفة.. نوع من عدم المسؤولية مع نفسه.. فالأدب مهم.. الأدب بيأدي إلى المحبة.. هم الإثنين الدعامتين اللي بيهم السلوك.
وأنت ما بتتأدب للآخرين إلا إذا كانت نفسك مسيطر عليها.. أهمية الأدب، ما يدل عليه من سيطرتك على نفسك.. والسلوك كله بطبيعة الحال هو السيطرة على النفس.. يعني الحيوان ما هو مكلف لأنه ما عنده العقل ال بيهو يسيطر على غرائزه.. والإنسان وجد مجال الكرامة عند الله لأنه عنده قوة السيطرة على نفسه.. الأدب أكبر ما يبرز السيطرة على النفس.. لأنه النفس ما عايزة تشوف زول أفضل منها حتى تتأدب ليهو.. دي طبيعة ما هي عايزاه.. ولذلك قالوا أنه يعني مشرب الذل والانكسار، و ده المشارب اللي ما بيزدحموا عليها الناس.. صعب على النفس.. ما عندها حظ فيهو.. النفس ما عندها حظ في الذل والإنكسار والأدب والطاعة.. عايزة تشوف نفسها في العمل، لكن في الأدب ما عندها حظ.. ولذلك عند الصوفية السلوك كله الأدب.. حتى التصوف سموه الأدب.
فيبدو أنه ده بينهي الجلسة دي لكن ما بينهي الموضوع.. الموضوع ده طويل وهو في الحقيقة لبّ السلوك.. مسألة الخواطر وتوجيهها وترويضها.. ممكن يُثار مرة ثانية، ويناقش مرة ثانية، أما الآن فهذه نهاية هذه الجلسة.
ـ