وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

السير خلف الله

مؤتمر الجمهوريين لعيد ثورة اكتوبر - رفاعة - الجمعة ٢٢ اكتوبر ١٩٧١

السير خلف الله

في الطريقة قيل كلام جيد جداً.. لكن ببساطة، قال "علي أبو كليوة": إذا كان الإنسان عايز يتبع النبي، يقرأ شمائله وأخلاقه وصفاته.. بعدين قيس معاملتك وتصرفاتك وأقوالك لأقواله ومعاملته وتصرفاته.. هو بيرى أنه إذا أنت ماشي وراء النبي، تمش ولا تلتفت ولا تشتغل بغيره، لأنه قد يغيب عن نظرك.. فقال إذا كان هو رؤوف وإنت عنيف، إنت بتتلفت وبتنقطع.. إذا كان هو كريم وإنت بخيل، إنت بتتلفت وبتنقطع، وتقيس صفاتك لصفاته.. وأفتكر بالصورة دي أدى مقاس عملي وبسيط، ويمكن للناس أن يمارسوه.. وما بتحصل مطابقة الصفة للصفة، إلا بالتقليد في العبادة لأنه بالعبادة بتكون الأنوار المقوية للإنسان، أن يدرك كمال الصفات، وأن يتعشق كمال الصفات، وأن يقدر على محاكاتها.. فمن هنا "علي" كأنه أدى مقاس بسيط يضبط العبادة ويضبط المعاملة.
هنا في ناحية الحقيقة برضه قيلت كلمات طيبة جداً.. قال "علي عوض الله"، وقال "يوسف جورج" مرتين، وقال "عبد الرحيم الريح".. "عبد الرحيم" جاب معاني أفتكر جديدة يجوز.. مش بالضبط جديدة، لكن كثير من الإخوان بيحب أن يُذكر بيها.. فهو قال، في مضمار (قولي شريعة وعملي طريقة وحالي حقيقة) كأنما قابلها بالولاية والنبوة والرسالة.. فقال الأدب في الشريعة أن تسير خلف الرسول، والأدب في الطريقة أن تسير خلف النبي، والأدب في الحقيقة أن تسير خلف الله.. ودي في الحقيقة جوهر الموضوع.. دي الزبدة بتاعه.. ونحن أصله نبينا جانا رسول ليسوقنا لي الله.. والسير خلف الله، ما في تجسيد للذات الإلهية، تعالى الله عن ذلك، لكن تسير خلف إرادته.. تريد ما يريده ليك، وده الرضا.. فقال السير في الحقيقة هو السير خلف الله.. والنبي فعلاً جاء ليسوق الناس لأن يرضوا بالله، لأنه جاء يسوقهم للعبودية.. وهو اتصف بالعبودية، وعايز يديهم مما عنده من الصفات، ليوصّلهم لربهم، ليكونوا عبيد بالعبادة.
وبرضو ورد من الإخوان أنه الحقيقة هي الذات، وعند العارفين كدا.. مظهر الله في الذات هو الحقيقة، ومظهر الله في الأسماء والصفات والأفعال هو الحق. الله هو الحق في مظاهر تنزلاته، وهو الحقيقة في صرافة ذاته.. وقالوا أنه الحق عنده ضد هو الباطل، والحقيقة ما عندها ضد، ولذلك هي أحسن كلمة توصف بيها الذات الما عندها ضدية.. لكن الذات تنزلت.. في ناس يتكلموا عن تنزلات الذات يقولوا الحق، وفي ناس يتكلموا عن تنزلات الذات ويقولوا الحقيقة، كأنما الحقيقة عندهم مراقي.. (من الله ذي المعارج) - المنازل، البتنزلها الذات لتقرب من الناس.
والذات في صرافتها، لأنها واحدة مطلقة الوحدانية، ما بتنعرف لينا، ما بتدركها عقولنا.. لذلك تنزلت وتقيدت في الثنائية، في الصفة، وفي الاسم، في الناحية النحن بنشبهها فيه.. ولذلك ربنا يقول (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون).. الحكمة في التنزل للزوجين أننا نحن ما دام عندنا عينين، وعندنا أذنين، كل حاسة مننا ثنائية، ما بندرك الأشياء إلا بالمقارنة، الخير بالشر، والسواد بالبياض، والظلام بالنور، والحلو بالمر، وهكذا.. فهنا يقولوا أنه الذات تنزلت في مراتب الحقيقة لغاية ما بقت ما عليه الوجود اليوم هو حقيقة.
واحد سأل شيخه قال ليه: إرادة الله شنو؟ قال ليه: ما عليه الوجود.. لمّاً تبقى إرادة الله ما عليه الوجود، يبقى ظهور الله أظهر من كل شيء.. كل ما تقع عليه عينك، أو تسمعه أذنك، أو يذوقه لسانك، أو تشمه أنفك، أو تلمسه ايدك، دي مظاهر إرادة الله.. ودي حقيقة.
هنا جاء كلام "يوسف" قال: الرضا مش بالإرادة.. الرضا مش بالإرادة، الرضا بالرضا.. وده كلام دقيق جداً في المعارف، لأنه الله أراد شيء ما رضاه.. الله أراد الكفر، لكن ما يرضى الكفر.. (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ). فإذًا الانتقال في العبادة هو أن نرضى بما يرضاه الله، مُش بما يريده الله، لأنه الله في إرادته في الخير والشر، وعنده حكمة في تنزيلها.
والحقيقة، عرّفوها برضه العارفين قالوا هي معرفة أسرار الألوهية، وأسرار الألوهية مودعة دائماً في الفعل الإلهي.. وسُمّيت سر لأنها خفية.. والله يقول عنه "الظاهر الباطن"، الباطن ده ياهو هو السر.. فهو ظاهر في فعله، باطن في حكمته في فعله.. من هنا يبقى الرضا بالإرادة غلط.. أنت لمّاً تكون في مرحلة الشريعة يجب أن لا ترضى بالحرام.. ده معنى قول "يوسف" أنه الرضا مش بالإرادة.. الحرام والكفر والجهل والفسق ده كله إرادة الله، لكن يجب أن لا ترضى بيها.