وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الثورة الثقافية هي علم وعمل بمقتضى العلم

أهداف الدعوة الإسلامية الجديدة - مدينة المهدية - ١٨ يونيو ١٩٧٢

الثورة الثقافية هي علم، وعمل بمقتضى العلم

ونحن قلنا أنه ربنا خلق الثالوث دا، اللي هو مثلًا الملكوت والملك والبرزخ، نحن قلنا الأشياء بالصور دي، اللي هو (العالم - المريد - القادر)، ده ملكوت وملك وبرزخ.. ملكوت "العلم"، وملك "القدرة"، والبرزخ التقاء العلم والقدرة، اللي هي "الإرادة".. الإرادة وسط بين صفتين أعلاها العلم، وأدناها القدرة، مش وارد التعبير بالصورة دي؟ الإنسان برزخ بين عالم الأرواح العليا، وعالم الأرواح السفلى.. هو نقطة التقائهم.. (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، في صور الأرواح المشرقة النورانية الما فيها ظلام، (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) رجع إلى مستوى الأرواح الظلمانية الما فيها نور، بعدين استُهجز بالنقطة دي طوالي قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أها دا طريق السير راجع.. (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).. نحن ماشيين إذًا لمقام أحسن تقويم.
أها قلنا ربنا خلق بالأسماء الثلاثية، ده كلام ورد.. أنه في عالم الملكوت خلق بـ (الله - الرحمن - الرحيم).. في عالم الملك خلق بـ (الخالق - البارئ - المصور).. في عالم البرزخ خلق بـ (العالم - المريد - القادر).. ولذلك سير الإنسان اللي منطقته البرزخ لي الله، (العلم والإرادة والقدرة).. العلم والإرادة والقدرة.. ومن أجل ده نحن قلنا أنه العمل هو علم وعمل بمقتضى العلم.. علم وعمل بمقتضى العلم.. الإرادة بين ديل، لأنك أنت ما ممكن تعمل حاجة، ولو علمتها، إلا إذا حدّدتها.. هي تنزلات بالصورة دي.. زي ما قلنا مرة مثلًا، النجار بيعلم التربيزة، لكن ليعملها، قبل ما يعملها، لازم يخصّصها.. علم أنه عايز تربيزة، لكن عايز تخصيصها، مثلًا ارتفاعها كدا، طولها وعرضها وخشبها ورجليها، دي إرادة.. بعد ما علم، علم محيط، أراد يعني خصص الأحجام، ثم قدر عليها بأن تحركت عضلاته بآلاته فأوجدها.. أها هنا لمّاً نقول نحن علم، وعمل بمقتضى العلم، الإرادة موجودة في الوسط، بالصورة دي.
الثورة الثقافية هي علم، وعمل بمقتضى العلم.. العلم دا بيتمثل في أعلاه الثورة الفكرية.. الثورة الفكرية عندما تلامس الواقع، تبعث علم بتغيير الواقع، ثم تجي القدرة على تغيير الواقع.. الثلاثة ديل بالصورة دي.. ودا السير السرمدي للإنسان.
الثورات انتقاضات تحمل فناها في ذاتها، لأنها عندها رد فعل.. الثورة من النقطة دي، بتمشي للنقطة ديك، ما بتعتدل.. لكن الثورة الثقافية والثورة الفكرية لأنها ما فيها عنف، ما راح تمشي للشوط كله، بتجي لنقطة الاعتدال.. ولذلك الثورة الفكرية والثورة الثقافية ما بتنتهي، زي ما بتنتهي الثورات البتأكل أبناءها، وتنتقض على مبادئها، وترجع إلى نكسات.
الثورة السرمدية، اللي ما بتنتهي إطلاقًا، وماشية باستمرار لي الله، هي ثورة الفكر، ثورة الفكر الثائر، والثورة الثقافية اللي يحدثها الفكر الثائر.. ده تغيير، وهو في الحقيقة ما سميت ثورة، إلا لسرعة التغيير بها، لكن هي تطوير.. الاسم الحقيقي لها التطوير، ما هو الثورة.. وده ما بينتهي إطلاقًا، وسير سرمدي.. ولذلك تجي في منطقته، اللي نحن قلناها، هي منطقة الأسماء الثلاثية: (العلم والإرادة والقدرة).
نحن نغير أنفسنا بهذه الأسماء الثلاثية، ونغير الوجود حولنا، ليكون وسيلتنا للتغيير باستمرار.. كأنما سيرنا رأسي وأفقي.. الحكاها هسه علي.. رأسي: فكر.. أفقي: تحقيق الفكر في واقع التغيير.. أها دا في أنفسنا وفي مجتمعنا، بالصورة دي.. لذلك العبارة بتاعة الإخوان اللي وصلوا لها في أنه أعلى الوسائل هي الفكر.. افتكر دي هي المطلوبة.. ونحن ممكن نقيس على الفكر.. ممكن تقول الفكر الثائر دي الوسيلة الحقيقية.
ــ