وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

نشأة الطرق الصوفية

مؤتمر الجمهوريين لعيد ثورة اكتوبر - ٢١ اكتوبر ١٩٧١ - رفاعة

نشأة الطرق الصوفية

موضوعنا أدب السالك في طريق محمد.. والعبارة (أدب السالك في طريق محمد) مقصود بيها أنه الإنسان المقلد لعبادته في السنة النبوية بيلتزم منهاج معين من الأدب.. والأدب عندهم روح العبادة.. حتى الصوفية عندهم كلمة يقولوها: (إن الإنسان قد يصل بعبادته إلى الجنة، ويصل بأدبه في عبادته إلى الله).. فالأدب هو مخ العبادة.. وفي مناهج معينة بتتخذ، الإنسان بيتعلمها، بيها تحصل البركات في العمل.. والحقيقة أنه تركيز الصوفية على الأدب كبير حتى إنهم يسمو التصوف أدب.. جماع الأمر كله عندهم هو الأدب.. فالتصوف هو الأدب.. وكانوا يقولوا: (أخذ الفقه على فلان وأخذ الأدب على فلان) يعني سلك الطريق.. كان زمان لمّاً يقولوا أخذ الأدب، يعني سلك الطريق.
وفي أول الأمر الطرق ما كانت ظاهرة، كان أعظم شرف للناس، وهم أصحاب للنبي الكريم، أن يقولوا الصحابة، الأصحاب.. ثم عندما تلاحق الأصحاب بالرفيق الأعلى سُمّوا من بعدهم "التابعين"، كل من حضر الصحابي وصحب الصحابي سمي التابع.. فكانوا يقولوا التابعين.. الصحابة والتابعين.. ثم عندما تلاحق التابعون بربهم جاء من بعدهم جيل صحب التابعين، سُمّي "تابعي التابعين".. الوضع ده استغرق لغاية نهاية المية الثانية الهجرية، بعد ده نشأ العباد والزهاد.. برضو التصوف ما كان ظاهر.. العباد والزهاد والوعاظ في الأدب.. ما كان وعظهم إلا في عيوب العمل، وده الوعظ الحقيقي.. عيوب العمل، عيوب النفس وهي بتعمل، من كبريائها، ومن شراهتها ومن حرصها، إلى الآخر، ده كانوا بسموه الوعظ، ويعظوه الزهاد، ويزهدوا الناس في الدنيا ويوجهوهم للآخرة، ويجردوهم من رعونات نفوسهم، ودي كانت طريقتهم.. فسُموا الزهاد وسُموا العباد، ثم لأمام عندما تعقدت المسائل بدأت الطرق تظهر.
في آخر المية الثالثة، سنة حواليي ٢٩٠ للهجرة، ظهر الشيخ الجنيد.. والشيخ الجنيد بيعتبر زعيم الطائفة الصوفية.. كل الطرق بتجي عنده ثم تتجه إلى الحسن البصري.. السري السقطي لعله بعده، وبعدين الحسن البصري، وتمشي لغاية سيدنا علي، إلى نبينا، إلى جبريل، إلى رب العزة.. دائماً تلقوا تسلسل الصوفية ينهجوا بيهو النهج ده.. وسموا الجنيد زعيم الطائفة الصوفية.. برضه وقتها ما ظهرت الطرق.. كانوا على عهده عدد كبير من الزهاد، إبراهيم بن أدهم كان قبله، و زي أبو يزيد البسطامي وزي الجنيد وزي السري السقطي من المربين الوعاظ في تخليص الناس، زي ما قلنا، من رعونات النفس وغرائزها المتسفلة، وتسليكها على نوع من الوعظ ونوع من الكلمات اللي تقال لترشد السالكين، وتدلهم على نقائص أعمالهم ونقائص نفوسهم.. من هنا نشأت الطرق في الآخر.
أول طريق جامع وكبير كان طريق الشيخ عبد القادر الجيلاني.. الطرق نشأت زي ما انتو شايفين من التزام نهج النبي.. أخذ عن الصحابة، عن التابعين، عن تابعي التابعين، عن الزهاد والوعاظ، لغاية ما ظهرت الأوضاع المعينة للطرق، فيها أورادها وفيها ترسيمها المعروف، وفيها مكاففتها، وفيها أنه الناس إنتسبوا إلى مسلّك معين.. فالسيد أحمد الرفاعي كان قبل الشيخ عبد القادر الجيلاني بقليل ومعاصر ليهو.. الشيخ عبد القادر الجيلاني أشهر ناس الطرق، ثم الطرق إتسلسلت من بعده وخرجت من طريقه.. كما خرجت الطرق من السنة النبوية، خرجت الطرق من الطريقة القادرية.
-