وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الغرض من التعليم

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٢ مايو ١٩٧٢

الغرض من التعليم

[الموضوع] مشى مشي طيب، لكنه لا يزال يحتاج لبحث زيادة.. ويبدو لي أنه في الآخر اتجه اتجاه قريب من المطلوب، في معنى التركيز على التوحيد، في الغرض وراء التعليم.. التعليم عنده غاية.. الغاية دي موحَّدة.. كأنها حقها تكون موحدة.. كانت في الأول زي ما قال قرني، الإنسان ما عنده تعليم للدنيا وتعليم للآخرة.. دينه ودنياه كأنهم في مركب واحد كانوا.. ونحن برضو في عهدنا، في عهد البعث النبوي، والثلاثين سنة اللي كان عليها قمة حالة المسلمين، ما كان في فرقة بين دينهم ودنياهم.. كان همهم الأساسي معادهم، وبينظموا معاشهم على القاعدة "الدنيا مطية الآخرة.".. بعدين حصل الانفصام فيما بعد.. حصل الانفصام في خلافة عثمان بن عفان، وفي أخرياتها ووقت الفتنة الكبرى، الدنيا أخذت جانب، والدين أخذ جانب.. وبقوا أنصار الدنيا أكثر من أنصار الدين.. والحق ما كان عنده نصراء. الدنيا عندها نصراء، حتى على الباطل، ومشت الحكاية دي لغاية ما عندنا اليوم.
واليوم في انفصام كبير.. ما بيهمنا، أمر الدين، ما بيهمنا.. حتى الناس اللي تعلموا الدين يأكلوا بيهو الدنيا.. فبقت المفارقة كبيرة.. في آخر الكلام في كان اتجاهات أكثر.. هو في، منبث الكلام في مسألة توحيد الغاية من التعليم، منبث كان في نقاشنا، والاتجاه ليهو واضح، لكن شايفه في الآخر اتبلور ليتجه، أنه الإنسان غرضه من التعليم أن يصل لنفسه.. أن يحقق نفسه، أن يبعث الانسان فيهو، وده اتجاه حميد.
وأنا افتكر إنه نحن نعطي الموضوع ده فرصة لقدام، ليكون النقاش فيه ماشي لغاية ما يوصّلنا إلى نتيجة يصلح أن تكون هي خلاصة ندوة.. يمكن أفتكر تكون ندوة بكرة مواصلة للموضوع ده، الإخوان يجيلوه في خاطرهم، لغاية ما نصل فيه إلى صور محددة، تكون في أذهان الإخوان، وطبعا اتجاه كتاب برضو راح يكون.
كل صورة (من تعلموا كيف..، ماذا..)، ده راح يكون موضوع من الكتب البتوضع إن شاء الله.
وزيما قال عبد اللطيف، أنه الموضوع مش راح يكون دعوة للأميّة، وزي ما هو اتجاه الإخوان، لكن دعوة لفضائل الأمية.. الأمية معجزة للنبي وما هي فضيلة لإنسان آخر..
الكلمة المكتوبة، والصورة المرئية، في الفنون المختلفة، والأصوات المسموعة، كلها وسائل من وسائل التعليم.. والكلمة المكتوبة مش راح يفرط فيها الإنسان أبداً، لكنه الموضوع راح يكون إعادة نظر في التراث كله وتقييم له.. وكل متعلم بيتجه إلى أن يكون عنده غربال - عنده ميزان - يزن بيه الأشياء، وما راح يضيعوا الناس وقتهم في أن يقروا كل ما يصدر من المطابع.. في حالة من الإنتاج الإجمالي الكبير جدا زحف حتى على الكتب، وعلى المجلات، وعلى الصحف المختلفة، وعلى الأفلام السينمائية، وعلى الأفلام التلفزيونية، وعلى وسائل الإعلام المختلفة.. الانسان ما عنده وقت لده كله.. عايز يقيّم ويعيد النظر فيما يأخذ وما يدع.
و يمكن مجهود (تعلموا كيف تتعلّمون) بيتجه إلى ده، أكثر مما يتجه لاي شيء.. وما من شك أنه وسائل الاعلام المختلفة هي وسائلنا لأن نتعلم.. (تعلموا كيف تقرأون) يمكن في قاعدة الموضوع ده.

وده بيقتضي شيء قبله برضو، اللي هو بتستطيع أن تزن بيه الأشياء.. وكلما أنت ماشي لتجده هو نفسك.. كل وسائل العمل، وسائل العلم، وسائل الفكر، كل الأشياء الزي دي، أنت بتبحث بيها عن نفسك، هي الضالة الحقيقية لينا.. والقرآن يقول: {مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}.. من اهتدى فإنما يهتدي، لنفسه.
والمسيح يقول: "ماذا وجد من فقد نفسه، اذا وجد الكون كله" عبارة زي دي يعني، تقريباً.. يعني الإنسان إذا فقد نفسه، ووجد الوجود كله، شن وجد؟! ما وجد حاجة.. البحث الحقيقي هو أنه الإنسان يجد نفسه، و يعرفها، ويعيد الصلح معاها، والسلام معاها، ودي الغاية من التعليم كله.. دي بتقتضي أنه الناس يتكلموا عنه وعن شعابه المختلفة.. ولذلك ده بنخليه يكون موضوعنا بتاع الندوة المقبلة.. (تعلموا كيف تتعلّمون) موضوع مهم لآخر درجة.. و(تعلموا كيف تعلَمون) بيكون.. يمكن موضوع (تعلموا كيف تتعلّمون) يسوقنا إلى تخوم - إلى حدود - (تعلموا كيف تعلَمون) اللي هي باب آخر.. وده جاي في مواضيع مؤتمر مايو.
المواضيع دي كلها الانسان كلما يتجه ليها، أنا بفتكر سلسلة (تعلموا كيف...) المواضيع المختلفة اللي بتجي فيها، بيكون فيها استيعاب لإعادة تكوين الانسان.. هي الحقيقة محاولة لإعادة التعليم، لإعادة الحياة، لإعادة الميلاد.. الإنسان الجديد، هو الإنسان القديم مولود جديد.. الإنسانية المقبلة النحن دعاتها هي الإنسانية الحاضرة، مولودة ميلاد جديد، عن طريق العلم.. عن طريق العلم.
وما من أحد يمكن أن يكون انسان الا اذا وُلد مرة ثانية.. ميلادنا الأولاني في منطقة الحيوان والبشر.. ميلادنا الثاني هو ميلادنا في منطقة الانسان، ودرجة الانسان، وده وسيلته العلم.
فلذلك الباب ده مهم.. وأنا افتكر الثورة الثقافية كلها راح تنفض الغبار عن أشياء، وتعيد النظر في كل شيء، وتقيّم كل شيء، حتى كأنما الانسان المتعلم عينيه بينفتحن لأول مرة على الوجود.. عند العارفين انه الكامل طفل.. الطفل تلقاه كل حاجة جديدة بالنسبة ليهو.. نحن هسع العادة حجبت عننا أشياء كثيرة جدا، بننظر بيها ونقيف مع قشورها.. لابد أن نرى الأشياء رؤية جديدة، ودي عن طريق التعليم.. كأننا الوجود كله مواجهنا بوجه.. وجهه ده هو البنعرفه، وعرفناه بالعادة، افتكرنا اننا بنعرفه، لكن واقفين مع قشوره.. عايزين الوجه الثاني، الوجه الثاني للوجود.. ده لابد أن يجي عن طريق انفتاح بصيرة التعليم.. انفتاح بصيرة الانسان.. وده هو موضوعنا في (تعلموا كيف تتعلّمون)، اللي هو مقدمة ومرحلة (لتعلموا كيف تعلَمون).
طيب.. نحن هسه في نهاية وقتنا في الجلسة دي، اللي هي الساعة العاشرة هسه، دي بترفع الجلسة الحاضرة.. جلستنا بكرة بتكون ميعادها زي العادة هي ٧:٤٥.. ندوة الخميس بس اللي نحن بنديها الساعة ٨:٠٠ ..
٧:٤٥ بكرة بيكون موضوعنا (تعلموا كيف تتعلمون).. ونرجو أنه كل واحد من الاخوان يجيله في خاطره، ويتعرض لواردات من الله فيه، وباكر بتكون في مساهمة لنقاشه لنصل فيه إلى نتيجة يحسن الصمت عليها.
الجلسة مرفوعة.
ــ